سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الشرق مصدر القوانين وبدايات التدوين

إعداد/ مثنى المحمود


دائما ما كان الشرق مصدراً للكثير من الحضارات التي سنت السنن، وشكلت الشرائع والقوانين التي سار عليها العالم القديم، الذي وجب معرفة بداية تدوين القانون.

قد يسأل الإنسان نفسه عن سبل الحياة في العصور القديمة، وعن طريقة تسيير الأمور لديهم، مثلا قد يخطر في البال سؤال مثل أين وجد أقدم تدوين للقانون؟ هنا تجيب الوثائق القانونية في ممالك سورية القديمة، والآثار المادية القانونية والأختام المنقوشة، والكرات الطينية المختومة، من هنا نتحصل على نبذة عن أقدم قوانين العالم، وأيضا قوانين مجتمع مصر القديمة، ومحاكمة “ماعت”، كما هناك قانون “أور نمو” أقدم القوانين في بلاد الرافدين.

التدوين الأول

على الرغم من اكتشاف الآلاف من الألواح المسمارية في مواقع عديدة من الشرق القديم، لم يعثر حتى الآن على مدونة قانونية، على غرار المدونات القانونية المكتشفة في بلاد ما بين النهرين (مدونات أور نمو، وليبت عشتار، وحمورابي)، وينطبق ذلك على الأرشيفات السورية القديمة، كأرشيفات (ممالك ماري وأوغاريت) أو غيرها من الأرشيفات التي تحتوي على مجموعات خاصة أو قليلة من القوانين، ويذكر أنه قد تم اكتشاف أقدم مدونة في العالم في الأرشيف الملكي الإيبلائي، والتي تعود إلى ما يقرب من عام 2400 ق.م.

 احتوت المدونة على حالات وتطبيقات من قانون الدعوى أو السوابق القضائية، بالإضافة لوجود قواعد قانونية تسجل القانون العام في المملكة، وذكرت البعثة الأثرية الإيطالية وعلى رأسها باولو ماتييه، أن أهم ما وجد في أرشيف إيبلا هي النصوص التاريخية والنصوص القانونية، حيث يوجد في الأرشيف بعض المعاهدات الدولية، وعقود البيع والشراء.

سورية القديمة مملكة العدل

تعددت الآثار المادية القانونية المكتشفة في سوريا القديمة، لأنها كانت موضع أقدم تدوين للقانون في التاريخ المكتوب، ومن الجدير بالذكر، أنه قد تم نشر أقدم لوح مسماري قانوني سوري في عام1897م، كما تدل الوثائق على أن أقدم دليل على وجود مدارس للقانون قد عثر عليه في إيبلا من الألف الثالث ق.م، حيث سمح للنساء أيضاً بالدخول إلى هذه المدارس، وكانت العدالة محط اهتمام الحاكم والمحكومين على حد سواء،  وقد ورد في أحد رسائل مملكة ماري الموجهة لملكها، أن الحكم السعيد يشتمل على أيام العدل والمساواة، وكان ابتعاد الملك عن العدل كافياً لخلعه في مملكة أوغاريت.

الشرق أصل الختم وكرة الطين

يعد استخدام الأختام في الشرق القديم عميق الجذور، فقد استخدم الناس الأختام المسطحة في البداية، ثم انتقلوا إلى استخدام الأختام الأسطوانية في النصف الثاني من الألف الرابع قبل الميلاد،  وقد أدى الختم الغايات التي صنع من أجلها على مر الزمن وهي: تمييز الملكية الشخصية، والتعريف بالفرد أو المؤسسة، ختم الوثائق، أو البضائع لضمان عدم العبث بها، ختم الاتفاقات بين الأفراد والمعاهدات بين الدول للتأكيد على شرعيتها، فكان استخدام الختم في هذا المجال بمثابة التوقيع، شهدت تلك الحقبة تواجد الكرات الطينية المختومة التي اختلفت عن الأختام حيث كانت الكرات الطينية، قطع صغيرة من الطين استخدمت كأختام للسلال، والأواني، والأوعية، والجرار الفخارية، حيث يضغط مالك الآنية، أو الوعاء، بختمه على الطين الطري، وبذلك يحمي ملكيته المودعة في المخزن من السرقة، ويمكن اعتبار الكرات الطينية المختومة من أقدم الآثار المادية القانونية المكتشفة، فقد عثر على مئات من الكرات الطينية المختومة، التي يعود تاريخها إلى أواخر الألف السابع قبل الميلاد (حوالي 6100ق.م)، وتدل هذه الكرات على نظام متطور وقديم للإدارة.

قوانين وصايا للعالم الآخر في مصر

تشير المخطوطات لدى قدماء المصريين، على مدى أهمية النظام والقواعد الاجتماعية، والقيم الأخلاقية العليا، ابتداء من قوى الطبيعة، وحتى الشعائر، التي على البشر أن يقيموها من أجل الآلهة، وإن أراد الملك حقاً أن يحافظ على التوازن، وهنا يكمن جوهر عمله، يجعل الناس أن يعملوا بمقتضاها، وأن يجعلهم يحترمونها، وتتضمن قوانين “ماعت” التي يعود تاريخها لحوالي 2500 قبل الميلاد على 42 قانوناً أشبه بالوصايا، يحاكم المتوفى بتلك الوصايا في محكمة العالم الآخر عما اقترفه من أعمال في حياته السابقة، القوانين تشير إلى الضوابط الأخلاقية، واحترام الغير، والرشوة والسرقة، وتعدّ نموذجاً لمحكمة مدنية لتحقيق الانضباط، والعدل في المجتمع.

“أور نمو” أقدم القوانين في بلاد الرافدين

كان الملك السومري، أور نمو مؤسس أول شريعة قانونية في التاريخ، التي سبقت شريعة الملك البابلي حمورابي (2050-2100 ق.م)، لقد أدرك أور قوة المعتقدات الدينية في التأثير على السلوك الشخصي؛ ولذا قدم قوانينه على أنها واردة من الآلهة، وقد تضمنت 57 قانوناً كتبت على ألواح من الطين، وتم اكتشاف العديد منها.

 وتمكن العلماء من إعادة صياغة وترجمة هذه القوانين، وكانت بدايتها بإقامة العدل والقضاء على الفساد، كما تضمنت أيضاً المسائل الاجتماعية والجنائية، كالطلاق، والقتل، والاغتصاب، وفرض العقوبات والغرامات حسب كل جريمة، وما يترافق معها من عقاب.

والغريب هو أننا من أنتج وسن القوانين قديما، والأكثر غرابة أننا نعيش اليوم فوضى تجتاح مجتمعاتنا، على الأصعدة كلها فهل نحن أحفاد هؤلاء المشرعين.