رامان آزاد –
لم يكن رؤساءُ دولُ القمة الرباعيّة قد غادروا الطاولاتِ عندما أوعز أردوغان لمدفعيته ودباباته لقصفِ قرىً بريف كوباني، ويوصلَ رسالةً مفادها أنّ سياساته في سوريا تحظى بتأييدٍ دوليّ، وليستدرجَ الصمتَ الدوليّ بالتهديد بملف اللاجئين. فأنقرة تتقن لعبة الإيهام بتوافق حول سياستها فقد استغلت أنقرة وجود نائب الرئيس الأمريكي يوم احتلت جرابلس وتواصلت مع العالم شرقاً وغرباً لتضمنَ صمته حيالَ غزو عفرين واحتلالها، ودخلت إدلب ونشرت فيها نقاط مراقبة استناداً لمخرجاتِ أستانه.
يأتي الاستهدافُ التركيّ في مرحلة حسّاسة جداً تشهدُ انحساراً كبيراً للإرهاب وحصره في بلدة هجين الجُحرِ الأخيرِ بعد تحريرِ بلدةِ السوسة بريف دير الزور، ومن المعلوم أنَ الانتقال إلى الحوار الوطنيّ والحلّ السياسيّ يتوقف لدرجة كبيرة على إنهاء الإرهاب. وبالتالي يُنظر للدور التركيّ على أنّه مقوّضٌ أساسيّ للحلِّ في سوريا والذي يُؤسس لمرحلةِ الأمن والاستقرار ويُنهي أزمةَ السوريين في الداخل والخارج.
القصفُ التركيُّ اختبارٌ لمصداقيّةِ العالمِ
ليس صدفةً تزامنُ العدوان التركيّ على قرى كوباني بما لها من رمزيّة المقاومة الأسطوريّة ضد الإرهاب، مع الاحتفالِ بالذكرى السنويّة الأولى لسقوطِ عاصمةِ الإرهاب وتحرير كاملِ مدينة الرقة، ليفسدَ فرحةَ الاحتفالِ وينتصرَ للإرهاب. وذكر بيانُ هيئة أركانِ الجيش التركيّ يوم الأحد, بأنّ مدفعيتها قصفت مناطقَ وحداتِ حماية الشعبِ في زور مغار غرب كوباني (شرق الفرات في روج آفا ـ شمال سوريا) الواقعة على الحدودِ التركيّة حسب وصف البيان، وبرّر القصفَ بمنع “نشاطات إرهابيّة”، وهنا نذكرُ أنّ القيادةَ التركيّة لم تندّد يوماً بجرائم مرتزقة إرهابيّة عندما احتلت مدن (كوباني ومنبج والباب وجرابلس)، بل كانت مطمئنةً لأمنِ حدودها!!
السؤال هل تملك أنقرة الجرأة فعلاً لتوجّه رسالةٌ ناريّة في عملٍ غير مسبوقٍ لتستهدف مدفعيتها منطقةً بشرق الفرات حيث الوجود الأمريكيّ؟ من الضروريّ قراءة الرسالة في مضمونها السياسيّ أكثر من الدمار الفعليّ على الأرض. فمن البديهيّ أنّ المقصودَ حرقُ السلامِ والأمنِ وتمديد الحربَ بسوريا، وتأكيدَ أنّ أنقرة لا ترفض المشروع الديمقراطيّ وحالة التوافق شمال سوريا وحسب، بل كلّ وجودٍ كرديّ مجتمعيّ مدنيّ على الحدودِ، وتتطلعُ لتغييرٍ ديمغرافيّ كاملٍ على الحدود. والعدوانُ لا يخرج عن إطار الاستهدافِ الوجوديّ للكرد على مدى قرنٍ لاتفاقِ التقسيمِ سايكس بيكو، الذي تعتبر كلُّ دولة بالمنطقة أنّها مغبونةٌ وفق خطوطَ الخارطةِ التي فرضها، ولكنه في الوقتِ نفسه مقدّسٌ ومحلُّ توافقٍ الدول عندما تتعلقُ المسألةُ بالكردِ.
اعتبرَ مراقبون القصفَ التركيّ محاولةً لجسِّ النبض الأمريكيّ، لجهةِ أنّه جاء من خلفِ الحدودِ ولم يترافق باجتيازِ قواتٍ بريّة، ولكن ذلك يفترضُ عملاً موسّعاً لاحقاً، وتركيا ليست في وارد التوسّعِ ولا تملكُ القدرةَ ولا الرغبة على ذلك، ولا يُعتقدُ أن تبادرَ واشنطن لاتخاذِ إجراءٍ واضحٍ إزاء العربدة التركيّة، فقد سبق أن صمتت إزاء شهرين من العدوانِ التركيّ الهمجيّ على عفرين وعن سلوكيات الاحتلال العدوانيّة والإجراميّة منذ إعلان الاحتلالِ في 18 آذار المنصرم. واقتصر تصريحُ جميس جيفري المبعوث الأمريكيّ على التعبيرِ عن القلقِ والدعوةِ للتعاونِ بين واشنطن وأنقرة، وتبريرِ هجماتِ مرتزقة داعش على مواقع قسد في الباغوز والسوسة بالظروفِ الجويّةِ السيئةِ. وبالمجملِ لم تثبت مصداقيّةُ المواقفِ الأمريكيّة فعلاً على الأرض لدى مكوّنات شمال سوريا، ولا على مستوى السياسة الدوليّة والرأي العام العالميّ رغم أنّها أعلنت فيما سبق عن استراتيجية حماية الشركاء على الأرض، ولا تُعرفُ طبيعةُ الضماناتِ الأمريكيّة المقدّمة لموسكو لتأكيدِ المحافظة على وحدة سوريا.
في المستوى القانونيّ والأخلاقيّ والإنسانيّ؛ فإنّ كلَّ المؤسساتِ الدوليّة وأولها الأمم المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبيّ وحكومات التحالف الدوليّ لمحاربة الإرهاب معنيةٌ ويفترضُ بها الاضطلاعُ بمسؤولياتها وتقف أمام حقيقة الموقف التركيّ ومحاولة الثأر نيابةً عن المرتزقة، باعتبار أنَّ العدوانَ التركيّ يقوّضُ جهودَ التحالفِ وينسفُ الإنجازاتِ التي تحقّقت في إطارِ محاربة الإرهاب.
ولما كان الوجودُ حقاً فطريّ مقدّساً لا مِنةَ لأحدٍ فيه، فإنّ الدفاع عنه حقٌّ فطريٌّ أيضاً تضمنُه القوانين والشرائع، وليس أمام مكوّنات شمال سوريا إلا الدفاعُ عن أنفسهم ومقاومة العدوان دفاعاً عن الوجود والمكتسبات التي أنجزوها خلال سنوات. وباعتبار أنّ الحدودَ تتصل بالسيادةِ الوطنيّةِ لسوريا، فالقضية تأخذُ بُعداً وطنيّاً وتصبح واجباً في عهدة كلِّ السّوريين بصرف النظر عن انتماءاتهم، والواجب الوطنيّ يشمل كلَّ الجغرافيا الوطنيّة دون استثناء بقعة، وهنا فصلٌ جديدٌ من الاختبار الوطنيّ. وأما التعامل مع الجغرافيا على نحو من الاجتزاء فهو سقوطٌ في الفخ الذي نصبته أنقرة، كما حدث في اختبار عفرين.
بيانُ القمةِ الرباعيّةِ الختاميّ صياغةٌ للخطةِ الروسيّةِ
لم يكن من المنتظرِ أن تفرج القمةُ الرباعيّة عن معجزة الحلّ السياسيّ للأزمة السوريّة، فلم تأتِ بجديدٍ للسوريين وكانت منصةً لتمرير ملامح الخطة الروسيّة حول سوريا، مطعّمةً بنهكةِ توافقٍ غربيّةً، وأخذت بالاعتبار المطالبَ التركيّة، ووُجدت في البيان فقراتٌ إنشائيّة لغاية سياسيّة جانبت الحقيقة، ومن ذلك التأكيد على وحدة الأراضي السوريّة ورفضِ الأجنداتِ الانفصاليّة التي تهدّدُ سيادة ووحدة سوريا والأمن القوميّ للدول المجاورة، وهنا يتبنى البيانُ الموقفَ الروسيّ والتركيّ بالتلميح للأمريكيّ، ويتنكرُ لحقيقةِ أنَّ من تشيرُ إليهم بالانفصاليّة كانوا في الصف الأول لمحاربة الإرهابِ، ويدعون ليل نهار للحوار وصيانةِ وحدة سوريا أرضاً وشعباً. وفيما يتصل بباقي الفقراتِ فالدولُ المجتمعة نفسها تخالفها، فالحديثُ عن دعم الحلّ السياسيّ للأزمة وتهيئة الظروف التي تشجّعُ عليه ليحقّقَ السلامَ والاستقرار في سوريا، والتأكيد على أنّ حلّ الأزمة السوريّة لن يكون عسكريّاً، وإنّما عبر مسار سياسيّ قائمٍ على المفاوضات بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن الدوليّ 2254، فإنّ موسكو وأنقرة تتبعان العملَ العسكريّ، وما يُسمّى الحلّ السياسيّ عبارة عن خطةٍ سياسيّة للتقاسم والمحاصصة عبر العملِ العسكريّ. وأما مواصلة محاربة ما سمّاه البيانُ بالتنظيمات التي لها صلة بالقاعدة أو داعش وغيرها التي يصنّفها مجلس الأمن الدوليّ إرهابيّة، فأنقرة تحتضنها وتدعمها وتعمل على تدوير استخدامها. فيما سيبقى الحديثُ عن الدعوة لتشكيلِ لجنة صياغة الدستور السوريّ الجديد قبل نهاية هذا العام من قبيلِ الشكليّة ما لم تضمن الإقرار بالوجودِ التاريخيّ للمكونات السوريّة والشراكة العادلة بالحياة العامة.
ترحيبُ البيان بالاتفاق الروسيّ – التركيّ حول استقرار الوضع بمنطقة إدلب الموقع في 17 أيلول 2018 هو انقلابٌ ومراوغة، بعدما كانت العملية العسكريّة فيها قاب قوسين أو أدنى، ويعني منحَ فرصة للإرهاب لإعادة صياغة نفسه. واستجابةً للمطلب الألمانيّ كان التأكيدُ على أهمية تهيئة الظروف المناسبة في عموم سوريا للعودة الآمنة والطوعيّة للنازحين واللاجئين إلى أماكنهم الأصليّة، وحماية العائدين من الزجّ بهم في صراع مسلح، ومن الاضطهاد السياسيّ أو الاعتقال التعسفيّ، وتوفير البنية التحتيّة للعائدين.
المعارضة السوريّة وارتهان كاملٌ لأنقرة
من الصعب وجود معارضة في العالم تشبه النموذج السوريّ، ذلك أنّها معارضة تمّ صنعها في الشتاتِ ثم فُرضت طرفاً سياسيّاً، ولأنّها لا تستندُ إلى وطنيّةٍ حقيقيّةٍ ومرتهنة لصانعيها فقد تفسخت وانمسخت، وراحت تبلعُ كلَّ التصريحاتِ والشعاراتِ عن الثورةِ المزعومةِ وتستهتر بالدماءِ التي أريقت والأرواح التي أزهقت بسببِ الحرب، اليوم وفي سياق البحثِ عن ترقيعاتٍ تضمن لها البقاء ومن أجل تحصيل مكاسب عبر مغازلة موسكو يتحدثُ نصر الحريريّ أحد شخصيات هذه المعارضة التي اهترأت، عن إمكانية الحوار السياسيّ مع دمشق، فبعد لقائه الوزير الروسيّ سأله صحفيّ عن عفرين بعد أشهر من الاحتلال التركيّ راح يؤكّد أن تركيا لا تطمع بالأرض السوريّة، وحول الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحقِّ أهالي عفرين ردَّ بأنّ أموراً كهذه “غير مقصودة” واستطرد قائلاً شكّلنا غرفة عمليات بعفرين وأنّها شاركت قوات الاحتلال العدوان، وهو تصريح يتجاوزُ الحَوَلَ السياسيّ إلى عمى الألوان الوطنيّة، والصمم، فبعد أكثر من ثمانية أشهر من جرائم القتل والخطف والسلب والنهب وحرق الأشجار وقطعها يصفها بأعمال غير مقصودة!! والقضية أنّ كلَّ من تعامل وتعاون مع أنقرة إرهابيّ الفكر والعمل.
نموذج الحريريّ كثر موجودون في الحكومة السوريّة المؤقّتة والمجالس المحليّة، واليوم يتبعون سياسة التتريك تنفيذاً لأوامر بابهم العالي في الإجرام الوطيء في الأخلاق، ويسعون لشرعنةِ الاحتلال، وآخر ما تفتق عقلهم لتأكيد الارتهان وعمالتهم للمحتل فرض غرامة على كلِّ من لا يحمل هوية تركيّة واستبدال العملة السوريّة وفرض اللغة التركيّة في المدارس وإخضاع المناطق للوالي العثمانيّ، ورفع العلم العثمانيّ ليرفرف فوق السرايا والمؤسسات والدوائر الرسميّة، ويُوضع على ذراع كلّ مسلّح وكلّ آليّةٍ، ثم يأتي من يتفاصح من هذه المعارضة ويتحدث عن الهوية السوريّة والانتماء لها.
موسكو منصةُ استهدافِ الإدارةِ الذاتيّةِ
حملة التصريحات الأخيرة التي أخذت طابع التهديد من قبل موسكو ودمشق مؤخراً تتجاهل الاحتلال التركيّ لعفرين وجرابلس والباب ومناطق في إدلب، فيما أنقرة تواصل التهديد كعادتها، ولكنها أضحت أكثر جرأة لتنفيذِ التهديدِ، وهنا محلُّ الاختلاف مع السنوات الأولى للأزمة السوريّة، وقتها كانت تصريحاتُ كلِّ القادةِ الأتراك زوابع في فنجان.
وضمن الحراكِ المحمومِ المناهضِ للإدارةِ الذاتيّةِ الذي يتخذُ من موسكو مركزاً له، وهي التي انقلبت على ميراث الشيوعيّة المناهض للرأسماليّة ودعم حركات التحرر الوطنيّ وقضايا الشعوب وأحالت شعارَ الاشتراكيةِ إلى المتحف. وإذا كانت تصريحاتُ المسؤولين الروس مركّزة ضدَّ الوجود الأمريكيّ شرق الفرات في إطار تنافس الكبار على مجمل المنطقة وجغرافيا سوريا، إلا أنّه لا مبررَ لعقدِ الاتفاقاتِ ضدَّ إرادةِ الشعوبِ مع العثمانيّةِ الداعمة والراعية للإرهاب علناً، ومنح قوارب النجاة لمعارضة اصطبغت أيديها بدماء السوريين، وأطرافٍ كرديّة انضوت تحت راية الائتلاف، وإلا فما معنى الترويج لدويلة كرديّة لا وجود لها واقعاً، وأيّ صبغة قوميّة لمناطق واسعة تشمل مناطق ذات أغلبيّة عربيّة وشراكة وطنيّة بين المكونات المتنوعة، فيما كانت دمشق صدىً مباشر لتصريحات موسكو. والسؤال الهام ما الخطوات الفعليّة التي خطتها موسكو ودمشق باتجاه مكوّنات شمال سوريا؟ وماذا فعلتا عندما كان الإرهاب يحتل البلدات والقرى ويذيق الأهالي مراراً العذاب، كما هي الحال في عفرين؟ ولذلك القضية تتمحور حول إرضاء غرور السلطان العثمانيّ، والصمت حيال توسّعه، في جملة الحوافز المقدمة له لاحتوائه، كما هي قضية الاتفاقات الاقتصاديّة وأنابيب الغاز وسواها.
يمكن القول إنّ الاجتماعات تأتي ضمن أطر متداخلة، وفي الإطار الأدنى الأصغر اجتمع سيرغي لافروف مع ممثلي المجلس الوطنيّ الكرديّ المنضوي ضمن الائتلاف، ولم يكن غريباً أنّ الاجتماع لم يتطرق إلى جرائم الاحتلال التركيّ في عفرين، وكان المحور العام اتهام الإدارة الذاتية بتنفيذِ أجنداٍت خارجيّةٍ وأنّ ليس لديها مشروع كرديّ. وهنا الازدواجيّة والمفارقة، فموسكو تتهم الإدارة بأنّها مشروع دويلة كرديّة لتنسب إليها تهمة التقسيم وتحرّض عليها المكونات السوريّة الأخرى، فيما يعملُ المجلسِ الكرديّ على اعتباره نفسه ممثل الكرد، ليحرّض الكرد على الإدارة الذاتيّة وهنا تتكامل الأدوار وتكتمل حلقات الدائرة، وكلٌّ يلعب دوره حسب حجمه وفي إطاره.
موسكو بحاجة لطرف كرديّ لتستكملَ صوريّاً خطتها ولتظهر أنّها تعمل لجمعِ كلِّ الأطراف السوريّة. وإذ لا يُعتقدُ أنّ موسكو استطاعت استقطابَ هذه الأطراف، فالأرجحُ الاعتقادُ أنّ ثمّةَ توافقاً قد حصل وتمّ الإيعاز لهذه الأطرافِ لتيمّمَ شطرَ موسكو وتعلنَ من منصةِ الخارجيّة الروسيّة ولاءها الجديد، وترميَ الإدارة الذاتيّة بسهامها، لتظهير موقف بعدم وجود توافقٍ سوريّ حول المشروعِ الديمقراطيّ. وفي مكان آخر التقى مسؤولو الاستخبارات التركيّة (الميت) بأعضاء من الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ، والحديث حول سبل دعم وجود الحزب في عفرين، وبالمجمل هي محاولة إحلال أو ضرب الكرديّ بالكرديّ.
عسكريّاً أسهم التدخّل الروسيّ في انحسار الإرهاب وتجميعه بإدلب بالتعاون مع أنقرة وفق صفقة غير معلومة الملامح، أما سياسيّاً فإنّ انفراد موسكو بملف الأزمة السوريّة لا يمكن التكهن بنتائجه النهائيّة فقد تضمن تبريد إدلب وتجاهل عفرين، ورغم أنه ظاهراً يفتح الباب لاحتمالات تأزيم، إلا أنّه واقعاً تنازلٌ وترتيبٌ لملفِ التفاوض مع واشنطن لتحصيلِ تنازلٍ لفكِّ الاشتباك مقابل التصًعيد الأمريكيّ.