أحمد بيرهات (الإدارة المشتركة لمنتدى حلب الثقافي)_
مع اقتراب الذكرى الرابعة والعشرين لاختطاف وأسر القائد عبد الله أوجلان، والتي تمت عبر مؤامرة دوليّة شاركت فيها عدة دول كبرى بهدف إبعاد العائق المباشر أمام تنفيذ “مشروع الشرق الأوسط الكبير” في المنطقة. ارتأيتُ في هذه الظروف العصيبة من تاريخ المنطقة والسياسات المرسومة لها بالعودة إلى الكتابة عن أسباب استهداف حركة حرية كردستان بشخص القائد أوجلان، وممارسة سياسات متعددة من العزلة والتجريد بحقه منذ أسره وحتى الآن عبر ثلاث حلقات متتالية كمحاولة فهم الأسباب والمآلات واستمراريتها بأشكال مختلفة.
في التاريخ تلعب الشخصيات دوراً رئيسياً في التطورات التي حصلت وتحصل في كافة مجالات الحياة بأُطرها الفلسفية والعلمية والعسكرية والبحث الدائم عن الخلود بأفكارهم وإنجازاتهم العملية التي تُخلّدهم عبر العصور.
لقد كان للقائد أوجلان دوره الكبير على الصعيدين الفكري والفلسفي وبشكلٍ بارز خلال الخمسين سنة الماضية على المنطقة عامةً والساحة الكردستانية خاصةً وباتت أفكاره تدك مضاجع القوى الاحتكارية والحداثة الرأسمالية لذلك تم استهدافه لكبح جماح فكره النيّر الذي شكّل مرحلة جديدة من مسيرة التنوير التي قفلت منذ قرابة ألف عام في منطقة الشرق الأوسط.
قبل أن ندخل في تفاصيل موضوع مقالنا هذا حول المؤامرة وسياسة العزلة والتجريد بحق القائد أوجلان لا بد من طرح سؤال ذو بعد أخلاقي:
ما هو المطلوب لإضعاف وإفشال هذه المؤامرة الدوليّة بكل أبعادها وأركانها؟
سوف أحاول عبر حلقات متتالية (مقالات) إبراز أهمية تجربة حركة حرية كردستان وديالكتيك القائد أوجلان وبراديغماه وذلك كمسؤولية تاريخية وأخلاقية.
أسباب استهداف حركة حرية كردستان وأسر القائد أوجلان كون سياسة العزلة من تبعات المؤامرة التي استهدفته؟
نشوء وتأسيس حركة حرية كردستان في بداية سبعينات القرن المنصرم بمبادئها الفلسفية وعقيدتها الأيديولوجية هدفت لإيجاد حلول لمشاكل المجتمع الكردستاني والشرق الأوسطي بالاعتماد على الشعب في نضاله بشكلٍ رئيسي، إضافة إلى أن النهج السياسي والتنظيمي لهذه الحركة يرتكز على هذه العقيدة الراسخة وكانت واضحة وظاهرة للجماهير الشعبية لذلك لم يتردد حتى أبناء الشعوب الأخرى بالانضمام لهذه الحركة والاستشهاد في سبيل مبادئه السامية وتاريخ الحركة وشهداءها من الرعيل الأوّل كانوا من الشعوب التركية والعربية واللاز ولاحقاً من الروس والإغريق والشعوب الأخرى.
فهذه الحركة لديها مشروع يخدم شعوب المنطقة (وهذا هو الخطر الكامن على قوى الحداثة الرأسمالية) وقامت بتحوّل ثوري بنيوي وبمثابة إنجازات هامة منها:
1-تهيئة شعب محارب لنفسه ومصالحه للوصول إلى حريته ضمن إطار فكري سياسي تنظيمي عسكري كحركة اتخذت الاشتراكية العلمية وحرية الشعوب أساساً في فلسفتها.
2-تهيئة وتنظيم مناضلين أحرار وتهيئة الشبيبة للعمل الوطني وتفعيل دور المرأة بشكلٍ كبير وإعادة الثقة إليهم بعد أن عملت الأنظمة الحاكمة على تفريغ الاٍنسان والشبيبة خاصةً من الطاقة الفكرية الكامنة فيهم.
3-إشراك المرأة في العمل النضالي ووضع برنامج واضح المعالم لتحرير المرأة عبر تنظيمها وإعادة دورها التاريخي لمساره المؤثر كما ظهر ذلك في المجتمع الماترياركي “الأمومي” (المجتمع الطبيعي).
4-أكبر تحوّل قامت به الحركة كان وضع حد لفلسفة الموت والقدرية والعبودية التي عملت السلطات والأنظمة الحاكمة على ترسيخها عبر التاريخ وقامت الحركة بعملية التعمق في الذهنية وإعادة الوعي والتحوّل بالفكر الكردستاني وتحويله إلى فلسفة الحياة وفق شعار “المقاومة حياة”.
5-أكدت هذه الحركة أنه لا يوجد شيء مستحيل (المستحيل موجود فقط في قاموس المستسلمين) فوضعت صفات وخصائص للمناضل الثوري وقد نُشر في كتاب المسألة الشخصية عام 1983 للقائد أوجلان وفي مجلده الخامس طرح أسئلة فلسفية وجودية للسير قُدماً نحو سوسيولوجيا جديدة: كيف نعيش – ما العمل – من أين نبدأ؟ كمعادلة جديدة تؤسس لرؤى استشرافية لتقوية الشعوب وإيمانهم عبر ترسيخ ثقافة الأمل ونيل الحرية في مواجهة ما يتعرضون له من مظالم.
بعد هذه المقدمة يتبين لنا وبشكلٍ لا لبس فيه أن القائد أوجلان يملك مشروعاً جامعاً يمثل كل شعوب المنطقة وهذا ما كان ومازال يتعارض مع سياسات دول الهيمنة العالمية خاصةً (أمريكا – إنكلترا – إسرائيل) والتي كانت بحاجة إلى أنظمة تابعة لها في المنطقة تمثل سياساتهم النيوليبرالية وقد رفض القائد أوجلان مطالبهم بتبني أجنداتهم في تسعينيات القرن الماضي خاصةً بعد انهيار السوفييت، ما استدعى هذا الثالوث إلى وضع القائد أوجلان في “اللائحة الحمراء” لديهم استناداً على المعادلة التاريخية التي ترسخت في تاريخ الثورات الكردية القائلة: “بأن الثورة تنتهي بأسر أو مقتل قائدها” وأمثلة التاريخ شاهدة وواضحة كانتفاضات وتمردات (الشيخ عبيد الله النهري- الشيخ سعيد- سيد رضا- قاضي محمد…)، إن استهداف القائد أوجلان تم عندما رأت هذه القوى المشاركة في المؤامرة ضرورة الاحتفاظ بتركيا في التوازنات الدولية وفق مبدأ وسياسة “فرّق – تسد” الإنكليزية القديمة الجديدة، فمنظمة كلاديو (المنظمة السرية التابعة لحلف الناتو) كانت ترى في القائد أوجلان ومشروعه عائقاً وإضعافاً لتركيا وكذلك الأهمية الجيوسياسية والجيوستراتيجية لتركيا كعميل لهم تخدم مشاريعهم في المنطقة، كون السياسات الغربية تاريخياً تفشل وسوف تفشل بوجود قيادات كاريزمية تعمل لمصالح شعوبها وترفض المشاريع الغربية ما لم تخدم شعوبها أيضاً، لذلك كان التدخّل في سوريا ضرورة لتشكيل نظامهم الجديد بحجة وجود شخص على لوائحهم الإرهابية (حجتهم القانونية لكل من يعارض مصالحهم الاستراتيجية) وهذا ما أكد عليه القائد أوجلان بقوله إن “سيناريو احتلال العراق بدأ مع التمشيط الذي استهدفني”، وعملياً تأجل احتلال العراق خمس سنوات عندما خرج القائد أوجلان من سوريا قالها أحد الصحفيين الأمريكيين لاحقاً “لقد عرفت لماذا اعتقلوا أوجلان” (بالطبع هذا الكلام بعد احتلال العراق عام 2003).
القائد أوجلان يُشبه مأساة اختطافه بقتل ولي عهد النمسا على يد صربي متطرف إيذاناً بالحرب العالمية الأولى عام 1914 فيقول “استهدافي كان ضرباً من الحرب العالمية الثالثة” وإحدى أهدافها خلق اقتتال تركي – كردي لتجديد السياسة الإنكليزية القديمة الجديدة “فرق – تسد” كما ذكرنا ليضعف الطرفين المتقاتلين والمتصارعين من ثم يتم تدجين الطرفين لمصالحهم بعد أن يتم انهاكهم ولن يكتمل ذلك إلا عبر اعتقال أو تصفية أحد أبرز رموز الثورة الفكرية والاشتراكية والديمقراطية في العالم (القائد أوجلان) خاصةً بعد الانتكاسات التي تعرضت لها التجربة الاشتراكية بعد أعوام التسعينيات، وهناك عدة أمثلة من تجارب حركات تمثل حرية شعوبها قامت نظام الحداثة الرأسمالية بتصفيتها أو إضعافها على الأقل منها:
حملة الإبادة وإنهاء حركة نمور التاميل “إيلام” عسكرياً في سيريلانكا عام 2009، عبر مؤامرة بتحالف حكومة سيرلانكا وفرنسا وأمريكا، وحركة ايتا التي تطالب بحقوق شعبها في إقليم الباسك في إسبانيا، وشين فين (الجناح السياسي للجيش الجمهوري الإيرلندي) في إيرلندا، وحركة فارك الثورية الكولومبية، والفصائل الفلسطينية بغالبيتها.
النضال والمقاومة المستمرة منذ قرابة ربع قرن في مواجهة المؤامرة التي استهدفت حركة حرية كردستان بشخص القائد أوجلان فعلت فعلتها وباتت الثورة في كردستان وخاصةً في روج آفا كأمل مُتبقي للأحرار، وشاهدنا ذلك في كثافة الإقبال والانضمام والمشاركة الفعالة لغالبية الحركات والشخصيات الثورية التحررية في العالم بالمشاركة في تجربة ثورة روج آفا وتم تشكيل كتائب خاصة للمقاتلين الأمميين لمحاربة كل من يستهدف هذه الثورة وتجربتها الرائدة على أراضي روج آفا، رغم كل ذلك المؤامرة مستمرة باستهدافات مباشرة وبأشكال متعددة…




