إعداد/ سيدار رشيد_
تخيلي إنكِ امرأة تعيش حياة طبيعية، تستقلِّين الحافلة للذهاب إلى العمل، أو الجامعة، وتلتقين بأصدقائك، وتستمتعين بنشر صورك على وسائل التواصل الاجتماعي، أو تقومين بنزهة إلى الشاطئ، وتشعرين بنسيم البحر يداعب شعرك، أما الآن وقبل أن تجتازي عتبة البيت، وبدل أن تقومي بتلك الأعمال الجميلة والممتعة، لابدّ أنكِ تتوقفين وتتفحصين ما إذا كنتِ قد غطَّيتِ شعرك وجسدكِ بالشكل المناسب.
قد يبدو ذلك مجرد مبالغة من صنع الخيال، لكنه واقع الحال بالنسبة لملايين النساء والفتيات في إيران، حيث تتحكم الدولة إلى حد كبير بجسدها ولباسها.
قوانين الحجاب الإلزامية
فبموجب قوانين الحجاب الإلزامية النافذة في إيران، تجبر النساء والفتيات، وممَّن لم تتجاوز منهن سن السابعة بعد، على إخفاء شعرهن بغطاء الرأس، شِئنَ أم أبينَ، وتعامل السلطات مع من لا يفعلن، ذلك على أنهن مجرمات، حيث تخضع شرطة الأخلاق في إيران جميع نساء البلاد للمراقبة، أي ما يقرب من 40 مليون امرأة وفتاة، فيجوب “وكلاء الدولة”، شوارع المدينة بمركباتهم، ويتمتعون بسلطة واسعة لإيقاف النساء، بتفحص ملابسهن، وتعداد خصل شعرهن الظاهرة للعيان، وطول البنطال، أو المعطف الذي ترتديه، بالإضافة لكمية مساحيق التجميل التي تضعها على وجهها.
مقتل جينا أميني خلق انتفاضة
ازدادت حدة القمع، الذي تمارسه شرطة الأخلاق على الإيرانيين، منذ وصول الرئيس المتشدد “إبراهيم رئيسي”، للسلطة في حزيران 2021، وقد تسبب حادث مقتل جينا أميني، ذات (22 عاماً)، بعد توقيفها بسبب ارتدائها لباساً دينياً “غير ملائم”، بغضب شعبي عارم، أدى إلى خروج الآلاف إلى الشوارع للتظاهر، والتنديد بتسلط قوات الأمن، وتزامن ذلك مع معاناة السكان الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي أدى إلى توحيد الإيرانيين، حيث أن غالبية المحتجين، يعانون من البطالة والفقر، وفي مقدمتهم النساء، اللواتي لم تعد تتحمل تلقي الأوامر.
استغلال الدين خدمة للسلطة
ففي إيران، تعمل شرطة الأخلاق على فرض ارتداء الحجاب على النساء، وإرغامهن على تغطية رؤوسهنَّ، وذلك في سياسة واضحة من قبل السلطات الإيرانية لتعنيف المرأة ومنعها من العيش بشكل طبيعي وفرض هيمنتها على المجتمع عن طريق المرأة.
جزاء عدم ارتداء الحجاب
وتشمل عقوبة المرأة التي لا تلتزم باللباس الشرعي القبض، أو الاحتجاز، أو الحكم بالسجن، أو الجلد أو دفع غرامة مالية، وكل ذلك عقاب ارتكابها “جريمة” ممارسة حقها باختيار ما ترتدي.
وليس ذلك فقط، فعندما تغطي المرأة شعرها بغطاء الرأس، يمكن أن تعدَّ مقصِّرة في الانصياع لقوانين الحجاب القسري، في حال ظهور خصلاتٍ من شعرها، أو ارتدائها ملابس ملونة، أو ضيقة، فهناك ما لا يحصى من القصص، التي تروي كيف تقوم شرطة الأخلاق بصفع النساء على وجهوهن، وبضربهن بالهراوات، وإلقائهن في عربات الشرطة بسبب طريقة لبسهن.
ومن الواضح أن ممارسة الرقابة الشرطية على جسد المرأة لا تقتصر على السلطات فقط، فقد مكّنت قوانين “الحجاب الإلزامي” الإيرانية المسيئة والتمييزية والمهينة، ليس حسب وكلاء الدولة، وإنما أيضاً أفراد العصابات والحرس ممن يشعرون بأنه من واجبهم وحقهم، أن يحرصوا على تطبيق قيم الجمهورية الإسلامية، من مضايقة النساء والاعتداء عليهن وسط الجمهور، وبالنتيجة، تدخل النساء والفتيات، بصورة يومية، في مصادمات غير متوقعة مع أمثال هؤلاء الغرباء، الذين يضربوهن، ويرشونهن برذاذ الفلفل، ويطلقون عليهن صفات مخلة بالأخلاق ويجعلوهن ينزلن أغطية رؤوسهن لتخفي شعرهن بالكامل، بالإضافة إلى تسمم الطالبات في المدارس.
انتفاضة المرأة عمت سائر إيران
وبعد انتفاضة المرأة “Jin.. Jiyan.. Azadî” في روجهلات كردستان وإيران بعد مقتل جينا أميني؛ انتفضت آلاف النساء ضد قوانين النظام الإيراني القمعي على الشعب الإيراني ولا سيما على النساء؛ ونزعت النساء حجابهن وقصصن شعرهن؛ حتى سميت الانتفاضة باسم انتفاضة الجدائل، وانضم الرجال أيضاً إلى الانتفاضة لتعم سائر مدن روجهلات كردستان وإيران والتي لا تزال مقاومتها مستمرة منذ أكثر من ثمانية أشهر.
انتهاك حقوق المرأة
إن التعامل مع النساء والطالبات اللاتي يرفضن ارتداء الحجاب، على أنهن مجرمات، فقوانين الحجاب الإلزامي انتهاك لجملة حقوق دفعة واحدة، بما فيها الحق في المساواة وفي الخصوصية، وحرية التعبير والمعتقد، وبالتالي فهذه القوانين تحط من شأن النساء والفتيات، وتجردهن من كرامتهن، ومن شعورهن بقيمتهن الذاتية؛ علاوة على إسكات صوت انتفاضة المرأة في روجهلات كردستان وإيران.
استمرار قمع الطلاب
أعلن مجلس نقابات الطلاب الجامعيين في إيران عن زيادة الضغوط على طلاب جامعة “طهران للعلوم والصناعة”، حيث تم استدعاء عدد كبير من الطلاب من قبل اللجنة التأديبية ورؤساء الكليات بسبب ما أطلق عليه “ارتداء ملابس غير مناسبة”.
ونقل مجلس النقابات عن طلاب العلوم والصناعة قولهم: “إنه تم استدعاء العديد منهم من قبل اللجنة التأديبية، ورؤساء الكليات بتهمة ارتداء ملابس غير مناسبة”.
وبالإضافة إلى الاستدعاء، يتعرض الطلاب أيضاً للمضايقة من قبل “دوريات في الجامعة”، و”أساتذة وطلاب” آخرين بحجة “ارتداء ملابس غير مناسبة”.
ويذكر أن ازدياد قمع طلاب جامعة العلوم والصناعة جاء في وقت سلبت فيه الجامعة حق الطلاب في تشكيل “مجلس نقابي” منذ أربع سنوات، وعرقلت تشكيله.
وبناء على ذلك، لم يتم اتخاذ أي إجراء هذا العام، خلافاً للوائح مجلس نقابات الطلاب، وعلى الرغم من متابعة الطلاب للانتخابات التي كان ينبغي إجراؤها في نيسان المنصرم، ووفقاً لمجلس نقابات الطلاب: “يعرف مسؤولو الجامعة جيداً، أن وجود ممثلين من طرف الطلاب، يمنع تصرفات المسؤولين التعسفية والقاسية”.
علمًا أنه بالوقت الذي زاد فيه الضغط على الطلاب وقمعهم، تم استدعاء أحد عشر أستاذاً من جامعة العلوم والصناعة، بشكوى من رئيس الجامعة، إلى المجلس التأديبي، بسبب توقيعهم على بيان يحتج على تسمم طلاب المدارس في إيران.