سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

قمة طهران وأجندة المشاركين فيها

أعلن الكرملين عن زيارة بوتين لطهران في/19/ تموز الفائت، وبالفعل تمت الزيارة حسب الموعد المحدد وقد التقى مع أردوغان، وشكلوا مع إبراهيم رئيسي في طهران لقاء ثلاثياً لضامني مسار الأستانة، وعلى هامش الاجتماع تم عقد لقاءات ثنائية بين الأطراف الثلاث، وتصدر الملف السوري المشهد والجزء الأكبر من النقاش. وبذلك يشهد الثلث الأخير من تموز عنوان عريض مفاده ”بايدن في السعودية وبوتين في إيران” وقد تبدو في هذه الحالة مواجهة على الضفتين، وللمرة الأولى منذ زمن يكون للدول الإقليمية صوت ربما يكون موازياً لصوت القوى العظمى في هذه المواجهة.
وبالمرور على زيارة بايدن الشرق أوسطية التي تُهيئ الأرضية لإنشاء تحالف معين أو ضمان تبعية الحلفاء السابقين، رغم أن السعودية أظهرت مماطلة في تلبية ما جاء به بايدن على أمل انتهاء ولايته قبل إعطاء أي التزامات طويلة الأمد كونها تفضل التعامل مع الجمهوريين والسبب الرئيسي تقرب الرؤساء الديمقراطيين الدائم من إيران الذي تعارضه المملكة السعودية، وبذات السياق الولايات المتحدة تبذل ما في وسعها لإعطاء التطمينات لنفسها ولحلفائها بالحد من أو تحجيم النفوذ الروسي والإيراني وحتى التركي في الشرق الأوسط في ظل التغيرات الدولية، وخاصةً أن اللجوء إلى عسكرة القضايا أصبح أكثر وروداً من قبل، وما قد ألقى بظلاله على القمة الثلاثية في طهران من زيارة بايدن هو”إعلان القدس” الموقّع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والمتضمن لإعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين ومن أبرز بنوده ”التزام أمريكي بعدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي واستخدام القوة لضمان ذلك”، هذا ما قد يفتح الباب أمام روسيا وإيران لتوقيع اتفاقية الدفاع المشتركة الساعية إليها إيران وهذا يمثل أحد أهدافها وأيضاً شراء منظومة “S400” الروسية، ليكون هذا أحد مواضيع اللقاء الثنائي بين بوتين ورئيسي، علماً أن قمة طهران ليست عقد تحالف بين الدول الثلاث في مواجهة جولة بايدن لأن تركيا ليست ضمن النهج الإيراني والروسي المضاد للغرب وإنما تتشارك معهما بأنها توسعية وراغبة في بسط نفوذها قدر المستطاع، إذاً القمة الثلاثية كانت للنقاش بحسب ما تفرضه مصالح الدول الثلاث وخاصةً على صعيد الملف السوري، وقد يكون لقاء بوتين ورئيسي يحمل في طياته بوادر لتحالف يُعلن لاحقاً.

من الجانب التركي وفقاً لإعلان المسؤولين الأتراك أنهم انتهوا من التحضيرات العسكرية واللوجستية للبدء بعدوان جديد على شمال سوريا ولكن المؤكد والذي يتسبب بالمناورة التركية أنهم لم يحصلوا على المؤشرات السياسية من القوى الفاعلة، ولذلك يربط المراقبون اللقاء الروسي التركي والإيراني التركي بما تسمى بالعملية العسكرية حيث تسعى تركيا للخروج بتفاهمات مع الأطراف المذكورة وإن لم يكن ضوء أخضر قد تكون مكاسب أخرى جزئية من الأهداف التي ترمي إليها تركيا، ويتفق الأطراف الثلاثة على الرغبة في فرض المزيد من الضغط على الإدارة الذاتية وقوات سوريا ديمقراطية التي أصبحت قوى فاعلة في الأزمة السوريّة وفاجأت الجميع بمرونتها وإصرارها بالحفاظ على مكتسباتها وحماية مجتمعات المنطقة، وتصعيد يواكب اللهجة التي تستخدمها القوى الأخرى.
أما في الجانب الروسي حيث تُشكل حربها في أوكرانيا الشاغل الرئيسي لها، حاولت حصر كل نقاشاتها لبلورة تفاهمات مع تركيا حول تأمين الطريق التجاري، كما أنها تستخدم ورقة الملف السوري للضغط على تركيا لتحقيق ما تريده في أوكرانيا، وبذات السياق لا تخفي روسيا عدم رضاها على موافقة تركيا لانضمام السويد وفنلندا إلى حلف الناتو، وترجمة ذلك بعدة ضربات في إدلب وجبل الزاوية وضربات أخرى لنقاط المرتزقة في ريف سري كانيه الشرقي، ورغم كل التقارب المُعلن في المؤتمرات الصحفية لكن في الكواليس وخلف الأبواب المؤصدة لا يحدث ذات الحوار الذي تفرضه قواعد الدبلوماسية أمام الإعلام وإنما نقاشات ولهجة أكثر حدة هذا ما سبق أن ذكره مسؤولون سياسيون سابقون في مذكراتهم، لذلك يتوجب التعمق أكثر في التحليل وعدم البناء على ما يتم تقديمه للصحافة إنما الترجمة على الأرض هي الأصدق، هذا ما يفتح الباب على مصراعيه أمام كل الاحتمالات من نتائج هذا اللقاء في وضع حجر تهدئة أو الانتقال إلى التصعيد السياسي والعسكري بين تركيا من جهة وروسيا وإيران من جهة.
أما إيران فقد احتاجت للقاء كهذا بدرجة أكبر من نظيراتها، وذلك على الأقل للرد على جولة بايدن الإسرائيلية الخليجية الوليدة لإعلان القدس، وأيضاً إرسال الرسائل بأنها قادرة على الانضمام إلى حلف يضمن لها المواجهة، وهو المحور الذي يضم روسيا وإلى جانبها الصين والهند وكوريا الشمالية، كل هذه القوى تحمل مؤشر واحد وهو الانتقال إلى نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، من جهة أخرى تسعى إيران الى محاولة بناء قنوات تقارب بين النظام السوري وتركيا.
بطبيعة الحال لم يحمل المؤتمر الصحفي الختامي للقمة الثلاثية اتفاقيات أو تفاهمات تُعلن، إنما المرجح أن تبقى التفاهمات خلف الأبواب أو إن تكون بذور لاتفاقيات تنمو في فترة زمنية قادمة توضح ملامحها الخارطة العسكرية التي تلي هذه القمة.
TEHRAN, IRAN – JULY 19: Turkish President Recep Tayyip Erdogan (R), Iranian President Ebrahim Raisi (C) and Russian President Vladimir Putin (L) pose for a photo during the 7th trilateral summit in Astana format in Tehran, Iran on July 19, 2022. (Photo by Mustafa Kamaci/Anadolu Agency via Getty Images)
المؤشرات الأولى من نتائج هذا اللقاء هو إصرار إيران وروسيا على رفض منح الضوء الأخضر وقد يكون هذا الرفض، بالطريقة الدبلوماسية التي ترضي تركيا وهي الاشتراك بعدة أهداف أهمها المزيد من الضغط على الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية لتسليم جميع المدن المستهدفة للنظام السوري وبخطٍ موازي الضغط لتوقيع اتفاقيات تقدم من خلالها قوات سوريا الديمقراطية تنازلات في مناطق أخرى وتستخدم في ضغطها التهديدات التركية، وهذا ما يوضح نوع من التنسيق الاستخباراتي على أقل تقدير بين روسيا وإيران والنظام السوري وتركيا، ومن جهة أخرى تركيا لازالت تعتمد التصعيد من حين إلى آخر وقد شهدت خطوط التماس قصفاً مكثفاً يعد الأعنف منذ التهدئة حيث ذهب ضحية ذلك مدنيين وتدمير منازل، ما يلمح أن تركيا لم تلغِ القيام بعدوان جديد في أي لحظة ولكن يبدو أنها أخذت بعض الوعود من روسيا وإيران لتهيئة ظروف تتناسب مع حصولها على مكاسب بدون عدوان عسكري أو على الأقل نشر قوات للجيش السوري وتسليم المنطقة للنظام السوري هذا الذي بدا أنه مُرضي لتركيا لتأجل عدوانها ولكن لا يمكن أن يكون مرضياً لقوات سوريا الديمقراطية حين يتعلق الأمر بالمساس بمكتسبات الثورة وتضحيات الشهداء وكل من تلك الجهات تعرف مدى حساسية هذا الموقف وتمسك قوات سوريا الديمقراطية به ولكن على ما يبدو أن روسيا وإيران متفقتان على المناورة السياسية للمحافظة على الخارطة العسكرية مستقرة على ماهي عليه حالياً خاصةً في ظل انشغال كل منهما في حرب خاصة بها.
اللافت أيضاً أن روسيا وإيران استطاعتا إقناع أردوغان بأنه من المهم الإدلاء بتصريحات مناهضة لتواجد القوات الأمريكية في شمال وشرق سوريا الذي يكشف تشارك كل من روسيا وإيران وتركيا لتعبئة الفراغ الذي يطمحون لحدوثه بانسحاب الولايات الأمريكية ليكون ساحة توسيع نفوذ، وهذا التصريح كان مفاجئاً نوعاً ما كونه من المفترض أن تكون تركيا أقرب للولايات المتحدة الأمريكية من روسيا وإيران لتواجد الجهتين بحلف الناتو ولكن كل ما سبق يوضح العجز السياسي لأردوغان وتوريط نفسه في الإعلان عن عدوان غير مرضي للجميع وتضارب المصالح بين جميع الجهات، في ظل ذلك كله يتضح أن مجلس سوريا الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية كجهة تمثل الشعب في شمال وشرق سوريا سياسياً وعسكرياً حجزت مكانة سياسية وعسكرية في خضم الأزمة السورية كقوة وطنية.
الولايات المتحدة بالتأكيد ستقوم بمناورة ما لإعادة تركيا إلى تيارها بعد لقاء طهران والتصريحات الأخيرة، كما أن زيادة التصعيد العسكري وارد جداً في شتى نقاط التماس ويظهر ذلك جلياً في العمليات العدوانية التي ترتكبها الدولة التركية بحق المدنيين والقيادات السياسية والعسكرية لشمال وشرق سوريا.
مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية