No Result
View All Result
بكر حج عيس_
يحكى أن مدينة من مدن المقاومة اسمها كوباني، قد علَّمت العالم معاني النصر والمقاومة، حدثت فيها مقاومة أحداثها شبيهة بالأفلام الخيالية، لكنها حقيقة عشناها مع الأيام الصعبة، عائلتي مكونة من ثلاثة صبيان، ذاك الوقت، أكبرهم كان يتجاوز الرابعة عشرة، وأصغرهم كان في التاسعة من عمره، توجهوا كبقية عوائل كوباني إلى باكور كردستان بعد دخول داعش أطراف المدينة.
حملوا حقائبهم، وألبستهم، وبرفقتهم أوراقهم الثبوتية، وذهبوا نحو المجهول إلى باكور كردستان، ليس لنا هناك أقارب، ولا أصدقاء، فقالت لي زوجتي يومها: “أكيد ستذهب معنا، وتؤمن لنا السكن هناك فلا معارف لنا هناك”.

فجاوبتها: “لا أستطيع مغادرة كوباني اعتمدوا على أنفسكم”.
فدار نقاش قصير بيننا تخلله حزن كبير، وانهمرت دموعها، فأقنعتهم بأنه يتوجب عليَّ البقاء.
فقالوا لي: “على الأقل أوصلنا إلى الحدود بسيارتك”.
فرفضت ذلك أيضاً، لا أعرف من أين أتاني هذا العناد رغم أنني حنون، وضعيف أمام مطالب أولادي في الحياة اليومية.
فحجتي لهم أنه لا أريد أن يراني أحد، وأنا أتجه أيضاً إلى الحدود تاركاً رفاقي خلفي.
فأعطيتهم مفتاح السيارة وقلت لهم: “اذهبوا أنتم واتركوا السيارة عند الحدود، إن بقينا أحياء لدي نسخة أخرى من المفاتيح سأعيد سيارتي من هناك”.
فتعانقنا وودعنا بعضنا بمشهد لا أستطيع وصفه بالكلمات.
لن أطيل عليكم سأدخل إلى الحالة، عندما أعلن القائد آبو النفير العام من أجل كوباني، وتوجه شباب وشابات من باكور كردستان إلى كوباني. فكنت في المركز الطبي لمساعدة الممرضين والأطباء لمعالجة الجرحى وحملهم، وذاك اليوم كان هناك عدد كبير من الجرحى؛ فالجرحى الذين كانت جراحهم بليغة كان الأطباء يطالبون الإسعاف ليبعثوهم إلى مشافي سروج في باكور كردستان، فأحد الجرحى كان من باكور كردستان ضمن حملة النفير العام.
فكان السؤال؛ كيف نوصل هذا الجريح إلى باكور كردستان، لأنه سيعتقل مباشرة، أما بقية الجرحى، الذين كانوا من كوباني أو من روج آفا فلديهم هوية، تثبت أنهم سوريون.
تم تأمين هوية سورية لهذا الجريح، لكن الجريح لا يجيد القراءة بالعربية، وهو ينزف، في هذه الحالة وضعت الهوية في جيبه وكررت في أذنه: “اسمك محمد حسين والدتك خديجة”.
“إذا سألوك في المشفى أو سأل الأمن العام عن هويتك هكذا تقول:
“اسمي محمد حسين ووالدتي خديجة أنا من كوباني”.
فتوجه به الإسعاف إلى باكور كردستان، وبعد عشرين يوماً توجهت إلى باكور كردستان لأطمئن على عائلتي، أو لأقوم بتأمين سكن لهم.
زوجتي كانت مصرة أن تعود إلى روج آفا، وكانت تلح بذلك، رافضة البقاء هناك، إما تعود إلى كوباني، أو تتوجه إلى سري كانيه.
هاتفتهم وقالوا: نحن نسكن عند عائلة وطنية في منطقة فلانية، فحددت موقعي لهم، جاء أحد أفراد تلك العائلة، الذي تقيم عائلتي عندهم،
بسيارته ونقلوني إلى قريتهم، عند وصولنا استقبلوني استقبالاً حاراً.
من خلال هذا الاستقبال أدركت إنهم من عائلة وطنية، ومن متابعي مقاومة كوباني لحظة بلحظة، فقدموا لنا العشاء سألوا عن وضع كوباني، ووضع الرفاق ومعنوياتهم.
ومن خلال أولادي شعرت إنهم لم يقصروا بشيء معهم، وقاموا بواجبهم على أكمل وجه لعائلتي.
وبسرية تامة أخبرتني زوجتي: “هل تعلم بأن أحد أبناء هذه العائلة كان مشاركاً في مقاومة كوباني، فبعد إصابته هناك نقلوه إلى المشفى هنا، فقامت العائلة، وبالتنسيق مع الرفاق والأطباء بهروبه من المشفى، حتى لا ينكشف أو يعتقل، الآن هو يتعالج بسرية تامة في تلك الغرفة، حتى جيرانهم وأقرباؤهم ليس لديهم علم بذلك، فقط أخبروني لثقتهم بنا”.
قلت لها: “صباحاً تأخذين لي الإذن من والده لزيارته”.
عندما دخلت الغرفة فوجئت بأن الجريح الذي تقيم عائلتي عندهم، هو الجريح نفسه الذي هربته من كوباني وأعطيته الهوية، ورددت في أذنه اسمك “محمد حسين ووالدتك خديجة”.
No Result
View All Result