No Result
View All Result
تحت سفوح جبال المكمل في لبنان تكسر عملية تشحيل (تقليم) الشجيرات رتابة المشهد الشتوي، هناك حيث يتغلب الصمت والسكينة على حياة الصخب تكمل أقلية من المزارعين “روتينها” السنوي.
تحتل الرعاية بالأشجار والبراعم المتوارثة عن الأسلاف “مكانة سامية” في قائمة طقوس فصل الشتاء، التي باتت تُشكّل لحظة حاسمة لاستمرار مظاهر الحياة لدى سكان الجبال.
يصطحبنا عبد الله عثمان (أبو عمر) إلى بستانه، أو ما يصدق وصفه بـ”ميدان الإبداع” خاصته، في استقبالنا كانت وجوه مبتسمة، وعصافير مرنمة، ودجاجات تتسابق لكسب رزقها، وأشجار تعرت من أوراقها تنتظر مقص التشحيل (التقليم) لإعادة النشاط إلى داخلها.
لا يتأخر شعور الراحة النفسية ليتسلل إلى قلب الزائر لبساتين الضنية و”بلدة القطين”، ليبدأ السيناريو البهيج لعمل عثمان في “تنقية” الأغصان، إضافة إلى “تطعيم” الشجيرات من أجل منح ثمرة سليمة وجودتها عالية، فالعلاقة مع الأرض “دين ووفاء”، وهي مفطورة على رد الجميل بجميل مضاعف، حسب إيمان أبناء الجرد اللبناني.
سنوات الحصاد
تبرز على مُحيّا عثمان نضارة اختزنها بفعل خمسة عقود في العمل الزراعي، وتشي قبضته على المقص بقوة وعزيمة، وهي التي أصبحت عملة نادرة في زمننا الحاضر.
لا يتأخر عثمان في رفع منسوب المخاطرة والتحدي من خلال تسلق شجرة ترتفع 10 أمتار، أو حتى القفز من مكان مرتفع، ليبرهن على لياقته البدنية من جهة، ومن أخرى للتعبير عن ثقته بنتائج عمله، حيث يسارع بالرد على سائله عن خطورة ما يفعل بأنه: “يعرف أين يدعس، كما أنها أغصان وفروع قوية وتتمتع بالصحة والعافية بفعل تنظيفها الدائم من الدود والخبث”.
يؤكد أنه راكم خبرته بفعل تعامله الناجح مع آلاف الأشجار في مختلف المناطق الشمالية، ويفضل الرجل الستيني تسمية “تنقاية الطعوم”، وهي التسمية العامية الرائجة بين أبناء الريف اللبناني، جازماً أنها: “عملية دقيقة لا يمكن ممارستها بطريقة اعتباطية، لأن عليها تتوقف الحياة المستقبلية أو يباس الأشجار”.
وعن المعايير الواجبة في العمل الزراعي، يقول: “هي أقرب إلى النزعة الرومانسية، وتحتاج إلى كثير من الحب والنفس الطويل، وبالتأكيد الشعور بالمسار المستقبلي للبراعم والتوقع المبني على الخبرة الماضية”.
تختصر كلماته تلك العلاقة، عندما يردد “هيدول تربايتي” فهو يضع نفسه في موضع الأب والمربي لتلك الشجيرات التي يعتني بها، ويراقبها بصبر وبهجة طوال سنوات عمرها.
ثمن الخبرة
يقر أبو عمر بأن “الخبرة غالية الثمن” ويكتسبها أبناء الريف من خلال أرض الواقع والتطبيق، وليس على المقاعد الجامعية التي تعتمد على الشق النظري.
ويفتخر بأن “مهندسين زراعين” يستفيدون من خبرته، وأن “أصحاب ورش زراعية كبيرة يفضلون اللجوء إليه بفعل النتائج المميزة”، والبعض يأتيه ليطرق بابه ويطلب منه رعاية شجيراته.
الرفيق الدائم
يصطحب عثمان “مقص الفالكون 2” إلى مقاصده المختلفة، ويبقى في جيبه أكثر أيام السنة، كما أنه يضعه في جيب السيارة عندما يكون لديه مشوار بعيد أو إلى المدينة.
ويصف الرجل الستيني المقص بأنه “صديقه” و”رفيق دربه”، فهو وقف بجانبه أبداً ولم يخيب ظنه فيه، ويضيف أنه “يفضل عدم إعارة مقصه لأحد، لأنه قد يخسره إلى الأبد، وعندها سيضطر جاهداً إلى البحث من جديد على آخر مشابه بالمواصفات والقوة نفسها، فضلاً عن قبضة اليد المتماسكة”.
كما يتطرق إلى صديق آخر له خلال العمل، ألا وهو “السيجارة العربية اللف” التي ينفي عنها الأضرار، فهو لا يتهاون عن عمله، لكنه يستغل لحظات الشمس والراحة للف سيجارته وتنفيخها.
تختصر قصة عبد الله عثمان حياة المزارعين في لبنان، شريحة باتت أقلية في المجتمع، إلا أنها الأكثر تمسكاً باستمرارية دورة الحياة، وربما الأكثر فهماً لها ولتوازنها البيئي، وهو يجهد للحفاظ على استقلاله الاقتصادي في ظل الانهيار المالي غير المسبوق.
وكالات
No Result
View All Result