ترجمة: نعيم عطية جرجس_
نظرت إلى يديها المتعبتين؛ أصابع طويلة نحيلة، في شبابها الباكر كانتا أفضل حظا، لكن قدر لهما بعد ذلك أن تفلحا أرضا مجدبة، ارتضت العمل الشاق بكبرياء، انتقت أفضل ما في قلبها من بذور، فبذرتها، ترقبت أن تنبت، واثقة من أنها ستعطي زهرا يانعا.
بعد قليل، رأت لدهشتها أن البذور المنتقاة أنبتت صبارا، انكبت في قنوط ترعاها، تدس يديها في أعماق التربة لتخرج الحصى وكل نبت وحشي، كي يتنفس التراب الخشن، ويتحسن الصبار، فربما أنبت في المستقبل زهرة، فكرت أن تسقيه ماء، ماء كثيرا.
فتحت صنبور الطيبة، وروته حتى آخر قطرة، لكن السنين مرت، وظل الصبار مغطى بالشوك، أعجف، راحت أوراقه تنبسط دون أن تبزغ منه زهرة، امتدت الجذور الشرهة وتغولت، امتلأت الأرض بها، وما عادت تفسح موضعا ولا حتى لزهرة برية كي تنبت حولها، تراها تطل فتتعزى وتقر بها عيناها.
تعبت يداها، احمرتا، كما تعبت عيناها من منظر البقاع الجدباء على مدى البصر، رفعت وجهها إلى السماء لتريح بالها الذي لا سمير له.
سحب سوداء بجنون تجري على أديمها، نقبت دون جدوى عن خفقة جناح، وفجأة ظهر طائر أبيض كبير يطير في وجه الريح فوق الصبار، فوق ديار البشر، بدا جناحاه أنصع بياضا في الفضاء الرمادي اللانهائي، وفد إلى خاطرها الرجل الذي كان في وجه الريح يطير بدوره تحت سماوات دكناء، فوق الصبار، وديار البشر. كان بدوره هكذا كبيرا على نحو غير عادي وغير مألوف.
ظلت مدة طويلة تلوح لذاك الذي يطير مبتعدا، ثم دست رأسها الأشقر بين ذراعيها المعقودين، وانخرطت في بكاء صامت. ستبقى على ماهي عليه دوما، قدماها مغروستان في التربة الخشنة في الأرض الجدباء، يحيط بها الصبار ويحاصرها.
قصة قصيرة من الأدب اليوناني