No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف ـ
داخل سوق قامشلو، وعلى بسطة خشبية لم تتجاوز البضع أمتار توضعت الأواني النحاسية من أكواب، ودِلال للقهوة، وصواني، وحاملات شموع، وأباريق للمياه بأشكال، وأحجام مختلفة، ووضِع إلى جانبها ساعات سويسرية قديمة تعود لعقود من الزمن، ولم تخلُ البسطة من القطع الخشبية يدويّة الصنع، في لوحة فسيفسائية رسمها محمد عبد الغني طه في بسطته لتسر الناظرين.
اجتمع القِدم بعدة أشكال ضمن بسطة صغيرة، إلا أن ما يشد إليها هو القطع النحاسية إذ تبقى حرفة النحاس مهنة عريقة تحمل إرثاً ثميناً حافظ على تاريخ الأجداد، والعائلات العريقة، ونقل روحاً ثقافية شرقية معتَّقة برائحة ماضٍ مشرق، عَبْرَ أيادٍ طرقت النحاس فأبدعت، وشكّلت لوحات تحكي لون الشمس بجمالها، وكتبت تاريخاً مهماً للمهن اليدوية التي أغنت موروثنا العربي.
ولكن تواجدها قد اضمحل، وتلاشى لتتحول إلى قطع للزينة، وجماليات في المنزل، فيما كانت في السابق متواجدة في المطابخ، وغرف الضيوف، ومع قلة مقتني هذه القطع النحاسية ذات الأسعار العالية اختفت مهنة تلميعها والتجارة بها.
إلا أن شاب من مدينة قامشلو عشق النحاسيات بأنواعها، فاقتناها، وعرضها للبيع في السوق، وقد أضاف إليها قطع أخرى من الخشبيات التي تشكلت على أدوات يستخدمها الأهالي بشكلٍ مصغر، كصوبات التدفئة، والأراجيل، دِلال القهوة، وماكينات لطحن الكبة، بالإضافة إلى قطع خشبية على شكل آلات للعزف.
قطع تجاوز عمرها الثمانين عاماً
“محمد عبد الغني طه” بدأ العمل على بسطته منذ سنوات، فقد قام بشراء القطع النحاسية من الأهالي في قامشلو، والمنازل الريفية التي مازالت تقتنيها ليعرضها، بالإضافة إلى قطع قام بشرائها من دمشق، وحلب، لشهرة هذه القطع في تلك المدن.
أحب طه القطع النحاسية منذ صغره، فقد كانت والدته تستخدم هذه القطع، كالدلات، والهاون النحاسي، وغيرها من الأدوات، وقد بدأ بجمعها في صباه، لتتحول الهواية إلى مصدر رزق له، إذ أنه بدأ يبيعها ضمن السوق.
ويقوم طه بجلب هذه النحاسيات من المدن السورية إلى جانب مجسمات يدوية الصنع، وينوه إلى ذلك: “لم يعد الأهالي يلجئون للنحاسيات في أعمالهم اليومية كما السابق، واستبدلوها بقطع مصنوعة من البلاستيك أو الحديد، ولذلك العثور على هذه القطع أصبح نادراً في المنازل السورية”.
وتابع طه: “أقوم بجلب هذه القطع من عدة أماكن، لأعرضها ضمن السوق، ولها زبائنها الخاصين ممن يعشقون اقتناء هذه القطع”.
وما يجمل بسطة القطع النحاسية العائدة للعديد من شعوب المنطقة كالمسيحيين، والعرب، لتشكل لوحة جمعت من خلالها شعوب المنطقة، وكما أن طه نوه إلى قدم القطع النحاسية: “إن القطع التي أعرضها قديمة ومنها من يتجاوز عمره الخمسين عام، وهناك تماثيل أرمنية، ونحاسيات هندية، وسعودية تحمل أعمار تتجاوز السبعين، والثمانين عام”.
تراث المنطقة
وعن أسعار ما يقوم طه بعرضه ضمن البسطة بيّن لنا أن المجسمات المصنوعة من الخشب تبدأ من الـ 7500 ليرة سورية إلى 30 ألف ليرة سورية، أما عن سعر النحاسيات فهي تختلف من قطعة إلى أخرى بحسب قدم القطعة وحجمها، وعمرها، وتبدأ أسعارها من 100 ألف ليرة سوريّة، فيما يتجاوز سعر بعض القطع المليون ليرة سورية.
وتطرق طه إلى الصعوبات التي يواجهها في الشحن بين المحافظات السورية بقوله: “في آخر مرة قمت بشراء دله قهوة، وستة أكواب صغيرة مع ثلاث صواني للضيافة كانت بسعر500 ألف ليرة سورية، إلا أن مصاريف الشحن تجاوزت الـ 250 ألف ليرة سوريّة مما زاد على سعر القطع، وهذا ما يجعل العديد من الأواني فقط للعرض بسبب ارتفاع أسعارها”.
ويسترجع الشاب محمد عبد الغني طه ذكريات الماضي مع القطع النحاسية، ويعدّها جزءاً من تراث المنطقة العريق الذي استغنى عنه سكانها بالأواني البلاستيكية، فيما بقيت القطع النحاسية ترافق كل من عشق التراث، لتبقى بسطته الصغيرة رحلة إلى الماضي الجميل.
No Result
View All Result