حرب الشعب الثوريّة، هي ردة الفعل، التي يقوم بها الشعب عندما يتعرّض للاعتداء والقمع من قبل قوة احتلال خارجيّة، أو سلطة مستبدة تتحكم بمصير الشعب، وتغتصب حقوقه وخيراته، وتُعرف بأنّها حربٌ شاملة يشارك فيها كلُّ أبناء المجتمع ولا تحدد بميادين معينة وهي مديدةٌ لا تحدد بمدةٍ زمنيّة، وتعتمد على عناصر المفاجأة والحركة والعمليات السريعة وتستهدفُ العدو حيثما وُجِد، وبذلك تستنزفه وتجعل استمرار بقائه أمراً مستحيلاً.
الحرب الشعبيّة الثوريّة، من أصدق الحروب، وأكثرها نزاهة وعدالة، وقد خاضت كثير من الشعوب هذا النموذج من الحرب لتحقيق استقلالها الوطنيّ ومطالبها المحقّة، وتعتمد في الأساس على الدعم الشعبيّ لها والحاضنة الاجتماعيّة، ويعد الالتفاف الشعبيّ حول المجموعات المسلحة أحد أهمَّ ركائز قوة الحربِ الشعبيّة، فهي تستمدُّ أسباب استمرارها من المجتمع مباشرةً، باعتبارها جزءاً منه وتتبنى أهدافه وتطالب بحقوقه، وتدافع عن وجوده، وهي حربٌ مفتوحة لا تُحدد بمدةٍ أو مكانٍ محدد.
حربُ الشعبِ الثوريّة ميراثٌ عالميّ
الحديث عن حرب الشعب الثوريّة ليست اجتراحاً لمصطلحٍ أو تنظيراً، وفي مراجعة عامة لتاريخ شعوب العالم نجدُ أنّ كثيراً منها قد خاض هذا النموذج من الحرب، والواقع أنّ تسميتها بالحرب اصطلاحيّ لدرجة كبيرة فهي حقيقتها حالة المقاومة التي تبديها الشعوب ضد المحتلين والمستبدين، وهناك المزيد من التجارب على حرب الشعب الثوريّة في الصين وفيتنام المغرب والجزائر وفلسطين وكوبا والبيرو وحركة التحرر الكردستانيّة.
شكّلتِ الحربُ الشعبيّة الصينيّة، ضد الاحتلال اليابانيّ 1939عنصراً مهماً في النضال العالميّ ضد النازية والفاشية، فبعدما احتلت اليابان شمال الصين كله، قامت حربٌ على مدى ست سنوات، وانتصرت الصين، وراح ضحيتها 85 مليون شخص، وقاد الحرب الشعبيّة الصينيّة، (ماو تسي تونغ) الذي وضع أسسها، وقواعدها، كما اتخذها وسيلةً، للانتقالِ إلى الشيوعيّةِ، والاشتراكيةِ، وقد اتخذها الموالون لفكره أساساً لهم، وتمَّ تطبيقها في باقي الثوراتِ الاشتراكيّة، وقال تونغ: “الحربُ الثوريّةُ هي العِقار المضادُّ للسمومِ الذي لا يخلّصنا فقط من سموم الأعداء، وإنّما يطهرنا أيضاً من قذاراتنا الخاصة”. وقصد بذلك كلَّ أنماط الفسادِ والاستبداد.
الحرب الشعبيّة الفيتناميّة، جاءت على عدة مراحل، فكانت ضدَّ اليابان عام 1945، ولكن هزيمتها في الحربِ العالميّةِ الثانية كان عاملاً مهماً في إنهاءِ الاحتلال، ومن بعدها ضد الاحتلال الفرنسيّ (1946 ــ 1954)، فقد أرادت فرنسا تعويض خسارتها بالحرب واستعادة مستعمراتها القديمة، ومن ثم ضد الولايات المتحدة، بين عامي 1955-1975 ويُشار إليها بأنها حربُ توحيد فيتنام والتي توجت بالنهاية بدخول ثوار الشمال سايغون عاصمة الجنوب في 30/4/1975، وخاض الفيتناميون حرباً شعبيّة ثوريّة شارك فيها العمال والفلاحون في معظم القرى، والأرياف، واستخدم المقاومون تكتيكات جديدة ضد قوات العدو، وذلك بحفر الأنفاق تحت الأرض، التي تجاوز طولها 200كم، وقاموا بحفر الأنفاق تحت كلّ قرية ومدينة، وربطها مع بعضها، والتف الشعب الفيتناميّ مع المقاومة الشعبيّة، عبر المظاهرات والاعتصامات، لإيصال صوت الشعب الفيتناميّ، وقضيته للعالم، والحصول على التأييد، والتضامن العالميّ مع قضيتهم العادلة، ولقد شاركتِ المرأة الفيتناميّة بشكلٍ فعّال في الثورةِ، وانضمت أكثر من 30 ألف امرأة إلى وحدات المقاومة وقدّم الفيتناميون مليوني قرباناً في سبيل حريته واستقلاله.
خاض الشعب الفلسطينيّ نموذج الحرب الشعبية الثوريّة قبل إعلان قيام إسرائيل في 15/5/ 1948، واستهدف القوات البريطانيّة والمجموعات المسلحة اليهوديّة، وتفجرت سلسلة من الثورات والانتفاضات بدءاً من عام 1920 وحتى الثورة الفلسطينيّة الكبرى (1936ــ1939)، واستمرت ما بعد إعلان إسرائيل بعدة انتفاضات وثورات شعبيّة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وأبرزها انتفاضة الحجارة 1987، التي انضم إليها الشعب الفلسطينيّ عامةً، بصغاره، وكباره، وحتى النساء، فكانت حرباً شعبيّة ثوريّة بامتياز، وانتهت في 13/9/1993، بتوقيع أوسلو والتفافِ السلطة الفلسطينيّة عليها، وتوقيع اتفاق السلام مع إسرائيل، ثم تبعها اتفاق وادي عربة في 26/10/1994، الذي انضمت إليه الأردن برعاية أمريكيّة.
الثورة السوريّة الكبرى التي انطلقت في 21/7/1925، ضد الاحتلال الفرنسيّ، جاءت رداً على سياساتِ الاستعمار الفرنسيّ، ومحاولتها إثارة النزعات الطائفية، وفرضِ الثقافة الفرنسيّة، وشملت كل المناطق السوريّة وشاركت فيها مكونات الشعب السوريّ كله من الدروز، والمسيحيين، والكرد، والعرب، والتفت مختلف مكونات الشعب حول الزعامات الوطنيّة، والمقاومة، ودعمتهم بالتبرعات، وتقديم السلاح، وتطوع الشباب ضمن فصائل المقاومة السوريّة، التي كانت تحارب الاحتلال الفرنسيّ، بأسلوب يشبه حرب العصابات، يعتمد على الكر، والفر، ولا تتمركز في موقعٍ واحد.
الحرب الشعبيّة في كردستان، لقد اتخذ الشعب الكردستانيّ خيار حرب الشعب الثوريّة، أساساً له معتمداً على فكر القائد عبد الله أوجلان، وفلسفته، حيث أنّ هذه الحرب بدأت، مع تأسيس حزب العمال الكردستانيّ، بالاعتماد على المكوناتِ كافة من الشعبِ، وفئاتهم المختلفة، والتي عدّت تحرير المجتمع يبدأ من تحرير المرأة، وتعزيز دورها في المجتمع، وكانتِ الأساس للإنجازات، والمكتسبات التي تحققت في روج آفا.
أنقرة تمارسُ حرباً وجوديّة
لا تقتصر الأدوات التي يستخدمها الاحتلال التركيّ، ضد مناطق شمال شرق سوريا، على الجانب العسكريّ فقط، بل تتعدد الوسائل والأساليب والميادين لتكون اقتصادية، وسياسيّة، إلى جانب استخدام أدواته من المرتزقة السوريين، أداةً مباشرةً في الحربِ، وهذا ما يفترض أن تكون ردود الفعل على حرب النظام التركيّ المعلنة منها، وغير المعلنة متناسبة في تكتيكاتها، وأساليب الرد والمواجهة، يما يتلاءم مع الظروف المحيطة، والعامل الأهم لنجاح حرب الشعب الثوريّة، هو حشد الجماهير الشعبيّة، وتوعيتها، وتثقيفها بحقوقها، وأهمية دورها في المواجهة مع العدو، وتدريب الجماهير على استخدام كافة الأسلحة المعتادة، لتكون خير رديف، وعون مع المقاومة المسلحة في حربها الثوريّة.
يستخدم الاحتلال التركيّ سلاح المياه ضد المنطقة لتعطيشها وتجويعها، وذلك عبر قطع مياه نهر الفرات عن شمال وشرق سوريا، وتخفيض حصتها من المياه إلى نسبة 60%؛ ما أدّى إلى شبه جفاف لمياه نهر الفرات، وأضرارٍ كبيرةٍ لحقت بالفلاحين والمحاصيل الزراعية، وتعطيش السكان في المدن والقرى التي تعتمد بشكلٍ أساسيّ على مياه النهر في تأمين مياه الشرب، كما أدى نقص المردود المائيّ إلى انتشار بعض الاْمراض والاْوبئة مثل مرض الكوليرا، نتيجة سوء نوعيّة المياه وتلوثها.
كما استخدمت تركيا المرتزقة السوريين كأداة في اعتداءاتها وعملياتها العسكريّة الاحتلاليّة في مناطق شمال وشرق سوريا، إضافة لاستخدام مرتزقة داعش، وتقديم الدعم اللوجستيّ، والاستخباراتي لهم، وتأمين ملاذات آمنة لهم في مناطق سيطرتها، ومعالجتهم في المشافي التركيّة، وكلُّ ذلك لزعزعة استقرار المنطقة، وخلق حالة عدم استقرار في المنطقة. ومعلومٌ أن العدوان التركيّ والاحتلال أديا إلى تهجير السكان الكرد الأصليين في مناطق عفرين، وجرابلس، وكري سبي، واغتصاب الأراضي، وإقامة المستوطنات، والتغيير الديمغرافيّ عير توطين اللاجئين السوريين، والفلسطينيين، وعوائل المرتزقة السوريين، ضمن الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا، بتمويل من الجمعيات الخيريّة القطريّة، والكويتيّة، وبعض الجمعيات الفلسطينيّة.
تمارسُ تركيا، وعملاؤها سياسة إعلاميّة تهدف تشويه صورة الإدارة الذاتيّة، ومنجزاتها التي حققتها، والترويج للشائعات، والأخبار الكاذبة، والتهويل من سوء الأوضاع الاقتصاديّة، والمعيشية، والأمنيّة، وذلك للتأثير في الحالة المعنويّة والنفسيّة للحاضنة الشعبيّة للإدارة الذاتيّة، وتشجيع الشباب على الهجرة إلى أوروبا، وإفراغِ المنطقة من الفئة الشابة، التي يعوّل عليها بالنهوض بالمنطقة والدفاع عنها.
عندما تواجه الشعوب مخاطر وجوديّة جديّة فلا سبيلَ لها إلا أن تخوضَ نموذجَ حربَ الشعب الثوريّة، والحربُ التي تقومُ بها الحكومةُ التركيّة على شمال وشرق سوريا، تستهدفُ الوجود وكلّ مظاهر الحياة وأسبابها، ما يتطلب تصعيد المقاومة في مختلف الميادين، ودرجة عالية من الوعي والتكاتف، فالمقاومة تبدأ من وعي الخطر.
استراتيجية مقاومة العدو
إنَّ ظروف الحرب الشعبيّة الثوريّة، وأهدافها، والمواجهة، تختلف تبعاً لطبيعة المجتمع، ولظروفه وللعدو أيضاً، ولأدواته التي يستخدمها لضرب إرادة الشعب ولهزيمته، فكلُّ شعبٍ له طبيعته وظروفه الخاصة، التي تتطلب ردوداً معينة، وتختلفُ من مكانٍ لآخر، كما يختلفُ الواقع، فما يصحُّ في مكان ما، لا يمكن تطبيقه في مكانٍ آخر، لأن الأمور ليست بهذه السهولة، والثورات ليست قوالب جاهزة يمكنُ استنساخها، ونقلها كما هي وتطبيقها في مكان آخر.
ونظراً لفاعلية تكتيكات الحرب الشعبيّة، والمقاومة، نرى معظم جيوش العالم، بدأت تتجه لتعلم وتطبيق تكتيكات حربِ الشوارع، وحرب العصابات، مثلما لاحظنا مؤخراً استخدام الجيشِ السوريّ، لتكتيكات حرب الشوارع في المدن، والقرى ضد الفصائل المعارضة، لأنها بالأغلب كانت تتم، ضمن مناطق سكنية تكون حاضنة شعبيّة لتلك الفصائل، فسعى حكومة دمشق إلى اختراق تلك الحاضنة، عبر استخدام وسائل الحرب النفسية، والاقتصادية، والترغيب، والترهيب، لتأليب الحاضنة الشعبيّة على فصائل المعارضة، وبالتالي يسهل هزيمتها.
من المهم جداً معرفة العدو وأساليب حربه، لتحديد أساليب المقاومة المناسبة والناجعة، واليوم تقوم أنقرة بحربٍ متعددة الميادين والأساليب على شمال وشرق سوريا، ولا تقتصر عل أسلوب على الحرب التقليديّة، بل تجمع ما بين الاجتياح البريّ والقصف الدفعي والجويّ بالمُسيّرات وخلايا الإرهاب والعملاء وكل أنماط الحرب الخاصة تستهدف بها المجتمع.
بالمقابل فإنّ المقاومة تبدأ من تعزيز عوامل المناعة في المجتمع، وتأكيد البعد المجتمعيّ للمقاومة ولكل معنيٌ بها، وأنّ ساحاتها متعددة وتشملُ مجمل النشاط المجتمعيّ والثقافيّ والتعليميّ وأسلوب إدارة الاقتصاد والإمكانات الماديّة لمواجهة نقص ضروريات الحياة ومنع الاحتكار، ويأخذ الإعلام موقعاً بارزاً في المقاومة لمواجهة الإعلام الأسود وحرب الشائعات لإثارةِ النعراتِ الطائفية والفتنةِ في المجتمع، لينقل الحقيقة ويزيح موجات التضليل والتزييف.
وإذا كان نجاحُ المؤسساتِ في إدارةِ المجتمعِ وتقديم الخدماتِ تجسيداً مباشراً للمقاومة العمليّة، فإنّ كلَّ تقصيرِ في عملِ هذه المؤسسات هو ثغرة يمكن اختراقها.
المقاومة ثقافة مجتمعيّة
من نافل القول أنّ أيّ عملٍ تسبقه فكرة، ويتناسب نجاح العمل مع وضوح الفكرة وترسخها، والمقاومة عملٌ لا يمكن نجاحه إلا بالإيمان بعدالة القضية ومشروعيّة الحقوق، ولعل المجتمعات تنقسم بنسب متفاوتة عندما تواجه الأخطار، وقد يظهر دعاة تيار الاستسلام والقبول بأمر الواقع، ويبررون ذلك بالواقعيّة وضعفِ الإمكاناتِ المتاحةِ وخطورة الظروفِ والرفض الدوليّ، أو لعلهم يروّجون لفكرة الإرجاء حتى تحين الشروط الملائمة، رغم أنّ ذلك ينطوي على خطر أكبر هو منح الاحتلال والاستبداد والفساد فرصة ليترسّخ ويقيم ركائزه ليكون أقوى.
الواقع أنّ المقاومةَ تنطلق في أساسها على الرفض وإرادة التغييرِ، وفي تجارب كلّ الشعوب التي خاضت نموذجها في الحرب الشعبيّة لم تكن الشروط مثاليّة أبداً، وكان نموذج مسيرة الملح أو عصيان الملح في الهند في 12/3/1930 استثناءً، إذ قاد المهاتما غاندي احتجاجاً سلميّاً ضد إجراءات الاحتلال البريطانيّ والاحتكار المطلق للملح، وقد تبنّى غاندي في الاحتجاجِ مبدأ اللا عنف “الساتياغراها”، ومعناها قوة الحقيقة، واعتمد ثورة غير مسلحة قوامها العصيان المدنيّ والاحتجاج، ونالتِ الهندُ استقلالها في 15/8/1947.
الحقيقة هي جوهر المقاومة، والوجود الإنسانيّ أسمى تجلياتِ الحقيقة وأقدسها بالنسبة للأفراد والمجتمعات، ولا يُستكمل الوجود إلا بتحررِ المجتمعاتِ من كلِّ أنواع الاحتلال والسيطرة والوصاية، والحفاظِ على الخصوصيّة الثقافيّة، وصيانة السيادة الوطنيّة ضد التدخّلات الخارجيّة، وتنقيةِ المؤسساتِ من الفساد، وهذا ما يتطلب تعزيز مبدأ المقاومة، وتهيئة المجتمع، وتمكينه ليقوم بالدفاع عن حقوقه.
ولا تقتصرُ المقاومةُ، على الجوانبِ العسكريّةِ فقط، بل من المهمِ جداً أن تتحولَ إلى ثقافةٍ مجتمعيّةٍ، وتتخذ الوسائل كافة في مقاومتها للعدو، وهي ردُّ فعلِ المجتمعِ، ضد الاحتلالِ، والاضطهاد الممارس عليه من جهة خارجة دخيلة عليه، وهي ردُّ فعلٍ مشروع، على فعل غير مشروع، من احتلال وفرض إرادة جهة خارجيّة، وتنبعُ من إرادة وقرار المجتمع الذاتيّ، بأحقيته بالمقاومة ومجابهة العدو، ولا يمكن للمقاومةِ أن تخرج إلى حيز الوجود بفعل أو توجيه خارجيّ، بل هي مقاومة ذاتية تعتمد على القدرات، والإمكانات الذاتية المتواضعة، والمقاومة في جوهرها هي الدفاعِ عن الوجودِ وصيانته من أيّ خطرٍ واستعادةِ الحقوق المكتسبةِ فطريّاً، ولذلك تكتسب الشرعيّة التلقائيّة، وأما وصمُ حركات بالإرهابِ فيأتي في سياق سياسات العدوانِ والاستبدادِ وإنكار الحقوقِ.