سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

سمر دريعي… رحلة اللون في مسارات الضوء والعتمة ـ1ـ

ببيت متواضع يملؤه دفء أنفاس والدها، الذي كان يزين أركانه بلون الجوري، وعباد الشمس بأحمر الشفق، واصفرار الكنار، الذي يطلق تغريده من ناي عبد الرحمن دريعي الشجي، يرسل رسائل لأزلية الحياة في الشمال السوري… إزاء خلود الفن العالمي المتأصل في تفاصيل الواقع، نثر مفرداتها بحميمية عاشق فنان، وأديب عبر ألوانه، وموسيقاه، وكتاباته لأبنائه، وبناته…
في تلك البيئة العشبية، تفتحت عينا سمر على نور شمس جبال طوروس، وأتقنت لغة الضوء والظل، وعبرت كحمامة تهدل بين أشجار الزيزفون، والصفصاف بصوتها النقي عن أحلام، ربما استطاعت أن تجتاز تخومها في متاهات الغربة والرحيل.
امتلكت عشق الموسيقا، وشغفت بنشوة اللون والرسم، كان قلم الرصاص مطواعاً بين أناملها الفتية، وهي على مقاعد دراستها الإعدادية، حينما بدأت ترسم على لوح الصف، بورتريهات بدائية لزميلاتها، وترسم بقلم الرصاص صور صديقاتها في محاولة لتقليد أسلوب معلمها الأول الأب دريعي، التي تذكره لاحقاً في معرض جوابها عن سؤال لأحد الصحافيين، إن أباها كان البروفسور، الذي منحها طاقة الحلم والوجود، والحضور وأنه من منحها مفاتيح أسرار إعادة رسم الكون والمرأة… فأبدعت كفنانة تحلق بريشتها على جسد الورق، فيتلون بياضه بألوان القزح، فتسمو به عشتار وأفروديت.
كانت سمر تتلمس طريق حلمها الكبير، وهي تستمع إلى قضايا يومية ممزوجة بكثير من الأسى والبكاء، كان الفقر مفردة كئيبة، لكنها مع عطف وعطاء بيتها كانت تشعر أن الحياة منحتها كل شيء على هيئة أم، أو أب رغيف خبز معجون بدقيق العاطفة.
لتشعر لاحقاً بحجم الفراغ البارد، ولونه الشاحب، كانت بغربتها تحتاج ظل كتف تلقي عليه تعب الحقول المنهوبة من عمر سنابلها، تريح عليه ألم الفقد والوحدة، عين ترى شعاع الفجر أزرق باتساع فضاء عامودا.
وشموخ قلعة حلب، وقمر عفرين، الذي بني عشه بين أشجار الزيتون، وترك لها مرارة طعم الموت، والفقدان.
للوحاتها حكايا عشق مترعة بالعويل، حكايا نمت في الحلم، لتسافر نحو عتمة رطبة كهمس الجداول، التي كانت تداعب خطواتها قرب بيتها الصغير.
ترسم كالفراشة بكل حيوية، تحوم أمام اللوحة، تطوف حول روحها بريشة من طائر نوري، تبحث عن مفردات بعينها، تحاول أن تدخل رموزها الخاصة، وتيماتها، هنا في “شمال اللوحة” في سفوح طوروس، حيث الماعز البري يراوغ بياض الحليب، فتطفو على سطحه رغوة شهية الألوان، أو هنا في العمق حيث امرأة مدثرة بالسنابل، تشبه الأمهات اللاتي ينتظرن أفق الدروب المحفوفة بالزرقة والضباب.
تمارس العنف بكل جرأة، ضربات فرشاتها العنيفة تحاول منح اللوحة كثافة لونية، وسماكة تستطيع أن تعبر إلى الداخلي المتخفّي، تنشأ حالتان من الظاهر والخفي، كانت فرشاتها إزميلاً ينحت تماثيل الآلهة بعلاقة صوفية تربط بين الحياة، ونساء لوحاتها المزركشات بألوان الطبيعة، من مطر وسنابل، وعشب أخضر ندي… كانت تمنح سطح لوحتها إشراقات الشمس، ومن هنا أسمت نفسها، ابنة الشمس….