سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

سمر دريعي رحلة اللون من العتمة إلى الضوء ـ2ـ

أطلقت على نفسها، أنها ابنة الشمس، في إشارة عميقة لارتباطها بأرضها ووطنها كردستان، فألوان لوحاتها تعكس بجلاء تنوع وروعة الأرض، في ربيع كردستاني خلاّب، حيث المطر يداعب التراب، فتعلو شهقات الزيزفون، والشمس تناغي الدروب، فيهفو على جوانبها الغبار، والصفصاف، وسهوب مشرقة بقوس قزح.
منحت هذه التيمة اللونية لأثواب، ولأزياء النساء الكرديات المترعات بالعشق، تنازعهن انفعالات متنوعة، حيث الطبيعة عمق المرأة والشمس دفق الحياة، يظهر ذلك جليا في لوحاتها كلها.
لوحاتها اعتمدت حالة انفعالية، حيث خيوط كثيرة من الأزهار، تغزل التفاصيل، تتمازج، وتتشابك، تمنح الناظر غموضا ورهبة، ودهشة لون لا تمحوها العتمة.
سرعان ما تتكشف عناصرها الحركية واللونية، حيث الشمس تشرق في عتمة ليل طويل… تأثرت بعظماء الفن، وخاصة في منهجها اللوني، ومن هنا تأثرها بالفنان العالمي الكردي عمر حمدي (مالفا).
درجات اللون عند سمر دريعي، تأخذ خطوطاً رشيقة، مثل ظبية تقفز في سهل جبلي، نحو المدى، حيث ضباب أخضر يغطي الأفق الممتد، نحو سماء تحلق فيها تلك الفراشة، فكل لون تدرك وقاره، فالأخضر بكل مساحته تجتاز عتبات صوفية تجددية، ليقطعه خط تركواز نبيل، وكأنه يعلن ثقافة منفردة بتعبيرات جريئة، وهو جزء من عوالم الطفولة، حيث الألوان الزاهية الموازية للغامقة، ومن هنا كان لقب الفراشة أحد مميزاتها، كانت نقوش أجنحة الفراشات، تضعها إزاء حالة وجد… إنه كيف لغبار الطلع، أن يتغلل اللون، ويصبغه بصفرة، بهيجة حيث الخصب، والولادة، والنضج..
هذه الثقافة البصرية، رافقتها منذ الطفولة، وأمسكت بيدها لتصبح مفردات تشتغل عليها بشكل احترافي، هي فراشة تنحت بإزميل من ضوء أكاديمي تواكب حركة اللون مع الطبيعة، تحاول أن تقبض على سر اللون بروحها، قبل أن تطلق سراحه في برية الأرض، تحت شمس الله، حيث غواية اللون بين الرؤى والأحلام، وصدمات الواقع، فتهرب عبر أحلام يقظتها نحو صحن الدار، وصحن البخور وأدعية الأمهات، وابتهالات الصوفيين، وأصوات الجوامع كان الطريق من بيتها إلى المدرسة، وهي تمر بدار الكتب الوطنية، تغريها رفوف الكَتب، ولوحات الرسم… تراقب أباها، وهو يخط على البياض صور نساء تشبهها، وتشبه أخواتها والجارات، وضيوف أبيها.
كانت قامتها الرشيقة العالية، ووجهها الجميل يشع بظلال ابتسامة خجولة التوت، تقترب من نور السماء، كان الياسمين ببياضه، يشكل مرحلتها الفنية في الركن الأخير، وهي تستلم بأصابعها النحيلة شهادة الدكتوراه.
كانت تقترب من النار من جمر واقعها من مصيدة قنديلها، لتمنح الحياة شرف المغامرة الفنية كامرأة عاركت الغربة، وهي التي قالت: “من يرضى أن يعيش خارج ذاته؟ “.
هكذا عبرت عن حياتها، وحالة الغربة، فهي لم تجد الفرح والسعادة في أرض لم تولد بها، فالحياة ناقصة، ومتشظية حسب تعبيرها، وإنها كانت تحاول في كل أعمالها، أن تصنع البؤرة؛ لتمنح الرائي تلك النافذة نحو سهول بلادها، وحقولها الممتدة قمحا وقطناً، حيث جغرافيا الزمن والإنسان.
كانت تحاول صنع سعادتها بالمرور من اللون عبر ممرات لونية من الغربة إلى أرض، ولدت بها، فعصفور الدوري يموت إن غادر أوكار البيوت…
هكذا أرادت أن تتمرد على البرزخ، كانت تمشي عليه بإرادة بهلوان. وأن تكون، ابنة الشمس، الفراشة، التي كانت بحق ابنة أبيها الفنان.