No Result
View All Result
قبل أذان المغرب بدقائق بدأت “سمية” بسكب الطعام في الصحون استعداداً للإفطار، لكن هناك طبقاً زائداً على أفراد الأسرة، بصوتٍ عالٍ نادت الأم طفلها الصغير: “تعال يما يا خليل خذ هالصحن لجارتنا أم رامي”، وناولته طبقاً من البازلاء باللحم، انتهت من طهوه للتو.
على عجالة نزل خليل من بيته، فلم يعد هناك وقت طويل لموعد الإفطار، ويفترض أن شوارع غزة خالية من المواطنين الذين يتجمعون في هذا الوقت على مائدة الطعام، لكن في مخيم الشاطئ للاجئين غرب القطاع المشهد مُخالف تماماً.
عادة متوارثة
كانت الأزقة الضيّقة التي تفصل منازل المخيم تعجُّ بحركة الأطفال، وبوضوح كانت تسمع طقطقتهم على الأبواب من كل اتجاه، وهم يحملون أطباق الطعام الدوارة من جارٍ إلى جار، ومن بينهم صحن البازلاء الذي يحمله خليل بيديه.
تسلمت أم رامي الصحن من الصغير، ولسانها يردد الأمنيات الجميلة له وعائلته، وطلبت منه الانتظار على الباب حتى تحمّله طبقاً آخر لأمه، تأفف خليل منها لكنه كان مضطراً إلى الانتظار: “سلم على أمك، وقلها خدي صحن المفتول ولا تنسى ترجعيه بكرة” قالت الجارة.
مسرعاً أيضاً عاد خليل إلى البيت، وعلامات الضجر واضحة عليه وينطق بكلمات سريعة غير مفهومة: “كل يوم يدخل وقت الإفطار وأنا بوزع صحون الطبيخ لأمي على الجارات، متى ستنتهي هذه العادة؟”، يقول لأمه التي تصرُّ على التمسك بعاداتها التي ورثتها عن أمها وجدتها وكل نساء جيلها اللاتي سبقنهن.

تسميات أُخرى
توزيع أطباق الطعام هي عادةً قديمة جداً بين الفلسطينيين وتعدُّ من التقاليد التراثية، وفيها تتبادل الأمهات طبقاً من الأكلة الرئيسة مع جاراتهن أو قريباتهن اللاتي يسكنَّ في الحارة نفسها، مما يترك بصمة جميلة على مستوى العلاقات الاجتماعية.
وتُسمى هذه العادة بـ”الفقدة” نسبةً إلى تفقّد حال الجيران الفقراء وغير المأمونين غذائياً، ولها تسميات أخرى منها “السكبة” نسبة إلى سكب نوع من الطعام أي صبه، ويستخدم هذا المصطلح إذا كانت توزع الأطباق على الجيران من الطبقة المتوسطة، وأيضاً صحن الطبيخ والصحن الدوار عندما يجري توزيع الطعام على أفراد الأسرة الواحدة.
وغالباً ما تقع مهمة توزيع “السكبة” على عاتق الأطفال الذين يطوفون البيوت قُبيل أذان المغرب، وما إن يعطى الطفل “الطبق الدوار” حتى يطلب منه الانتظار ليعود صحنه مليئاً بـ”فقدة” أخرى.
وفي أغلب بيوت غزة تخصص الأمهات صحناً واحداً يكون مميزاً عن باقي الأطباق في مطبخها تستخدمه دائماً لأغراض السكبة، وعادةً ما يكون حجمه كبيراً نسبياً ليتسع لكمية جيدة من الطعام، ويكون هذا الصحن معروفاً بين الجيران أنه تعود ملكيته لأسرة معينة.
وبحسب تقديرات كبار السن في غزة فإن عمر هذه العادة يزيد على 100 سنة، وتنشط هذه العادة طيلة أيام السنة، لكنها تزدهر بوضوح في شهر رمضان، وتعتبرها الأمهات بأنها سفير خير ومحبة يطرق الأبواب ليعمّق الود، أو يزيل جفاء حان وقت إقصائه.
يدور صحن الطعام بين الحارات والأحياء الشعبية والمخيمات بكثرة، لكنه يكاد يتلاشى في المناطق الحضرية وبين العمارات السكنية، تعتقد سمية أن السبب في ذلك الالتزامات المهنية والتباعد الاجتماعي في تلك المناطق.
وكالات
No Result
View All Result