سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ما الذي تسعى القوات الأمريكيّة لتحقيقه في سوريا؟

لا ترتقي عملياتُ الاستهدافِ المتبادلةِ بين القواتِ الأمريكيّة والإيرانيّة في ريفِ ديرالزور والتنف إلى مستوى الحربِ، بل هي مناوشاتٌ تعكسُ حجمَ التناقضاتِ العميقة بين سياسةِ الطرفين، وفيما تسعى طهران لتعزيزِ وجودها العسكريّ بالمنطقةِ، يشككُ مسؤولون أمريكيون ومراقبون بوجود خطةٍ أمريكيّة واضحة المعالم في سوريا في حجمها وسقفها الزمنيّ، وهو وجودٌ استهدف بشكلٍ أساسيّ إرهابَ “داعش”، ولكنه أدنى من أن يدخلَ في صراعٍ مباشر مع إيران على الأراضي السوريّة، وهناك حرصٍ على عدم تفجيرِ الوضعِ، إلا أنّه يهدف إلى المحافظة على شكلٍ من التوازن السياسيّ حتى إشعارٍ آخر.

قصفٌ بهدف المضايقة

 جددتِ الهجماتُ الأمريكيّةُ الأخيرةُ على المقاتلين المتحالفين مع إيران في سوريا التركيزَ على القواتِ الأمريكيّة هناك. يقول البعض إنهم (الأمريكيّون) لا يفعلون ما يكفي، وإن السياسةَ الأمريكيّة في سوريا غامضةٌ للغاية، فيما يتساءل آخرون عن سببِ وجود الولايات المتحدةِ على الإطلاق.

بعد قصف الولايات المتحدة المقاتلين المتحالفين مع إيران في سوريا الأسبوع الماضي، طُرح السؤال القديم نفسه مرة أخرى “ماذا نفعل في سوريا؟”، وكان هذا التساؤل أحد العناوين الرئيسية بعد القصف.

نشر السياسيّ الأمريكيّ كريس مورفي، الذي يرأس اللجنة الفرعيّة للعلاقات الخارجيّة التابعة للحكومة الأمريكيّة، بياناً يشكك فيه بـ”الحكمة من انتشار هذا العدد الكبير من الأمريكيّين في جميع أنحاء المنطقة”.

وتقول المحللة السورية البارزة في معهد “مجموعة الأزمات” دارين خليفة لموقع DW  ــ دويتشه فيليه: “يُطرح هذا السؤال كلما تعرضتِ القواتُ الأمريكيّة إلى هجومٍ. الأمر الذي يثيرُ السؤال دائماً: لماذا هم هناك؟”.

في رسالةٍ مؤرخة في 25 أغسطس/آب إلى الكونغرس الأمريكيّ، أوضح الرئيس الأمريكيّ جو بايدن إعطائه الأوامر بتنفيذ الضرباتِ الانتقاميّة قائلاً: “من أجل الدفاعِ عن سلامةِ موظفينا، ولإضعافِ وتعطيلِ سلسلةِ الهجماتِ المستمرةِ ضد الولايات المتحدة وشركائنا، وردعِ المزيدِ من الهجمات”.

وفي وقت سابق من شهر أغسطس/آب، تعرضت قاعدة أمريكيّة في التنف بسوريا، بالقرب من نقطة التقاء الحدود بين سوريا والأردن والعراق، إلى هجومٍ عبر طائرات من دون طيار. كما استهدفت الصواريخ قواعد أمريكيّة أخرى، مثل “غرين فيليج/ القرية الخضراء” و”كونيكو” في محافظة دير الزور، لكن من دون إصابات.. ووصف متحدثٌ رسميّ الاعتداءاتِ في الغالب بأنّ “هدفها المضايقة”.

وقتلت الغارات الأمريكيّة الانتقاميّة في أواخر أغسطس/آب أربعة مقاتلين على الأقل، كما دمّرت آليات وقاذفات صواريخ ومخازن، في وقت تنفي إيران أيّ علاقة لها بالجماعات أو الأهداف التي هاجمتها الولايات المتحدة.

سياسة غامضة

 تتمركز القوات الأمريكيّة في سوريا منذ عام 2015، واليوم لا يزال هناك نحو 900 جندي منتشرين في المنطقة المعروفة باسم «منطقة شرق سوريا الأمنيّة». وكذلك، يوجد نحو 2500 جندي في العراق كجزء من عملية “العزم الصلب” التي شنها التحالف الدوليّ لهزيمة “داعش”.

ولكن بالنظر إلى تدهور قدرات داعش بشكلٍ كبير، فإن بعض الأمريكيّين يشككون في سياسة بلادهم في سوريا. ويقول المنتقدون إنه بينما كان للتحركات الأمريكيّة الأخيرة في شمال شرق سوريا هدفاً واضحاً، فإن السياسة الخارجيّة بشأن سوريا بشكلٍ عام تعد أقل تركيزاً بكثير.

وقال مساعد وزيرة الخارجية الأمريكيّ السابق لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان، في مقال نُشر في يناير/كانون الثاني 2021: “باستثناء مواجهة تهديد داعش في شمال شرق سوريا، فشلت السياسة الأمريكيّة منذ عام 2011 في تحقيق نتائج إيجابية”.

وكتب الزميل السابق في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، التابع للمجلس الأطلسيّ، عبد الرحمن المصري: “لم يكن هناك حقاً سياسة قائمة بذاتها ومتسقة تجاه سوريا من قبل إدارة أمريكيّة منذ بداية الصراع في 2011. الولايات المتحدة لا تعرف ما تريده في سوريا وليس لديها (استراتيجية) متماسكة للمرحلة النهائيّة. يدرك الأصدقاء والأعداء ذلك”.

ما الذي تريده؟

 طلبت الحكومة الأمريكيّة العام الماضي مراجعة للسياسة تجاه سوريا. بعد الانتهاء من ذلك في أواخر عام 2021، تم تحديد أربع أولويات تتعلق بوجودِ القوات الأمريكيّة في سوريا.

أولها: محاربة داعش، بما يشمله من المساعدة في تدريب وتسليح المقاتلين الكرد السوريين، المعروفين باسم قوات سوريا الديمقراطيّة أو «قسد»، الذين قاتلوا التنظيم ويسيطرون الآن على هذا الجزء من سوريا. تنبّهت الولايات المتحدة على الدوام من أن الميليشيات التي تدعمها هدفها قتال داعش فحسب، ما لم تتصرف دفاعاً عن النفس.

وتشمل الأولويات الأمريكيّة الأخرى في سوريا: دعم وقف إطلاق النار المحليّ، تحقيق الاستقرار في المنطقة والمساعدة في وصول المساعدات الإنسانيّة، فضلاً عن “الضغط من أجل المساءلة واحترام القانون الدوليّ، مع تعزيز حقوق الإنسان”.

ويُفترض أن يساعد كل ذلك في تحقيق حل سياسيّ للأزمة السوريّة المستمرة، على النحو المنصوص عليه في القرار 2254، الذي وافق عليه مجلس الأمن الدوليّ عام 2015.

لا تذهب بعيداً بما يكفي

 ولكن، كما اشتكى المحللون الذين راجعوا أهداف السياسة الجديدة فيما بعد، لا تزال السياسة الأمريكيّة في سوريا “خجولة وتفتقد للحماسة”.

وأكد سفير واشنطن السابق لدى دمشق روبرت فورد في مقالة نشرها في صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية في مايو/أيار هذا العام أن الولايات المتحدة “لا تريد حرباً كبيرة في سوريا”. وأضاف: “لم يحددوا بعد مصلحة استراتيجية في سوريا تبرر حرباً كبرى هناك”.

وفي مقال رأي نُشر في موقع معهد “المجلس الأطلسي” في يناير/كانون الثاني 20222، أعرب الباحث السوري عبد الرحمن المصري عن قلقه من أن أهداف السياسة الجديدة تعكس في الواقع مزيداً من عدم الاهتمام ويمكن أن تشير إلى انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة.

دور مهم غير معلن

 وتقول دارين خليفة إنه على الرغم من كل هذا، تلعب الولايات المتحدة دوراً مهماً في تحقيق الاستقرار في شمال شرق سوريا.

وتضيف «أعتقد أن الكثير من الناس يقللون من شأن ذلك. إن واشنطن تُبقي داعش تحت السيطرة وتمنع نشوب نزاع مفتوح». وبهذا، تعني دارين أن مجرد وجود القوات الأمريكيّة في المنطقة يمنع القوات التركية من التقدم ومحاربة القوات الكردية التي تُعتبر كذلك حليفة الأمريكيّين، فضلاً عن منع تقدم الروس والإيرانيين والنظام السوري نفسه.

وبيّنت دارين “هم يحافظون على توازنٍ قوى يحمي ملايين السوريين في هذه المنطقةِ. وهناك عواقب لوجودهم وهي في الغالب إيجابيّة، بكلِّ صدقٍ. لكن الكثير من صانعي السياسة لا يفضّلون التحدثَ عن هذا الأمر، لأنّ تفويضهم مُنح فقط لمحاربة داعش، لا حماية المدنيين”.

الكثير من عدم اليقين

 في الوقت نفسه، تتفق دارين مع وجهة نظر منتقدي الوجود الأمريكيّ في سوريا بشأن الإخفاقات في الاستراتيجية.

وقالت: “على سبيل المثال، لا نعرف كم من الوقت يريدون أن يبقوا هناك. لا نعرف لم لا يحاولون حل بعض المشاكل الجوهرية في المنطقة خلال تواجدهم، التي من شأنها أن تظهر مرة أخرى حال مغادرتهم”.

وأحد الأمثلة على هذه المشاكل، تزايد احتمال قيام تركيا بشن المزيد من الهجمات ضد قوات سوريا الديمقراطية، وأشارت خليفة إلى أن “تفاقمت هذه التوترات جرّاء دعم الولايات المتحدة قوات سوريا الديمقراطية. هذه مشكلة لن تختفي من تلقاء نفسها”.

وأشار خبراء آخرون إلى أن قوات سوريا الديمقراطية التي تواجه اللايقين، ولا تعرف إلى متى سيبقى حلفاؤها الأمريكيّون، قد تلجأ بشكل متزايد إلى روسيا لضمان مستقبلها. فالجيش الروسيّ موجود أيضاً في سوريا ويدعم رئيس النظام بشار الأسد.

وتابعت دارين أن هذا مجرد مثال واحد على قضية لم توضح الولايات المتحدة موقفها بشأنها، لافتةً إلى أن واشنطن «لا تلعب حقاً دور وساطة مهم بشأن هذا الأمر، ناهيك عن القضايا الكبرى في سوريا».

وتبدي شكوكها من أن السياسيين الأمريكيّين وجدوا أنه من الأسهل عدم معالجة هذه الأسئلة الصعبة المتعلقة بالسياسة الخارجية وفضّلوا ترحيلها “لكي تصبح مشكلة شخص آخر”.

وتوضح: “في الأساس، لا يتعلق الأمر بما إذا كان على الولايات المتحدة البقاء أو المغادرة. بل يتعلق بكيفية استغلال الأمريكيّين وجودهم على أفضل وجه والمساعدة في إيجاد حل وسط مقبول لجميع الأطراف المعنية”. واختتمت دارين قائلةً: “لن يكون الجميع سعداء. ولكن يجب أن يكون كل طرف راضياً بما يكفي لعدم تفجير الأمور”.

وكالات