صلاح الدين مسلم_
مع تحويل المرأة إلى سلعة، وسيادة الرجل، الذي بدأ لوحده يفكّر، ويقود، بدأ المنطق العلمي التحليلي يطوّر على حساب العاطفة والروح، فمن كان يكبح جماح الرجل هو المرأة، فبعد أن سيطر الرجل عبر تطوّر الفكر الشاماني، وانعزالهم عن المجتمع، وإنشاء طبقة العبيد، وظهور الملكيّة الفردّية ظهر التحوّل من الأفقيّة المجتمعيّة إلى الهرمية، ظهرت الطبقيّة في بروز المدينة والدولة وتقنيات السلطة والسوق الاحتكاريّة ضمن إطار مُحكِم جدّاً، بالتوازي مع التحوّل الذّاتيّ الذي وجد تعبيره في الوعي والقيم الجسديّة القمعيّة بطرق مختلفة، حيث عملت على عقلنة الخبرة بشكل كلّي بما يتوافق مع أشكال الطاعة القسريّة، والأوامر الصارمة، وهذه الذهنيات المبتورة، من الممكن الإطلاق عليها Epistemology إيبستمولوجيا السلطة والحكم، فالدولة تعتمد على الهرميّة والطبقيّة بالدرجة الأولى، وأساس تواجدها في المدينة، وزادها الاحتكار، ووقودها عقلنة الخبرة؛ أي ترويض الفكر عبر آليات غسيل الدماغ، وآلياته تكمن في العنف الذهنيّ والجسديّ، وشعارها في الحياة هو الهيمنة، والسلطة، والتسلّط. فإذا كانت الثورة النيوليتيّة الزراعيّة أوّل ثورة في الوجود، لذلك عُدّت الدولةُ الثورة المضادة لها، وقد شيّدتها العقلية الأبَويّة السلطوية، بعد أن سُرقت ماءات إينانا، وما أغاني الشعراء والمسرحيين، وكتّاب الأساطير السومريّة والبابليّة، إلا حنين لذاك المجتمع الأموميّ الطاهر، وما كانت محاولات جلجامش إلا للسيطرة على الطبيعة من خلال السيطرة على آنكي وترويضه وجلبه إلى المدينة وإغوائه بالمرأة، التي شوّهتها المدينة بعد أن حوّلتها أمَةً ومومساً في بلاط الأمراء، وما بحث جلجامش عن الخلود إلّا بحثٌ عن الحياة، التي فقدت بهاءها بعد أن تحوّلت الإدارة إلى سلطة، فالدولة هي عدّة سلطات واتّحادها، فما عاد يهنأ وما عادت حياته تستقرّ إلّا في البحث عن ماء الخلود، ليصل إلى درجة الحياة، التي فقد قيمتها بعد أن بنى الأسوار، وتغلّب على الطبيعة وآلهتها، وهذا ما وضّحناه سابقاً.
أثبت العلماء والباحثون بأن الشرق الأوسط هو المكان الأول لظهور المجتمع الإنساني والطبقة والدولة عبر التاريخ، وامتداد تاريخ ظهور ثقافة نظام الدولة والسلطة من صلب هذه الجغرافيا، التي تجذّرت حتى النخاع في المجتمع، وكوّنت أسس ذهنيته، وتتوضّح الحقيقة على مرأى الأعين من خلال تسمية الدولة بالأب وتقديسها، وسلاطين الدين أكدوا بوجوب إطاعة وتقديس الدولة، ورؤيتها ممثلة للآلهة على وجه الأرض، والذين ناهضوا الدولة وممارساتها الخاطئة حسب أفكارهم ومعتقداتهم، لم يرفضوا الدولة بأكملها، بسبب عدم إدراك حقيقة “وجود الدولة التي تعني القمع والاضطهاد، وإنهاء الديمقراطية والحرية” فحتى الأديان لم تحلل الدولة واعتبرتها مقدسة، وأكسبتها المشروعية والصلاحيات المطلقة –عن دراية أو دونها- لتعظيم نفوذ السلطة والدولة.
لن يكون القضاء على النظام الدولتي وتحقيق الديمقراطية والحد من السلطة في موطن تجذرت فيها الدولة بكل عمق، وجرى تقديسها دينيّاً بهذه السهولة، لذا فتوعية المجتمع في الشرق الأوسط على أسس معرفة حقيقة الدولة، والسلطة كأداة قمع واضطهاد مسألة بالغة الأهمية.