No Result
View All Result
د. محمد فتحي عبد العال (كاتب وباحث مصري)_
امرأة رفعتها الأقدار لمنزلة سامية لا تبارى؛ مال وجاه وسلطان، لكنها الأيام حين تتبدل والخطوب حين تقسو والأحوال حين تتأزم، فإذا بسلطانة الأمس تعيش ضنكا وضياعا وبؤسا وشقاء، وتغدو نهايتها مأساوية، حكايتنا عن السلطانة سنية هانم زوجة السلطان العثماني محمد السادس، ونبدأ قصتها من مشارف النهاية ففي مجلة العروسة عام ١٩٢٦م، ومن خبر محاولة انتحار سلطانة تركيا السابقة الأميرة سنية زكريا نقف على أعتاب قصتها.
ولدت سنية هانم في سينوب عام ١٨٨٩ م وهي شركسية ووالدها زكريا بك من عائلة معروفة في قفقازيا، وحسب المجلة فقد عرفها السلطان وحيد الدين إذ رآها تتنزه مع خالها في بستان قصره، فأعرب له عن رغبته في الاقتران بها، وكانت زوجته الثانية ولكنها افترقت عنه بعد خمس عشرة سنة.
وهنا تقع المجلة في خطأ في رواية اللقاء الأول بين سنية والسلطان، فحسب لقاء الأستاذ “علي أحمد هيكل بك المحامي” معها والذي نشرته مجلة ” كل شيء والعالم” في عام ١٩٢٧ حيث وصفت سنية لقاءها الأول بالسلطان بالغريب فقد كانت في السابعة من عمرها حينما رافقت أمها، التي كانت صديقة لوالدة السلطان لقصر “ضولمه باغجه” وهو قصر التتويج وهناك وقع نظر السلطان عليها فتعهدها بالرعاية والتربية وبلغ اهتمامه بها، أنه من كان يخلع أسنان طفولتها اللبنية بنفسه !! ولما شبت عن الطوق وبلغت الثالثة عشرة من عمرها تزوجها في ٢١ ذي الحجة ١٣٢٤ هجرية (أي ١٩٠٧م) وأصبحت من وقتها “حرمتلو عصمتلو سنية خاتم انشراح أفندم” …
كان السبب في الانفصال حسب روايتها هو جمود أفكار السلطان واستبداده بينما كانت تعشق الحرية ومبادئها وهو ما خشى منه السلطان أن يتسرب لسكان قصره، فأقامت منفردة بين قصرين: في الصيف قصر “جنكل كدى” والشتاء قصر “ضولمه باغجه”.
وحسب مجلة العروسة العدد المشار له آنفا فقد رتب لها السلطان بعد الانفصال مرتبا شهريا بقيت تتناوله حتى “اعتزاله” ورحيله إلى الآستانة، ومعه أخاها “زكي بك ” ثم اعتلت صحتها فسافرت إلى إيطاليا ومنها جاءت إلى مصر لتقيم بها طويلا ولكن السلطان مات أثناء ذلك وقطع عنها الراتب ونفد ما معها.
أعتقد أن المجلة قد جانبها الصواب أيضا في هذه المسألة فانقطاع السلطان عن النفقة ربما بدأ في نهايات حياته فمأساته كانت أعظم من مأساة زوجته بكثير.
كان السلطان محمد السادس والمعروف بالسلطان “وحيد الدين” هو السلطان ال٣٦ لدولة ما تسمى بالخلافة العثمانية، تسلم الحكم والبلاد في أتون حرب عالمية أرهقت بلاده ولم تجن منها شيئا سوى هزائم مدوية، وضياع فلسطين وسوريا واحتلال أجزاء من الأناضول، وأصبح واضحا أن خلاص أوروبا من “رجل أوروبا المريض” قد أوشك… في مؤتمر الصلح بباريس في ١٨ كانون الثاني ١٩١٩م تكشف للسلطان المطامع اليونانية في السيطرة على “إزمير” وعلى الباب العالي عدم المقاومة وهو الإذلال الثقيل عليه بحكم العداء التقليدي بين البلدين.
تفتق ذهن السلطان ورئيس وزرائه “فريد باشا” أن بإمكانهما اصطناع حالة من المقاومة الوطنية في شرق الأناضول للتمرد بشكل غير مباشر على الشروط المجحفة التي فرضها الحلفاء على الدولة العثمانية في مؤتمر الصلح، وأن خير من يوكل له المهمة: “مصطفى كمال أتاتورك “المساعد الفخري للسلطان، وبالفعل عينه السلطان مفتشا عاما على الجيوش وله سلطة إصدار الأوامر بالأناضول كلها، لكن ثقة السلطان لم تكن في محلها فسرعان ما قلب له أتاتورك ظهر المجن فبعد نزول الجيش اليوناني بإزمير بيومين ظهر أتاتورك بها معلنا تمرده على السلطان، ومتسلحا بالتفاف الحركة القومية حوله وتمخضت الحركة عن إنشاء “مجلس الأمة التركي”، وبدأت المواجهة بين الطرفين وهنا تبدو الصورة ضبابية بين المؤرخين حول دوافع أتاتورك في هذا الانقلاب على السلطان، بين من يتهمه بالتواطؤ مع انجلترا في الخفاء ضد السلطان، وبين من يراه قائدا لحركة وطنية إصلاحية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مع انبطاح السلطان لشروط الحلفاء المهينة.
كانت القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقولون هي ظهور بنود معاهدة “سيفر” للعلن والتي قلصت صلاحيات الدولة العثمانية وسيادتها بشكل غير مسبوق وأجبرت الدولة العثمانية على توقيعها في العاشر من آب ١٩٢٠م حيث سارت المعاهدة في مبادئها على خطا “سايكس بيكو” لتتقاسم ما احتلته الدولة العثمانية بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا علاوة على اليونان وقد اشتملت المعاهدة على منح الكرد حكما ذاتيا وحق تقرير مصير، وكذلك اليهود في فلسطين، فثار الوطنيون الأتراك ضدها واتهموا السلطان بالخيانة ولم يكن أمام السلطان محمد السادس سوى الفرار بحياته بضمانات بريطانية وذلك تزامنا مع إعلان الحلفاء في مؤتمر لوزان في تشرين الثاني ١٩٢٢م عن اعترافهم بمجلس الأمة التركي ممثلا شرعيا للشعب التركي، ومعه أدرك السلطان أن الخلافة العثمانية أصبحت في مهب الريح وقاب قوسين أو أدنى من الزوال.
غادر السلطان إسطنبول في ١٧ تشرين الثاني ١٩٢٢م من قصر يلدز على متن السفينة الإنجليزية “مالايا ” إلى منفاه الاختياري بمالطا ومنها إلى مكة بدعوة من الشريف حسين، الذي كان قد شق عصا الطاعة للباب العالي في هذه الآونة ثم الطائف ثم بعدها غادر الحجاز كله إلى ايطاليا ربما بعد أن يأس أن يُعطى له ” الحجاز” أسبابا للعودة مرة أخرى لمقعد الخلافة وهو ما لم يكن ممكنا مع بسط بريطانيا نفوذها هناك.
اشتدت الضائقة المالية بالسلطان وحيد الدين ومع إلغاء الخلافة العثمانية عام ١٩٢٤م، ولم شمل عائلته إلى جواره تضاعفت ديونه بشكل كبير لدرجة أنه حين وفاته في ١٦ أيار ١٩٢٦م رفضت السلطات الإيطالية دفنه لحين سداد ديونه البالغة ٢٠٠ ألف فرنك لأصحاب المتاجر؛ ما اضطر ابنته “صبيحة” لبيع مجوهراتها وفاءً لدينه وليستقر جثمانه بمسجد السليمانية بدمشق في العام نفسه بناء على وصيته.
ومن السلطان السابق نعود أدراجنا مرة أخرى لـ “سنية” السلطانة السابقة والتي ضاقت بها السبل في مصر وحاولت أن تشتغل بالتصوير لتعيش ولكنها لم توفق في عملها، واشتد بها الضنك ولم تجد مرتزقا وكانت تطاردها الهواجس أن هناك جواسيس يتتبعونها وينقمون عليها اشتغالها بالسياسة وقت سلطنة زوجها، ويبغون إيذاءها فلجأت إلى أحدى الكنائس تطلب مأوى تقيم به بقية أيامها، ولكن رئيسة الكنيسة أرسلتها إلى ملجأ الغرباء، فأقامت به تقاسي مرارة اليأس والأحزان حتى تملكها القنوط، وفي أيلول ١٩٢٦ م خرجت إلى الجزيرة الصغيرة وألقت بنفسها في النيل مؤثرة الموت على الحياة لكن بوليس الدورية وأحد أصحاب المراكب نجحا في إنقاذها وأعيدت إلى الملجأ.
يبدو أن مأساة السيدة وتناولها بالصحف قد كان الحجر الذي حرك المياه الراكدة، فسعى محمود صدقي باشا محافظ العاصمة في صرف مرتب لها من وزارة الأوقاف فتسنى لها بعد خروجها من ملجأ الغرباء أن تستأجر منزلا بسيطا بحلوان شاكرة له صنيعه.
أما عن نهاية السلطانة فتزعم الروايات أنها نجحت في الانتحار أخيرا بإلقاء نفسها في مياه النيل في العاشر من تموز١٩٣٠ م ونقل جثمانها بعد سنوات لتدفن في مقبرة أمير سلطان في مدينة بورصة التركية.
No Result
View All Result