تحقيق/ رامان آزاد –
من الممكنِ تفهمُ حالةِ التناقضِ بين موسكو وواشنطن والتنافسِ على النفوذ والمصالح في العديد من مناطق العالم، وأنّه على أشدّه بمنطقة الشرق الأوسط، وتحديداً الميدان السوريّ. فكلاهما له وجودٌ عسكريٌّ مباشرٌ فيها. كما أنّ تأخرَ الحلِّ السياسيّ للأزمة يعودُ في أحد أهم أسبابه إلى عدمِ وجودِ توافقٍ روسيّ ـ أمريكيّ، إذ لم يمارسِ الطرفان الضغطَ الكافي على الأطراف الإقليميّة وفي مقدمها تركيا.
التفافٌ روسيّ على فشل سوتشي
بدأت موسكو عملياتها العسكريّة بسوريا في 30/9/2015 وكانت وقتها في تناقضٍ حادٍ مع أنقرة، فسعت جدّياً لتقديمِ حوافزَ مغريةٍ لكسبِ أنقرةِ باتفاقاتٍ اقتصاديّةٍ وصفقة الصواريخ إس-400 وبناءِ مفاعل مرسين النوويّ، واستثمارِ الوضع السوريّ، ومنحت موسكو ما لا تملك لأنقرة، ما أدّى إلى نتائج كارثيّة، ولتتضحَ معالمُ السياسةِ الروسيّة بالمنطقة، ما أدّى لإثارةِ حفيظة واشنطن فترتفعَ سخونةُ التنافسِ بينهما.
لا تنفكُّ موسكو مؤخراً عن إطلاقِ التصريحاتِ السياسيّة حولَ مناطقِ شرق الفرات، وآخرها تصريحُ وزير الخارجيّةِ الروسيّ سيرغي لافروف يوم الأحد حيث اعتبر ما يحدثُ في شرق الفرات انتهاكاً سافراً بمبدأ وحدةِ الأراضي السوريّة ووصفه بغير المقبول. والسؤالُ؛ هل كانت موافقةُ موسكو وتأمينُ الغطاءِ للعدوانِ التركيّ على عفرين مقبولاً ويسهمُ بالمحافظةِ على وحدةِ الأراضي السوريّةِ؟
وذهب لافروف بعيداً بخلط الجهودِ التي تنصبُّ على مأسسةِ المجتمعِ بالتعاون العسكريّ مع التحالف الدوليّ لمحاربةِ الإرهابِ والتي وصلت إلى محاصرةِ المرتزقة في آخرِ الجيوبِ على ضفافِ الفراتِ، واصفاً ذلك بمحاولةِ الولايات المتحدة الأمريكيّة إنشاء مؤسساتٍ حكوميّةٍ بديلةٍ.
وأشار الوزير الروسيّ إلى أنّ أحدَ عناصر السياسة الأمريكيّة في سوريا هو اللعبُ بالورقةِ الكرديّة معتبراً ذلك لعبةً خطيرةً نظراً لحساسيّةِ المسألةِ الكرديّةِ بالنسبةِ لعددٍ من دولِ المنطقة (العراق وإيران وتركيا)، وهنا يتعمدُ الوزيرُ الروسيّ على تصغيرِ القضيةِ الكرديّة ليعتبرَها ورقةَ للعبِ، والسؤالُ إذا كانت المسألة تتعلقُ بالكردِ السوريين واعتبارهم مواطنين سوريين، فهي شأنٌ سوريّ داخليّ، فلِمَ يُخرجُها من سياقِها الوطنيّ ويضعُها في إطارٍ إقليميّ لتصبحَ دولٌ أخرى مرجعيّةً سياسيّةً له وتجبُ مراعاتها؟
لننظر إلى التطبيقِ العمليّ لمخرجات أستانه وقمة سوتشي ومدى مساهمتها بمحاربةِ الإرهابِ، ففي الوقتِ الذي يؤكّدُ لافروف أنّ موسكو لا ترى من الدولِ الغربيّة وعلى امتدادِ سنواتٍ طويلةٍ أيّ اقتراحاتٍ معقولةٍ عن مبادراتٍ، ويتحدثُ عن أفكارِ ثلاثيّة أستانه فيما يخصُّ محاربةَ الإرهابِ في سوريا، نجد موقفاً مغايراً ترشّح عن لقاءِ بوتين – أردوغان على هامشِ قمة العشرين ومفاده أنّ جميع المسلحين المتطرفين لم ينسحبوا بعد إلى ما وراء الشريط المنزوع السلاح بمسافة 20 كم بمنطقة إدلب، وبعبارة أخرى إقرارٌ بفشلِ تطبيقِ الاتفاقِ، ولكن الرئيسان يتجاوزان ذلك وينحازان للمصالحِ فيؤكدان تمسّكهما بالاتفاقية حول إدلب، والاتفاقِ على اتخاذِ خطواتٍ لاحقةٍ لضمانِ تنفيذِ الاتفاقيةِ حولَ إقامةِ هذا الشريط وإجراءاتٍ كفيلةٍ لمنعِ تقويضِ هذه الاتفاقية.
الحديثُ عن جهودِ أنقرة وتعاونها في محاربة الإرهاب افتراضيّ، ففي الميدان يستمرُّ التعاون التركيّ مع مرتزقة النصرة وتقرُّ وكالة الأنباء الروسيّة الرسميّة سبوتنيك بهذا التعاون وتكشفُ عن فرارِ قياداتِ المرتزقةِ العسكريين وشرعييهم وعناصر من الخوذِ البيضاءِ من إدلب إلى تركيا بالاتفاقِ مع الجندرمة التركيّة بعدما سرقوا أموالاً طائلةً. فيما عزّز مرتزقةُ هيئة تحرير الشام (النصرة) وجودهم بمقاتلي النخبة من جنسيات شيشانيّةٍ وأوزبكيّةٍ وبلجيكيّةٍ على خطوط التماسِ مع الجيش السوريّ مزوّدين بمدافع وراجمات صواريخ وعرباتٍ عسكريّةٍ محملةٍ برشاشاتٍ ثقيلةٍ. وذكرت وكالة سانا الرسميّة أنّ الجيش السوريّ صدَّ هجوماً لمرتزقة هيئة التحرير الشام استهدف المواقع المتقدمة له ببلدةِ صوران بريف حماه الشماليّ، وأنّ دفعة من الطائرات المسيّرة وصلت للمرتزقة من تركيا.
دستورٌ سوريّ بالإملاء
الفكرةُ ذاتها تنطبقُ على اللجنة الدستوريّة، فالوزيرُ الروسيّ يعتبرُ أنّ اللجنةَ المشكّلةَ بمبادرةٍ من ثلاثيّةِ أستانه (روسيا، إيران، وتركيا) تمثّلُ آليّةً وحيدةً تسمحُ بالشروعِ بتنفيذِ القرارِ 2254، علماً أنّها لا تمثلُ كلَّ مكوناتِ الشعبِ السوريّ، وبذلك فإنّ السيادةَ الوطنيّةَ السوريّة أصبحت تحتَ الوصايةِ ومقيّدةً.
من الضروريّ التوافقُ حول الدستورِ الجديدِ ليكونَ إطاراً قانونيّاً للحلّ السياسيّ ويجسّدُ تطلعاتِ السوريين ويعزّز قيمَ الوحدةِ الوطنيّةِ والعيش المشترك، والدولُ ذات السيادة لا تستوردُ دستورها ولا تقبلُ دستوراً بالإملاءِ، ونظراً لأهميّة مسألة الدستورِ فالمطلوبُ بهذه المرحلة إعادةُ صياغةِ اللجنة وطنيّاً لتكونَ ممثلة للسوريين فعلاً ومستحقة لثقتهم.
في شمال سوريا طُرحت سلة متكاملة للحلِّ السياسيّ تتضمنُ الحوارَ الوطنيّ الشامل والانفتاحَ على كلّ أطيافِ الشعبِ السوريّ، وعمِلَ مجلسُ سوريا الديمقراطيّة على صياغةِ مسودةِ دستورٍ جديد لسوريا، على أن يتمَّ النقاشُ حوله ليُصارَ إلى إدخالِ التعديلاتِ عليه بالتوافقِ.
السببَ المباشرَ لفشلِ الاجتماعاتِ الماراثونيّة حول سوريا يتعلقُ بالشكلِ والمضمون، فالمدعوون لم يمثلوا حقيقة كلّ أطياف الشعب السوريّ ولم يتصل المضمونُ مباشرة بالحلّ، فراوحت النقاشاتُ في الشكلياتِ عدا التدخّل المباشر للإرادة الدوليّة والإقليميّة التي عملت على تغيير مسار التفاوض وفق مصالحها.
حربٌ إعلاميّة قوامها التزوير والتلفيق
السياسةُ التركية باتت واضحة تجاه مناطق شمال وشرق سوريا، فالهدفُ تشكيل حزام أمنيّ بالمنطقةِ، لتحقيقِ مصالحها على حساب دول الجوار بالتوسع واحتلال أراضي مجاورة لها واقتطاعها. وهذه السياسة ستنعكس سلباً حتى على الشعب التركيّ.
تستندُ أنقرة في سياستها إلى خيالٍ جامحٍ بإعادةِ فصولٍ تاريخيّة بالتوسّعِ والاحتلالِ لإحياءِ ميراثِ العثمانيّين، وتتكئ على التحريضِ الدينيّ والمذهبيّ، وتحتجُّ بذرائعَ أمنيّةٍ فضفاضةٍ أحدها المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة لشرعنةِ تدخّلها العسكريّ بسوريا وتبريرِ العدوانِ والاحتلالِ، والواقعُ أنّ العقليّةَ التركيّةَ تتمحورُ حولَ فكرةِ إنهاءِ الوجودِ الكرديّ، فلجأت إلى استغلالِ عناصر الأزمةِ السوريّةِ لتحقيقِ أهدافها.
أسبغت أنقرةُ القدسيّةَ على عدوانها وبرّرته بالدينِ، فانهمكتِ المساجدُ بالدعاءِ وقراءةِ “سورة الفتح” لجيشِ العدوانِ، وعملتِ الماكينةُ الإعلاميّةُ على تزويرِ الحقائقِ ونشرِ الأكاذيبِ لدرجةِ أنَّ انضمَّ الكثيرون في البلدان الإسلاميّة لطابور الداعين للجيش العثماني الجديد، وهم لا يعلمون أنّه يقوم بالعدوانِ والتطهيرِ العرقيّ الممنهج في منطقةٍ مسالمةٍ وادعةٍ لا ذنبَ لها إلا أنّ الجار هو أردوغان، وأن سكانها كرد!!
كالعادةِ مارست أنقرة أقصى درجاتِ الضغطِ على الصحافة العالميّة لمنعها من متابعةِ الوضعِ بعفرين من خلال التهديدِ بضخِّ اللاجئين السوريين إلى أوروبا الذين يتسلل الإرهابيون بينهم، والعمل على تغييبِ الحقيقة بتشويهها، وفبركةِ الأخبارِ الكاذبةِ ليس عبر المقالات فقط، بل باستخدام صورٌ والتلاعب بها أو مزاعم كاذبة على وسائل التواصل الاجتماعيّ. كما قامتِ الجاليةُ التركيةُ بأوروبا بحملةٍ دعايةٍ وتشويه أثناء العدوان التركيّ على عفرين للتأثيرِ بالرأي العام الأوروبيّ.
أكّد أحدثِ تصنيفٍ حولَ تقييمِ العملِ الإعلاميّ أنّ تركيا هي الأولى عالميّاً بنشرِ الأخبار الكاذبة والمعلومات الملفّقة لتضليل الرأي العام في الداخل وتنتشر الأخبار عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعيّ بتركيا، ما لفت انتباه شبكة بي بي سي البريطانيّة بعد الانقلاب المزعوم في 2016 إذ شنّت الحكومة التركيّة والأجهزة الأمنيّة حملة واسعة ضد المؤسسات الإعلاميّة وأغلقت وأمّمت وعاقبت عدداً كبير من المراكز الإعلاميّة وبذلك تعمّق الشرخ الاجتماعي والسياسيّ الداخليّ بعد الانقلاب. وحسب تقرير الأخبار الرقميّة لرويترز لعام 2018 فإنّ 49% من الأتراك يواجهون أخباراً كاذبةً بمقابل 9% فقط في ألمانيا وهذه النسبة العالية جعلت ثقة الناس تتراجعُ بالمصادر الإعلاميّة كثيراً.
ساهم تطوّر وسائل الأخبار في السنوات الأخيرة كالهواتف الذكية والألواح الرقميّة في انتشار الأخبار الكاذبة في تركيا يُضاف لذلك انخفاضُ أسعار خدمة الانترنت وظهور شبكات التواصل الاجتماعيّ كعاملين مساعدين. وقال 90% ممن شملهم استبيان لرويترز عام 2017 إنّهم يتلقون الأخبار من خلال شبكة الإنترنت وقال 77% منهم إنّهم يعتمدون على التلفزيون مصدراً إضافيّاً لتلقّي المعلومات ويبيّن تقرير رويترز أنّ نسبة عدم الثقة بالإعلام المقروء بتركيا تعادل ضعف النسبة في بقية دول العالم.
وكشفتِ الدراسة أيضاً أنّ ثقة الأتراك غالباً لا تعتمد على مصداقيّةِ الأخبارِ، بل الانتماءِ السياسيّ والأيديولوجيّ للطرفِ الذي يقفُ خلفَ المصدرِ الإعلاميّ وهذه إشارةٌ أخرى لحجمِ الشرخِ الكبيرِ في النسيجِ الاجتماعيّ التركيّ في الأعوام الثلاثة الأخيرة كما يبيّن أنّه لا يمكن التعويل على ثقة الناس دليلاً على صدقِ الأخبار. ومن جهة ثانية تمِّ استغلال طبيعةِ الأتراك في تحيّزهم بأفكارهم وحبُّهم لقراءةِ ما يتفقُ مع توجّهاتهم وتجاهلِ العلمِ والحقائقِ والإيمانِ بالخرافاتِ.
تسيطرُ الحكومة على معظمِ وسائلِ الإعلامِ وتعملُ على تشويهِ المعارضين والتشكيك بمصداقيتهم، والدعايةِ للحكومةِ. وحسب تقرير BBC فإنّ الإعلام التركيّ غارقٌ في بحرِ الأخبارِ والمعلومات الدعائيّة وحسب التخمينات؛ فإنّ 90% من وسائل الإعلام التركيّة حكوميّ، بينما تُغلقُ وسائلُ إعلامِ المعارضة بتهمةِ الترويج للإرهاب أو بدفعها باتجاه الإفلاس، وتأتي تركيا بالمركز 157 في مؤشر حرية الصحافة من بين 180 دولة، ولديها أكبر من الصحفيين السجناء.
التطرّفُ الدينيّ والقوميّ يحتلُ عفرين




