No Result
View All Result
إعداد/ دعاء يوسف_
ما زال طيفي حاضراً في مدينة الرقة، فمازلتُ هناك بزيي العسكري، أحمل سلاحي على كتفي، واقفةً بكل استعداد وشموخ في المدخل الشمالي لمدينة الطبقة، أنا التي ولِدتُ من رحم جبروت مرتزقة داعش، وأصبحتُ أول شهيدة عربيّة تستشهد في مواجهة فكرهم، ولكن هل كنتُ الأخيرة؟ وهل انتهى نضال المرأة الفراتيّة مع رحيلي؟
لم تتراخَ دفاعاتي يوماً، فما زلت هناك أحمي مدينتي، وقد قررت روحي أن تغادر تمثالها الشامخ على مدخل المدينة لبعض الوقت، في رحلةٍ تجوب فيها الشوارع، والطرقات، تراقب المارّة، وتشاهد السلام الذي حلَّ على المدينة بعد زوال ظلم مرتزقة داعش، لقد خضت مع رفاق دربي أعتى المعارك ضد المرتزقة في حملة غضب الفرات في مدينة الرقة بشمال وشرق سوريا، لكي ننعم بمشاهدة سكون الليل بعيداً عن أصوات المرتزقة الذين كانوا يبعثون الرعب في قلب قاطني المدينة، وأكمل رحلتي لتجوب قدماي شوارع الرقة دون رؤية دماء الأبرياء تسقيها.
فقد رأيت بأمِّ عيني عندما كنت على قيد الحياة كيف كان مرتزقة داعش يقطعون أيادي أشخاص لم يُعرف ذنبهم، وكيف كانوا يُطلِقون عليهم النار في رؤوسهم أو يقتلونهم بالإبر، وصورة تلك الطفلة التي رأت والدها يُعدَم أمام عينيها لا تزال عالقة في ذهني، وإلا أن ذلك الظلم قد تبدد، فها أنا أشاهد اليوم ضحكات الأطفال، والفتيات اللواتي خرجنَ للعب دون خوف من سيارات الحسبة التي يقودونها المرتزقة.
ما زلت أذكر كيف سلكت درب المقاومة والنضال عام 2013، فقد انضممت إلى صفوف وحدات حماية المرأة مع بدايات تشكيلها، وشاركت في حملات كثيرة ضد مرتزقة داعش كحملة “تل حميس، الهول، الشدادي، مقاومة كوباني، جبل كزوان، وكري سبي/ تل أبيض” لِتُختتم مسيرتي النضالية في تحرير مدينة الرقة، فهناك التحقت بقوافل الشهداء، مع رفاقي إلا أننا ما زلنا موجودين داخل أسوار مدينة الرقة فنحن عيونها التي لا تنام.
تحقّق حلمي بحرية المرأة
وخلال رحلة روحي زرتُ أول كتيبة عسكريّة شكلتها وحدات حماية المرأة في الطبقة في 12 تشرين الأول عام 2018، وقد حملت اسمي، وتعدُّ اليوم من أهم الكتائب الأكاديمية في مدينة الطبقة كونها تضمُّ العدد الأكبر من المقاتلات العربيات اللواتي تعرضنَ للظلم والقهر إبّان حكم داعش للمنطقة.
شاهدت المقاتلات العربيات هناك إلى جانب المقاتلات الكرديات، والسريانيّات، يتلقينَ الدروس الفكرية، والتدريبات العسكرية على كافة أنواع الأسلحة، ويتابعن تدريبهن الأيديولوجي، استعداداً للدفاع عن أي خطر يمس مدينة الطبقة أو أي منطقة أخرى.
ومن جهة أخرى يتلقينَ دروساً للتعريف بدور المرأة وكيف يكون لها دور فعال في المجتمع، والتخلّص من الفكر المُتشدد، وخاصةً بعد حكم داعش الإرهابي والنصرة للمنطقة، ونبذ العادات والتقاليد البالية التي جمّدت دور المرأة في المجتمع.
شعرت بالراحة، وأنا أرى المرأة الفراتية تُكمِل الطريق الذي قررت السير فيه، كاسرةً حاجز الخوف، لربما مازالت في أول الطريق إلا أنها بدأت السير فيه، فلم أكن المرأة العربية الأخيرة التي استشهدت في أرض المعركة إلى جانب الكردية والسريانية، بل لحقت بقوافل الشهادة الكثيرات من بعدي، وها أنا أعود إلى مكاني في دوار المدخل الشمالي لمدينة الطبقة، بعد رحلتي الطويلة في شوارعها، وبيوتها، التي يعمها الحرية والأمان. وشهيدة الحرية هبون عرب “رحاب السلمو”، أول شهيدة عربية في مدينة الطبقة، ارتقت إلى مرتبة الشهادة بتاريخ 16/6/2017، وتركت أملاً كبيراً في قلب العديد من الفتيات، اللواتي ذقن الويلات على يد مرتزقة داعش، إلا أن طيفها ما زال حاضراً في ذهن كل امرأة عربية قررت كسر الظلم الذي أطبق على حياتها، ولاسيما اللواتي التحقنَ بالصفوف العسكرية.

No Result
View All Result