No Result
View All Result
رستم جيان _
يتناول المفكر والقائد عبد الله أوجلان الكثير من الجوانب الحياتية كأفراد ومجتمعات، وقد كرس الكثير من فكره وبحثه للحديث عن الحداثة الرأسمالية، ومما يقوله من هذا الجانب كتعريف للرأسمالية بالشكل الصحيح كما يبينه لنا: “ما لا يتوجب تعريفها بأنها راسخة لا تتغير، بل يجب فهمها أساساً على أنها نشاطات الشخصيات والمجموعات المنفعية الانتهازية المختبئة في تَصَدُّعات المجتمع وتَشَقُّقاتِه، وممارساتها في قرض فوائض الإنتاج بمنتهى الطفولية، وأمثال هؤلاء لم تَزِد نسبتُهم في المجتمعِ في أيِّ وقتٍ من الأوقات عن واحدٍ أو اثنين بالمائة، حيث يأخذون قوتهم من المنفعيةِ الانتهازية وتنظيمِ الذات، ويُحرِزون انتصاراتهم بتنظيمِ شؤونهم ضمن المكانِ على نحوٍ أفضل عبر بسطِ نفوذهم على الأشياء، التي يحتاجها المجتمع ضمن التصدعات الاجتماعية المتفاقمة مع الزمن، وإذا لم تَقمَعهم القوى الرسميةُ في المجتمع فحينها، ستَكتَسِبُ هذه المجموعاتُ المتواجدةُ بنطاقٍ ضيقٍ على هامشِ أشكالِ المجتمع كله، شرعيتَها ليغدوَ أصحابُها الأسيادَ الجددَ للمجتمع، وقد تَكَوَّنَت مثلُ هذه المجموعات الاحتكاريةِ الهامشية المُرابِية على مَرِّ التاريخ الحضاري، وبالأخص في مختلفِ المجتمعات الشرق الأوسطية، لكن ونظراً لِمُقتِ المجتمع لها واستيائه منها، لم يتجرأ إداريو المجتمع، بما فيهم الأكثر جبروتاً وطغياناً، على شرعنة هذه المجموعات، بل دوما كان النظر إليها بعينِ القوة الخطيرة المُفسِدة للمجتمع، واعتُبِرَت نواةَ الرذائلِ على الصعيد الأخلاقي، هكذا لا يمكن بلوغَ نتيجةٍ بحقِّ الرأسمالية، إلا ضمن سياقِ الممارسات والصراعاتِ التي قامت داخل، وفيما بين القوى والأنظمةِ المدنية من جهة، والممارساتِ والحروبِ الدائرة فيما بينها وبين القوى المضادة للمدنية من جهة ثانية؛ على مَرِّ التاريخ الحضاري”.
1ـ العصر المشاعي البدائي:
وهذا العصر يمتد من الإنسان البدائي المشاعي، حتى العصر الجليدي الرابع، أي إلى ما قبل 20 ألف سنة. يتم إرساء أرضيةِ ثقافةِ الاقتصاد في النَّسَقِ الأمومي المشاعي البدائي، والمرأة – الأم هي السلطة المنسِّقة للكلان بشكلٍ غالب، تتجسد العلاقةُ والتناقضُ الأساسي ضمن المجتمع الكلاني في: الحماية من كلِّ ما يُشَكِّل خطراً من بين شروط البيئة الطبيعية، والاستفادة من كلِّ ما يمنح فرص التغذية والإمكانات المناسبة، إذ تتسم هويةُ الكلان بمسحةٍ حياتية ومصيريةٍ لا مفرَّ منها في هذه الظروف، في وقت لم يتطور مفهومُ الزوج – الزوجة بعد، وقد عاش المجتمعُ البشري جانبا هاما مجموع حياته إلى الآن على هذا المنوال، هكذا، فهو أطول أشكالِ المجتمع زمنياً، وباعتبارِ أنّ الحجارةَ المصقولةَ بشكلٍ طفيفٍ هي الوسائلُ المستعمَلةُ أساساً حينذاك، فيُطلَق عليه اسمُ العصر الحجري المصقول، في حين أنّ الاسمَ المفضَّلَ سوسيولوجياً هو النظامُ المشاعي البدائي، ويَرجُحُ الظنُّ والاعتقادُ بأنه تم العيشُ هكذا طيلةَ مليونَي سنةٍ في أفريقيا، ومليونِ سنةٍ في آسيا والقارة الأوروبية.
2ـ العصر النيوليتي 15000 – 4000 ق.م:
بعد انقضاءِ العصر الجليدي الرابع، وقبل سبعةَ عشرَ ألفِ عامٍ، وعلى حوافِّ سلسلةِ جبالِ زاغروس – طوروس؛ تم العبورُ على شكلِ دفعة هجرة أساسيّ لأولِ مرة، فهي مرحلةٍ ذات أهميةٍ تاريخيةٍ قصوى تسمى بالنيوليتية، وهذا المجتمعُ المبرهَن وجودُه أركولوجيا قبل حوالي عشرةِ آلافِ عام، وبؤرةُ الأم هي ميزوبوتاميا العليا، حيث يعيش المجتمعُ انفجاراً بالاكتشافات الجديدة وباختراعِ وسائلِ الإنتاج، إنّ ما يعيشه المجتمع كان أَشبَه ما يَكُون بعصرِ الصناعةِ النيوليتية، وتَسمو المرأةُ الأم في هذه الثقافة إلى منزلةِ الإلهة – الأم، ويَغلب الظنُّ بأنّ دورَها محدِّدٌ ومؤثرٌ في تكوينِ المجتمع الجديد، فالنسقُ (النظام) الأمومي يترك طابعَه الواضحَ على مجتمعِ الكلان.
إنّ ثقافةَ الهلال الخصيب المبرهَن وجودها واستمراريتها لأولِ مرةٍ في التاريخ، قد تم نقلُها إلى ميزوبوتاميا السفلى حوالي أعوام 6000 ق.م، وإلى وادي النيل المصري وبلاد البلقان وإيران وسهوبِ شمالي البحر الأسود في أعوامِ 5000 ق.م، وإلى أرجاءِ أوروبا والصين في أعوام 4000 ق.م.
وبسببِ الفترات الطويلة من التطور التاريخي، حظيت المناطق الرئيسية بفرصةِ تطويرِ نجوميتيها الخاصةِ بها، ألا أنّ الإشاراتِ والدلائل البارزةِ تُظهِر أنّ شرارةَ الثقافة الأولى صادرةٌ من الهلالِ الخصيب كبؤرةٍ أُمّ، فالانتشارُ لم يَعنِ الاستعمارَ أو الاحتلال في ذلك الوقت.
3ـ عصر المدينة السومرية 4000-2000 ق.م:
إنّ الثقافةَ المسماة بـ آل عُبَيد، والتي بَرزَت في ميزوبوتاميا السفلى أعوامَ 5500 ق.م، ويُخَمَّن استمرارها حتى أعوام 3800 ق.م؛ تتسم هذه المرحلةُ وثقافتها بالأهميةِ التاريخية، سواء من حيث عبورها إلى المجتمع الأبوي، أو تطويرِها لتقنياتِ صنعِ الأواني الفخارية، وانتعاشِ التجارة واكتسابها الأهمية، بالإضافة إلى اعتمادها على ثقافةِ الهلال الخصيب؛ وبدئِها بعصرِ أولى غزواتِ الاحتلال والاستيطان، ونخص بالذكر بروزَ المجتمع الأبوي، الذي يتميز بأهميته على صعيد التمهيدِ للمدنية.
وهنا تَفقدُ ثقافةُ الإلهة – الأم أهميتَها، وتُرغَم على المرأة على الاعترافِ بالتفوقِ للرجل، كما تَقطَع الإدارةُ الهرميةُ أشواطاً ملحوظةً في تطورها، فلأولِ مرة تظهر البنيةِ الثلاثية لإدارة المدنية الكلاسيكية وحُكمِها في هذه الثقافة على شكلِ مشروعٍ بِدئِيّ.
ثقافةُ أوروك توسعيةٌ وفقاً لطبيعةِ بنيتها، فاتساعُ المدينةِ على الأصعدة كلها مع زيادةِ العطاء والإنتاج، وبسببِ تحملها الزيادةَ السكانيةَ، قد أدى إلى ولادةِ المدن المجاورة لها على التوالي، كما إنّ تكاثُرَ المدن يعني زيادةَ المنافسة، فنظراً لأنّ المدينةَ تعني السوقَ في الوقت عينه، فالثقافةُ الجديدة تَحمِلُ معها عنصرَ المنافسة، والتجارةُ باتت مهنةً محطَّ الأنظار أيضاً، بل وكانت الصناعةُ المِهَنِيةُ المعنيةُ بالزراعةِ والمواصلات قد وُلِدَت آنذاك، أما النزاعُ والصراع بين المدن، فسوف يجلب معه مشكلةَ الهيمنة؛ ما يعني أن سياقَ العبور من دولةِ المدينة إلى الإمبراطورية البدائية ستُقحِم حاجةُ أوروك للتجارة في مرحلةِ التمدن والاستيطان مبكراً، وبعدها انقضى عصر أوروك الثقافي في 3000 ق.م، وبدء عصرٍ جديدٍ مع سلالةِ أور الأولى، من المحتمل أنْ يَكُون هذا التطورُ حصيلةَ الصراع القوي بين المدن ويستمر عصرُ أور الأولى والثانية حتى أعوام 2350 ق.م، ليبدأَ عصرُ السلالة بقيادةِ سارون الشهير فيما بين 2350 – 2150 ق.م. وسارغون، الذي يمكن تعريفه أيضاً بأولِ إمبراطور، لطالما يَفتخِر ويتباهى ببسطِ نفوذه، أي إمبراطورتيه، في الهلال الخصيب بعد خوض حروبٍ دمويةٍ مروعة، وجَعَلَ آكادَ عاصمةً له، وفي أعوام 2150 ق.م، يقوم المنتمون في أصولهم إلى زاغروس بقيادةِ زعيمهم خودا بتدميرِ آكاد وتسويتها بالأرض، ليؤسسوا سلالةً جديدة، وفي أعوامِ 2050 ق.م على وجهِ التقريب تنهار هذه السلالة أيضاً، وسلالةُ أور الثالثة الحالَّة محلها – هي أيضاً – لا تعيش سوى مائةَ عام.
إذ يشير التاريخُ إلى أنّ العصرَ البابلي بدأ في أعوام 1950 ق.م. وتبرز أمامنا ثنائيةٌ في صراعاتِ المدن هذه، فالسومريون هم المجتمعُ الأم الخالقُ للمدنية، ومنشأهم يدل على احتمالِ كونهم شعبا متأتياً من ثقافةِ الهلال الخصيب قبل زمنٍ سحيق، ولكنهم غدوا مستقرين آهلين، لغتُهم أقرب إلى مجموعةِ اللغةِ الآرية، في حين أنها مختلفة بشكلٍ بارزٍ عن الجذورِ الساميّة، وكانت هجماتُ القبائل العمورية – الساميّة مكثفة متواصلة، علماً بأنّ مدينةَ آكاد وسلالتَها وسارغون نفسَه ذوو أصولٍ عمورية – ساميّة، بل ويَرجح احتمالُ كونه قائداً نشأ وترعرعَ في قصورِ المدن السومرية، واحتلَّ مكانَه في حُكمِها، أما الكوتيُّون، فغالباً ما يقتربون من السومريين كحلفاءَ، وتعود أصولهم إلى زاغروس – آريان، أيضاً كنظامٍ استمر حتى مستهلِّ أعوامِ 2000 ق.م – اتسمت أثناءَ ولادتِها وتطورِها بنسبةٍ عليا من طابعِ الدموية والاستغلال، وتأسيسِ المدن وتدميرها، والتحالف، والاستيطان، وبسطِ الهيمنة، قد شَهِدَت إلى جانب الزراعة نماءً في التجارةِ، فأسفرَ عن كم كبير من فائضِ الإنتاج، ونظامُ المدنية ذاك المؤسسُ على أرضيةِ هذا الإنتاج، أي الثقافة المادية، يقوم بإنشاءِ ثقافةٍ معنويةٍ مهيبةٍ وعظيمة، ليُؤَلِّه مجموعاتِه الحاكمة.
4ـ عصر المدنية البابلية والآشورية 2000 – 300 ق.م:
إن الواقع العملي للمدنية الآشورية، هي تداخُل الاحتكارِ التجاري مع الاحتكار السياسي، واهتمامهما بالحروب، تُشَكِّل آشور الحلقةَ المركزية الأولى الواصلةَ بين المدنيات المصرية والصينية والهندية – قبل الإمبراطورية البرسية – هي الاحتكاراتُ التجارية الآشورية، لقد خلقوا عالَماً تجارياً بِحَدِّ ذاته، إنها شكلٌ من العولمة في ذاك العصر، ومرةً أخرى يتبدى أنّ الاحتكارَ التجاري ليس اقتصاداً، بل يُفرَض على الاقتصاد من الخارج بنسقٍ إرهابيٍّ يَندر وجودُ نظيرٍ له، لينهبَ ويسلبَ الثرواتِ، التي جَمَعَتها وأوجدتها الشعوبُ والقبائلُ بِشَقِّ الأنفس وبالكدح المرير، ساطعٌ جلياً مدى استحالةِ ممارسةِ الاحتكار التجاري بدون الدولة، فبينما كانت الاحتكاراتُ السياسية السابقة برمتها متعلقةً بنمطِ الزراعة العبودي، اكتَسَبَت التجارةُ هنا، ولأولِ مرة، ثقلاً يُعادِل ما للزراعةِ منه، وإذا ما عرَّفنا الاحتكارَ التجاري على أنه الرأسمالية، فالاحتكار السياسي يحتل مكانه في المدنية كقوةٍ استعماريةٍ استغلاليةٍ أكثر تأثيراً في نهبِ وسلبِ فائضِ الإنتاج في الزراعة، الإمبراطوريةُ هي شكلُ الحكم الذي تشجعه التجارةُ أكثر من الزراعة، فضمانُ الطرق حاجةٌ ضروريةٌ لتجارةِ المناطق الشاسعة، وهذا ما لا يُؤَمِّنه إلا الإمبراطورية.
من الواضح الجلي أنّ الزراعةَ، والسوق، والتجارةَ الصغيرة، والحِرَفة، وعدداً جماً من الشرائح الخاصة المستقلة، هي كلها ذات فائدةٍ، فكدحُ الإنسان في هذه الميادين قد أثبتَ قيمتَه المُطوِّرة للإنتاجية والعطاء، وليس من العسير تشخيص عدمِ لزومِ أو جدوى الاحتكار السياسي أو العسكري أو التجاري – الاقتصادي بالنسبة له، فهل كان الاقتصاد سيركد لو لَم تَكُن آشور؟ بالعكس، من المفهوم أنّ الوسطَ الذي يستتب فيه السلامُ والأمن قادرٌ على خلقِ حياةٍ اقتصاديةٍ مغايرةٍ وأكثر إيجابية، والدولةُ باعتبارها الحكم المعادي للديمقراطية، هي قوةٌ مخرِّبةٌ للاقتصاد والمجتمع من خلال البيروقراطية التي تنتجها، والحروبِ التي تشنها، وعملياتِ النهبِ والسلب التي تقوم بها، وحتى ولو كان للمدنيةِ جوانبُها الإيجابية على صعيدِ التمدن، فهي قد طغت عليها الجوانبُ السلبية، فتنسيقُ الإدارة أمر، واحتكاراتُ الطغيان والسلب أمرٌ آخر.
والمهم هنا أن نعرف أن تداخلَ الاحتكار السياسي، والتجاري والاقتصادي لا يقتصر على الرأسمالية فحسب، بل ظهرَ منذ أولى بداياتِ المدنية بالتزامن مع التمدن وحكم السلالة، متخذاً لنفسه الخاصياتِ نفسَها، بعيداً عن الجوانبَ الإيجابيةَ والفعالياتِ الديمقراطيةَ للحضارة، ومحيطاً بها على شكلِ سلسلةٍ متواصلةٍ لا يمكن انفكاكها؛ لِيُحَقِّقَ بذلك وجودَه إلى يومنا الراهن، لِنستمر في التعرف على حلقات تلك السلسلة.
No Result
View All Result