سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

رجلٌ يمتهن التصفيق

حسن بولهويشات/ المغرب


حدثَ ذات مساءٍ، أن رجلا كريما استضاف سكّان المدينة في بيته الواقع على سفح الجبل في الضاحية، وأقام مأدبة كبيرة على شرفهم، فأكلوا وشربوا في جوٍّ من المرح وصفاء السريرة، فيما انخرط بعضهم في حوارات ثنائية وثلاثية من أجل جبر الخواطر، أو ما شابه ذلك، ولوحظ أنّ شهيتهم للكلام ازدادت مع فناجين القهوة، خصوصا أنّ الوقتَ كان ربيعا والأزهار تفتّحت، فنشرت عطرها الفصيح في الأنحاء.

وقد انتهز رجل مسنٌّ الفرصة، وكان معروفا بالفكاهة وخفة الدم، وطلب منهم أن يرفعوا الحوارات الجانبية، كي يأخذ الجميع حصّته من الكلام، شرط أن يعبّر كل واحدٍ من الضيوف عن أمنيته في هذه الحياة، وقد أيّدوا الفكرة بالتصفيق، واستحسنها أحدهم قائلا: نعم… أكلنا جميعا، نتكلم جميعا، وهكذا نظموا جلستهم وباحوا بما يلي:

الطبيب: أريد مزيدا من المرضى والمعطوبين.

سائق سيارة الإسعاف: أريد مزيدا من حوادث السير والقتلى.

تاجر الأسلحة: أريد مزيدا من الحروب والمعارك الخاسرة.

مهرّب البشر: أريد مزيدا من اللاجئين والحدود المغلقة.

المتسوّل: أريد مزيدا من الأسمال وعتبات البيوت والمعابد.

رجلٌ فضولي: أريدُ مزيدا من الإشاعات والأخبار الكاذبة.

تاجر في السّوق السوداء: أريد مزيدا من الأزمات وغلاء الأسعار.

التلميذ: أريد موت الأستاذ أو سقوط طائرة فوق مبنى المدرسة.

عجوز تتكئ على عكّاز: أريد عشاقي القدامى وليالي الأنس الطويلة.

صاحب الحانة: أريد مزيدا من المحبطين والمتخلّى عنهم.

الإسكافي: أريد مزيدا من المسامير والأحذية المثقوبة.

البنّاء: مزيدا من الورش والبيوت الخربة.

بائعة الحب: مزيدا من الليل والمضطهدين عاطفيا.

بائع المبردات: مزيدا من الأصياف والأيام الحارقة.

بائع المعاطف: مزيدا من البرد والثلوج الهاطلة.

الزبال: مزيدا من الأرصفة والقمامة.

رجل يمتهن التصفيق: مزيدا من المؤتمرات الحزبية والنقابية والحفلات المدرسية.

فتاة تبيع الورد قرب المقبرة: مزيدا من الموتى والجنائز العظيمة.

الإطفائيّ: مزيدا من الحرائق والأدخنة.

السجّان: مزيدا من السّجناء والأحكام الجائرة.

السّجين: أريد موت الحاكم وفتح السجون.

المناضل اليساري: مزيدا من الثورات والكتب الممنوعة.

الصحافي: مزيدا من التعب والفضائح الباهظة.

الشّاعر: مزيدا من الحزن والاستعارات المفخخة.

وما كاد الدور يأتي إلى صاحب البيت حتى هبّت عاصفة رعدية مصحوبة بالأمطار الغزيرة، فتدفقت السيول من الأعلى جارفة في طريقها الأحجار، وجذوع الأشجار اليابسة والدواب، وفيما بعد بيوت الطين، بما في ذلك بيت الرجل الكريم وضيوفه، وهكذا انساق الجميع مع المياه في مشهدٍ حزين، فيما ظلت الرغبات والأمنيات تتردد في السفح.