No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف ـ
داخل غرفة محاصرة خالية من أي صوت سوى أنفاس تشبعت بالمقاومة، وأسلحة بسيطة، ووعود بالنصر، قاوم تسعة مقاتلين من قوات سوريا الديمقراطية أعتى الإرهابيين من داعش، حاملين شعار، إما الشهادة أو النصر، ليكونوا شاهدين على شهادة رفاق دربهم، ووحشية مرتزقة داعش، داخل سجن الحسكة، مكللين تلك المقاومة بالنصر على داعش.
في مساء يوم 20/1/2023، دق ناقوس الخطر أبواب سجن غويران بعد الهجوم على السجن بصهريج مفخخ، تلاه هجوم بالأسلحة الخفيفة من مرتزقة في محيط السجن، وفي ذلك الوقت كان “باور معيش” أحد مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية مع رفاقه داخل السجن عند سماع دوي انفجار هز أركان السجن، فخرجوا لاستكشاف ما جرى فاستقبلهم وابل من الرصاص، أعادهم إلى داخل المبنى.
فيما كان معيش يريد أخذ سلاحه المعلق على الباب قابله مرتزق من داعش فحاول سحب السلاح من يديه، ووسط مشاحنه يدوية تلقى باور معيش ضربة على رأسه من مرتزق آخر، إلا أنه استطاع سحب مخزن الرصاص من سلاحه، وقد أيقن أن الهجوم أكبر من هجوم خارجي على السجن، فذهب يبلغ رفاقه الذين اجتمعوا في الغرفة يتلقون الأوامر للحفاظ على الرصاص المتبقي بأسلحتهم ويقول باور معيش: “لقد كنا نحاول منع أي شخص يريد الدخول إلى الغرفة، التي تواجدنا برشقات من الرصاص، ورمى المرتزقة قنبلة يدوية في الغرفة لإنهاء حياتنا، وحملها الشهيد عاكف ليبعدها عنا، إلا أنها انفجرت بيده قبل رميها”.
مشاهد حُفرت في الذاكرة
صوت القنبلة دوى في الغرفة، تلاه صوت أنفاس ما زالت تقاوم جراحها من الشظايا، نجى معيش من الموت، ولكن آلمته رؤية رفاق دربه يستشهدون: “لقد اقتربت من الشهيد عاكف وقد سكنت حركته، ونزفت جراحه، مفارقاً الحياة، بقينا 12 شخصاً، داخل سجن يحوي أكثر من خمسة آلاف داعشي”.
لم يكن معيش ورفاقه يملكون الوقت للتفكير فالخطر يتربص بهم من كل جانب، خرج حاملاً سلاح رفيقه، وجثمانه الطاهر متجهاً إلى الطابق العلوي، وقد حصن مع رفاقه أحد الغرف من خلال العفش الموجود فيها فأغلقوا الباب بإحكام على أنفسهم مانعين المرتزقة من الوصول إليهم، لم ينطق إي منهم إلا أن عيونهم تكلمت سوف يقاتلون حتى الرمق الأخير فلا مفر من المواجهة.
لم يكن يتراءى إلى مخيلة أحد، أن المحاصرين داخل حيز السجن مع أعتى الإرهابيين، بأسلحة بسيطة، بلا ماء أو طعام، ودون وسيلة للتواصل مع الخارج، سيقاتلون ويمنعون مرتزقة داعش من الفرار، فقد كانوا يقتنصون الراغبين بالفرار من السجن، حتى أن المرتزقة أصبحت تتواصل معهم للخروج واعدين بحفظ أرواحهم. وحول ذلك أضاف معيش: “لقد طالبونا بالاستسلام فهم لا يعرفون عددنا أو الأسلحة، التي نملكها وكمية الذخيرة لدينا، لذلك ساومونا على حياتنا، ولكننا لم نفتح بابا للحوار معهم، فلا يمكن أن نخون جثامين رفاقنا وتضحياتهم، كنا على يقين أن قواتنا في خارج السجن ستصل إلينا فما علينا إلا الصمود حتى ذلك الوقت”.
وعود، وخدع، ووحشية وتفنن في الإجرام، هكذا كان حال سجن غويران في الحسكة على مدار ستة أيام: “لقد كانوا يريدون القبض علينا أحياء؛ لكي يتفننوا بتعذيبنا، وعودٌ كنا على يقين أنها كاذبة، فنحن نعلم مدى الإجرام الذي سيحدث إن خرج هؤلاء المجرمون من السجون أو إن استسلمنا”.
مشاهد وحشية تمثل داعش
شاهد باور معيش ما كان يجري في ساحة السجن من عمليات قصاص لرفاقه، وعن الصرخات، التي ما زال يسمعها كلما تذكر مشهد حرق أحد رفاقه المصابين: “لقد كان مستلقياً على الأرض غير قادر على الحراك من خطورة جراحه إلا أن المرتزقة غطوه ليس ليموت بسلام، بل ليشعلوا النار في جسده”.
جثامين بلا رؤوس، بقايا عظام بشرية، دماء بريئة غطت الأرض، هكذا كانت المشاهد، التي يراها معيش ورفاقه على مدار خمسة أيام، كلما نظروا من نافذة الغرفة: “لقد كانوا يطالبوننا بالاستسلام، كيف نسلم أسلحتنا ونستسلم، لقد تعاهدنا إما النصر أو الموت بشرف، فهؤلاء الشهداء لم تزهق أرواحهم سدى، فإما أن نستشهد معهم هنا، ونحن نمنع المرتزقة من الخروج، أو ننتصر”.
وبمقاومتهم البطولية قاوموا بالإمكانات الموجودة لديهم، ومع منع المرتزقة من الخروج، أقدم المرتزقة على إشعال النيران في الطابق السفلي، فتصاعدت النيران داخل المبنى، وغطى الدخان كل مكان: “طلبوا منا الاستسلام كآخر فرصة، لكننا لم نستسلم وواصلنا بالصمود إلى أن سيطرنا على الوضع”.
خمسة أيام من المقاومة خسر فيها باور معيش ثلاثة من رفاقه في غرفة الصمود، فقد أشار إلى أن المرتزقة حاولوا قتلهم عن طريق نافذة أحد الأبنية القريبة منهم: “لقد كانوا يطلقون وابل الرصاص على الغرفة، كلما منعناهم من الخروج، وأصيب ثلاثة من رفاقنا، الذين استشهدوا متأثرين بجراحهم”.
إشارة النصر رسالة صمود لا استغاثة
من الصعب أن تشاهد رفاقك يفقدون حياتهم ببطء، وأنت مكتوف الأيدي، ولكن العجز واليأس لم يكن له مكان في قلوبهم، فمع كل شهيد كانوا يؤمنون بأن عليهم الاستمرار من أجل حماية المدنيين في الخارج، وقد آمنوا أن رفاقهم قادمون: “لقد كنا نعلم أن القتال في خارج السجن قائم، ولذلك تعاهدنا على الاستمرار بما نقوم به حتى آخر طلقة لدينا”.
ولم يخب ظنهم برفاقهم، فقد آمنوا أن النصر حليفهم، ولكنهم بحاجة بعض الوقت، وقد لاح الأمل مع دبابات ومدرعات قسد التي بدؤوا يشاهدونها: “أردت الخروج من أجل إخبارهم بمكاننا، لقد كنا نعرفهم، ولكن هل سيتعرفون علينا إن لوحنا لهم، وكيف نفعل ذلك، ونحن لا نعلم الوضع في الخارج، وأين المرتزقة الآن”.
خطر على فكر باور معيش رفع شارة النصر، فمن المستحيل أن يرفعها أحد المرتزقة لإيصال رسالة استغاثة لهم من دون صوت، أو حراك خشية أن يلاحظه المرتزقة، ورفع العلم الذي تحول لونه إلى اللون الأسود مع يده على أمل أن يتعرف عليه رفاقه ممن يقاتلون المرتزقة على أسوار السجن، ويقول: “لم نكن نعلم هل وصلت الإشارة أم لا، وهل تعرفوا علينا أم لا، لذلك قمنا بالمجازفة وخرج اثنان من رفاقنا إليهم، وللتأكد أنهم من قوات قسد”.
حالما وصل رفيقا باور معيش إلى المصفحة، ومع إطلاق صفارات الإسعاف تحرك معيش ومن معه للخروج إلى المصفحات، التي هبت لنجدتهم، معلنين في اليوم ذاته أن قوات سوريا الديمقراطية قد أعادت سجن الصناعة تحت سيطرتها في إطار حملة “مطرقة الشعوب”.
محاكمة دولية في أراضي شمال وشرق سوريا

ما عاشه باور معيش مع رفاقه داخل عصيان سجن غويران، جعله يتساءل لماذا لم يتم محاكمة هؤلاء المجرمين حتى الآن: “لقد سموا أنفسهم دولة الإسلام، وهم من كانوا يقتلون الأرواح، ويقطعون الرؤوس، ويقاتلون أصدقاءهم ممن رفضوا أفكارهم، ويضعون الأطفال في مقدمة حروبهم”.
فيما بيَّن معيش أن خط الدفاع الأول ضد خطر داعش هي قسد وقوى الأمن الداخلي: “لقد كنا نحمي العالم لا مناطق شمال وشرق سوريا فقط، وقد ضحينا بأرواحنا من أجل ذلك، ولولا تلك التضحيات لكان داعش انتشر في أجزاء العالم كلها، فقد كان هدف داعش رج آفا أولاً، ونحن من وقفنا بوجه داعش”.
وتطرق باور معيش إلى تقاعس الدول في أداء واجبها لإنهاء داعش، كما طالب بمحاكمة للمرتزقة على أرض شمال وشرق سوريا، فهي من خسرت أبناءها، وفلذات أكبادها، واختتم باور معيش حديثه: “لقد جددنا العهد مع 121 شهيداً ممن كانوا رفاقنا يوماً، وسبقونا في طريق الشهادة، ومنهم من استشهد بين أيدينا وسننتقم لهم وسنستمر في حماية هذه الأرض مع شعبنا”.
No Result
View All Result