دجوار أحمد آغا_
عندما نتحدث عن المستقبل، فالجزء الأكبر من حديثنا سيدور حول التطور والتقدم الهائل، الذي قام به الإنسان في مجال التكنولوجيا والتقنيات العلمية والمعرفية، فعقل الإنسان قادر على الإبداع وإنتاج أشياء في غاية الروعة، لأنه يسعى إلى الأفضل، وتحقيق الأمثل بشكل دائم.
لم يتوقف الإنسان عن السعي لاكتشاف ما يحيط به من أسرار الطبيعة، بل استمر في العمل من أجل تحقيق اكتشافات علمية مذهلة، من خلال الاختبارات، التي يجريها العلماء والمخترعون، وخاصةً في مجال العلم التجريبي، فمعظم هذه التجارب تهدف إلى تسخير الموارد المتوفرة لخدمة الإنسان، لكن الاختراع الأهم والأعظم، والذي كان يشغل بال الإنسان منذ القديم وحتى يومنا هذا، هو كيفية إيجاد شيء ما، يحاكي عقله في طريقة تفكيره، وهذا الأمر شغل بال الكثير من الأدباء، والمبدعين، ومخرجي الأفلام، من منطلق خلق ذكاء صناعي يماهي العقل البشري في نمط تفكيره والتعامل معه، فرواية (أريوهون) للكاتب النيوزيلندي “صاموئيل بتلر” 1835 / 1902 التي كتبها سنة 1872، ربما تكون محاولةً لإيجاد تفسير منطقي للدور الكبير والمهم في المستقبل لتغيير العالم نحو الأفضل.
بداية ظهور هذا الاهتمام فعلياً
فإذا عدّنا بذاكرتنا قليلاً إلى الوراء، وتحديداً في نهاية القرن العشرين عام 1999، حيث صدر فيلم تحت عنوان “ذا ماتريكس”، الذي يحكي قصة مبرمج كمبيوتر، يسعى لمعرفة ما يجري في عالم الأنترنت، من خلال لعبةٍ، يتم فتحها بتناول حبة حمراء، فينتقل به عقله إلى عالم آخر، متحرراً من عالمه الواقعي، حيث يشعر بأنه يعيش في عام 2199، وهناك حرب قائمة بين البشر والآلات، بسبب قتل أحد الآليين لمالكه، وفي النهاية ينتصر الآليون، فقد حقق الفيلم نجاحاً كبيراً، حيث بلغت ايراداته 463,517,383 دولاراً أمريكياً، رغم أن ميزانيته لم تتعدَّ 63 مليون دولار.
فنحن الآن في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، وقد تحول اعتمادنا في قسم كبير من حياتنا إلى الأجهزة والآلات، لكن أخطرها على الإطلاق، هو تلك التي تسير وفق “الذكاء الاصطناعي”، الذي يمكننا تعريفه، بأنه عبارة عن خصائص ومميزات، يتسم بها سلوك معين، وتمارسه البرامج الحاسوبية، بحيث يستطيع محاكاة العقل البشري، أي أنها قادرة على الاستنتاج والقيام بالفعل المناسب، وإظهار ردود الفعل أيضاً.
بداية التأسيس
لم يأتِ تأسيس هذا العلم من فراغ، بل جاء من عقل الإنسان، فربما نستطيع القول: “إن الكاتب التشيكي “كارل تشابيك” 1890 / 1938، هو أول من أطلق كلمة “روبوت”، خلال أحداث مسرحيته (إنسان ورسوم الآلي الشامل)، وتدور حول رجال آليين يسيطرون على الأرض، ومن ثم نشر مقالاً تحت عنوان (آلات الحوسبة والذكاء) سنة 1950، من قبل عالم الرياضيات، والباحث الإنكليزي “آلان تورنغ” 1912 / 1954، والمختص بعلم الحاسوب، حيث ذكر فيها مسألة الذكاء الاصطناعي، وضرورة إجراء اختبار حول ذلك.
فيكفي أن نذكر، أن هذا الاختبار سمّي باسم اختبار “تورنغ”، وأن كل شخص يستخدم “الكيبورد”، أي لوحة المفاتيح، أو جدول البيانات، أو أي برنامج يعالج الكلمات، إنما يعمل بموجب اختراع تورنغ.
بينما نستطيع القول: إن الاختراع الحقيقي للذكاء الاصطناعي جرى خلال انعقاد مؤتمر في جامعة “دارتموث”، في ولاية نيو هامبشر الأمريكية، في صيف 1956، بحضور أربعة باحثين أمريكيين، وهم (جون مكارثي، مارفن مينسكي، ناثانييل روتشستر، وكلود شانون)، حيث ظهر مصطلح الذكاء الاصطناعي لأول مرة، والذي يعود الفضل فيه إلى العالم الباحث “جون مكارثي”، والذي أطلق هذا الاسم على هذا العلم المتطور.
مصدر ماهية الذكاء الاصطناعي
يُرمز له اختصاراً ب AI””، أي الذكاء الاصطناعي، والذي هو عبارة عن نوع من الذكاء المرتبط بغير البشر، أي بالآلات والأجهزة الرقمية، ويضم العديد من التقنيات، التي تسمح لهذه الروبوتات، والأجهزة (كالهواتف الذكية، الحواسب، وغيرها)، من محاكاة العقل البشري، بحيث يصبح الرجل الآلي مثل الإنسان، يشعر بما يدور حوله، ويحس به، وبناء عليه يتخذ الخطوات اللازمة.
وبطبيعة الحال، فإن هذا الذكاء لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد تفكير عميق، والعديد من البحوث والتجارب، التي أجراها العلماء والمخترعون، ومن مخيلة الأدباء، الذين حلّقوا في الأعالي، وكتبوا روايات خيال علمي.
طريقة عمل الذكاء الاصطناعي
الدماغ البشري معقّد، حيث يقوم بملايين الوظائف بشكل يومي، بالإضافة إلى سعته لتخزين الذاكرة، والوعي بالذات، ويعمل من أجل تطوير حياة الإنسان أيضاً، فهو عبارة عن مجموعة من القوى الإدراكية، التي يدخل في نطاقها (الوعي، الذاكرة، التفكير، المعرفة، التحدث، التخيل، وغيرها)، وهي غالباً ما يستخدمه الإنسان السوي لتطوير حياته وإكمال مسيرته، فمعظمنا لا يستخدم سوى عشرة بالمائة من القدرات العقلية الموجودة لديه، وأهم القدرات، التي يتميز بها العقل البشري هو التخيل، لذا نراه قد صنع تقنية مذهلة تسمى “التعلم العميق”، والتي تُعطي الذكاء الاصطناعي القدرة على التفكير، واستنباط الأشياء، بعيداً عن التدخل البشري بشكل مستقل، وهذا الأمر أحدث ثورة كبيرة في عملية التحكّم بالآلات، وأصبح هناك خوف حقيقي من سيطرة الآلات، التي تتمتع بالذكاء الصناعي بالبشرية في المستقبل.
أنواع الذكاء الاصطناعي
يٌقسّم الذكاء الاصطناعي في وقتنا الراهن إلى أربعة أنواع رئيسية، وهي عبارة عن مراحل مختلفة من هذا العلم الحديث والمتطور، حتى أن النوع الأكثر تطوراً منها أصبح، بمثابة جسم خاص بذاته، يستطيع أن يحلل البيانات، ويتّخذ وفقها الموقف المناسب، سواء الفعل أو ردة الفعل، فهذه الأنواع بشكل مختصر على الشكل التالي:
1ـ الآلات التفاعلية: تعدُّ من أكثر أنواع أنظمة الذكاء الاصطناعي، فهي تفاعلية، حيث تستطيع أن تستخدم ذكاءها لمعرفة وإدراك العالم أمامه والتفاعل معه، وليس بمقدورها تكوين ذكريات، أو القدرة على استرجاع الماضي، أي أنها عبارة عن آلات تقوم بالمهام الأساسية، التي بُنيت من أجلها، وبمعنى آخر هي مصممة للقيام بعدد محدد من المهام الخاصة، ولا يمكنها القيام بغير ذلك.
ويُعّد هذا النوع من الذكاء من أبسط الأنواع، وأول مرحلة من المراحل الأربعة، ومن خلاله يتم شحن الآلات ببرنامج يسمح لها بتنفيذ مهام محددة في البرنامج، بحيث يكون هناك بيانات ومعلومات وأوامر للأجهزة والآلات، وهي فقط تنفذ المهام الموكلة لها، دون القيام بأمور خارجة عن النطاق، ومن أشهر الأمثلة على هذا النوع من الذكاء الاصطناعي، هو “الحاسوب”.
فحاسوب “ديب بلو”، الذي تم تصميمه فقط للعبة الشطرنج، كان يعتمد على الحركات، التي تناسب الحركة، التي يقوم بها الخصم من خلال إدخال معلومات متكاملة حول لعبة الشطرنج إليه، وقد استطاع هذا الحاسوب العملاق من الانتصار على “غاري كاسباروف”، وهو أعظم لاعب في تاريخ هذه اللعبة، وبطل العالم الروسي الأكثر شهرة فيها.
2ـ الذاكرة المحدودة: والمرحلة الثانية من الذكاء الاصطناعي، أو النوع الثاني، يكون أكثر تطوراً من النوع الأول، بحيث يتم إنشاء بيانات التدريب، ثم إنشاء نموذج للتدريب الآلي، وبالتالي يجب أن يستطيع هذا النموذج القيام بعمليات تخزين بيانات التدريب، وكذلك حفظ التوقعات السابقة، لكي يتم استخدامها مستقبلاً لدى حدوث أي عارض ما، فالذاكرة المحدودة تؤدي إلى تحول الآلات إلى نوع أكثر تعقيدًا، بحيث تصبح هندسة متطورة وتبدأ ببناء تقنيات العلّم الآلي.
وهناك أمثلة كثيرة على هذا النوع، ومنها “القيادة الآلية سواء للسيارة، أو الطائرة، أو غيرها من وسائل النقل”، فبالطائرة مثلاً، يقوم الطيار الآلي بقيادة الطائرة وفق البيانات، التي تم تخزينها في ذاكرة الجهاز، والمتضمنة حالة الجو، والطريق الآمن، والمطبات، والارتفاع المناسب وغيرها، مما يتعلق بعملية الطيران في الأجواء.
3ـ نظرية العقل: إن نظرية العقل ما تزال في الواقع نظرية، ولم تتحول بعد إلى الواقع العملي، كونها تحتاج الكثير من القدرات التكنولوجية والعلمية، للوصول إلى هذه المرحلة من الذكاء الاصطناعي.
ويستند مفهوم نظرية العقل إلى مبدأ الافتراض النفسي، بأن سائر الكائنات الحية لديها أفكار، وآراء، ومشاعر، وأحاسيس، يمكنها أن تؤثر على سلوك الكائن الحي، وعندما يتم تخزين هذه المعلومات ضمن الآلات، يصبح باستطاعتها أن تتعرف على كيفية تفكير البشر، وحتى الحيوانات والكائنات الأخرى، وبالتالي يمكن لهذه الآلات أن تتخذ قرارات بناء على التفكير الذاتي، ودون الحاجة إلى تعليمات، وأوامر من أحد.
4ـ الوعي الذاتي: ما إن يتم تكوين وتشكيل نظرية العقل في المرحلة السابقة، وتحولها إلى واقع عملي، ستبقى المرحلة الأخطر والأهم والأكثر تطوراً على الإطلاق، وهي مرحلة تكوين “الوعي الذاتي”، أي الخطوة الأخيرة لإنشاء كيان مستقل بذاته، فسيكون بمقدور الذكاء الاصطناعي أن يصبح واعياً، بمستوى وعي الإنسان ومدركاً لوجوده، بالإضافة إلى معرفته وإدراكه لوجود الآخرين من حوله، وحتى فهم وإدراك حالاتهم النفسية والتصرف معهم وفقها، أي أن هذه الآلات والأجهزة والروبوتات سوف تستطيع أن تفهم ما يُفكر به الإنسان، وما يريد فعله، وتصبح مثله مدركة لذاتها، فمثلاً عندما نكون في ازدحام سير، ونسمع صوت التزمير من خلفنا، ندرك على الفور بأن هذا الشخص مستعجل، أو غاضب، لأننا نفعل الشيء ذاته إذا كان لدينا عمل وعلقنا في الازدحام.
فتبقى مسألة صنع آلات واعية بذاتها في غاية الأهمية والخطورة، وكما قلنا من قبل لا بد من الحذر الشديد والدقة في هذا الأمر، فوجود آلة واعية بنفسها ولها ذكاء خاص بها، أمر مثير للقلق، ويمكن أن تؤدي في المستقبل إلى تفاوض البشر مع الآلة، التي صنعوها بأنفسهم، وهناك احتمالات كثيرة لفرضيات وتوقعات وتحليلات نتيجة هذا التفاوض، لذا يجب على البشرية توخي الحذر في هذا الأمر.