سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

مآلات هجمات أنقرة الاحتلالية.. ترتيب الأوراق بين الفواعل الدولية، واستعدادات “المواجهة” للشعوب السورية

برخدان جيان

تتواصل التهديدات الرسمية، وغير الرسمية للدولة التركية المحتلة، بشن هجمات عدوانية على الأراضي السورية، التهديدات التركية أعادت الملف السوري إلى الواجهة من جديد، بعد تراجع فرضته التطورات الدولية، فالأطراف الفاعلة في الأزمة السورية، ترفض تحركات أنقرة، وتعدّها “مهددة لحالة الاستقرار، والأمان في مناطق شمال وشرق سوريا”، وتعول قوات سوريا الديمقراطية على خيارها الوحيد، وهو المقاومة والتصدي بعد تكرار سيناريو التخاذل الدولي كما حدث في الهجمات العدوانية، التي شنتها أنقرة خلال السنوات الماضية بعد انسحاب واشنطن من عدة نقاط كانت تتمركز فيها، وكذلك فعلت الدولة الروسية، إبان احتلال مقاطعة عفرين في عام 2018.
 ومنذ شن هجماتها؛ ما تسمى بعملية “درع الفرات” التركية في آب 2016، كانت حجة أنقرة هو إقامة ما يسمى بـ “المنطقة الآمنة” بعمق متفاوت يصل في بعض المناطق الى أكثر من 30 كيلومتراً على طول منطقة، تمتد لما يزيد على 480 كيلومتراً على الحدود بين سوريا وتركيا، لكن ذلك الهدف لم يتحقق حتى الآن بالشكل، الذي تخطط له أنقرة لإرسائه لإعادة توطين مليون لاجئ سوري، وتغيير ديموغرافية المناطق السورية التي تحتلها.

هجمات عدوانية ومخططات تُعرض بطريقة خبيثة
 
يعتقد” محللون” بأن التهديدات التركية التي تسوقه أنقرة، بمختلف الذرائع، والحجج، التي تروج له يهدف الى مسابقة الزمن لتطبيق، ولو جزءاً مما يسمى بـ “الميثاق الملي”، الذي يرفض الحدود الحالية للدولة التركية، التي رسمتها اتفاقية (لوزان)، فعلى مدار سنوات الأزمة السورية، شنت أنقرة ثلاث هجمات عسكرية كبرى هي “درع الفرات، وغصن الزيتون، ونبع السلام” من 2016 إلى 2019، إضافة إلى هجمات عسكرية رابعة محدودة تحت اسم “درع الربيع” في (شباط/ 2020) ضد قوات حكومة دمشق في إدلب، ومن خلال الهجمات الأربع، تمكنت أنقرة في فرض سيطرتها المباشرة، وسيطرة مرتزقتها على ما يصل إلى 4.9% من إجمالي مساحة سوريا، بما يعادل 9050 كيلو مترا.
ويروج أردوغان لهجماته الاحتلالية على الأرض السورية في مناسبات عدة، أشهرها خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها 74 في (آب/ 2019) يحمل خريطة تظهر حدود تلك المنطقة الآمنة، التي يسعى لإنشائها، وقال: “مع مد عمق المنطقة الآمنة إلى خط دير الزور – الرقة، بوسعنا رفع عدد السوريين، الذي سيعودون من بلادنا، وأوروبا وبقية أرجاء العالم إلى ثلاثة ملايين، وبالتعاون مع الولايات المتحدة، وقوات التحالف الدولي، وروسيا وإيران، يمكننا نقل اللاجئين من المخيمات إلى المنطقة الآمنة”.
المناخ الدولي لن يشرعن “هجمات” أنقرة تلك
 
يرى “مراقبون ومحللون” بأنه على الرغم من التهديدات التركية المستمرة، فإن التوقعات ترجح تأجيل الهجمات العسكرية التركية على شمال وشمال شرق سوريا لفترة غير معلومة، والسبب بحسب “مصادر مطلعة” يعتمد على  تفاصيل المحادثات (التركية ـ  الأمريكية ـ التركية ـ الروسية)، هو أن أنقرة لم تحصل على ضوء أخضر لشن هجماتها، سواء من الجانب الروسي أو الجانب الأمريكي، إن أنقرة تطرح على روسيا صفقة تحصل بموجبها على السيطرة على مناطق ( تل رفعت ـ منبج ) في ريف حلب، وعين عيسى، والدرباسية، وتل تمر في ريفي الحسكة، والرقة، مقابل فتح الطريق الرابط بين حلب، والساحل السوري مرورا بإدلب، وضمان أمنه، وفي المقابل، إن روسيا ليست لديها مشكلة في تسليم “تل رفعت” إلى جيش الاحتلال التركي ومرتزقته، لكنها تواجه معضلة تكمن في أن سيطرة أنقرة على تلك المناطق تضع منطقتي “نُبل والزهراء” الشيعيتين، واللتين تشهدان وجوداً كبيراً للجماعات الإيرانية المسلحة والفصائل الموالية لها، تحت رحمة تركيا، والأمر نفسه يسري على “منبج” التي لا تمثل أهمية كبرى بالنسبة لروسيا، لكنها تمثل مفترق طرق، ونقطة تواصل بين قوات سوريا الديمقراطية، وقوات حكومة دمشق، التي ترفض منح أنقرة السيطرة على هذه المناطق التي من شأنه تعقيد المشهد السوري أكثر من ذي قبل.
تفعيل “المفاوضات” لإنقاذ الموقف
 
في محاولة لخلط الأوراق التركية، ومنع الهجمات الجديدة، تسعى روسيا إلى الوساطة لاتفاق جديد بين قوات سوريا الديمقراطية من جانب، وحكومة دمشق من جانب آخر، لكن تلك المفاوضات لم تثمر عن اتفاق حقيقي حتى الآن؛ بسبب تعنت حكومة دمشق، وارتهانها لما تمليه مصالح روسيا على الأرض السورية، وبالرغم من المفاوضات بين قوات سوريا الديمقراطية من جهة وحكومة دمشق من جهة أخرى، التي تريد فرض شروطها على قوات سوريا الديمقراطية، وحثه على طلب الإذعان من دون قيد أو شرط.
وبحسب “مطلعين” فإن قوات سوريا الديمقراطية تسعى إلى أن يكون الاتفاق العسكري هو أساس لبدء مشاورات سياسية؛ لتسوية يُحدد من خلالها وضع مناطق شمال وشرق سوريا، بالإضافة إلى الاتفاق على وضع قوات سوريا الديمقراطية في أي تسوية مستقبلية، وشهدت العلاقات بين روسيا وقوات سوريا الديمقراطية “توترات” بسبب تحميل قائد القوات الروسية في سوريا “ألكسندر تشايكو” قوات سوريا الديمقراطية  مسؤولية توغل تركيا في الأراضي السوري عام 2019، بحجة أن “قسد” لم تلتزم بالاتفاق، الذي رعته روسيا آنذاك للتراجع عن الحدود لمسافة 30 كيلومتراً، والإصرار على تحديد القدرات القتالية، التي سُمح بدخولها للمنطقة آنذاك، حيث تسعى القوات الروسية إلى التوصل لاتفاق تنتشر بموجبه قوة إضافية من قوات حكومة دمشق على الحدود مع تركيا، إضافة إلى تعزيز وجود القوات الروسية في مناطق شمال شرق سوريا.
وأكدَّ المتحدث الرسمي لقوات سوريا الديمقراطية آرام حنا الى أن التواصل مع حكومة دمشق مستمر على المستوى العسكري، منذ دخلت القوات السورية إلى مناطق “قسد” في 2019، وقد أجريت اتصالات أخيراً في السياق نفسه من أجل تحقيق الحماية لحدود البلاد، ومنع أي غزو تركي جديد للمنطقة”، مضيفاً، أن “قوات سوريا الديمقراطية ملتزمة منذ توقيع اتفاق تشرين الاول/ 2019، بما تعهدت به من بنود منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، من خلال السماح بدخول التشكيلات التابعة لحكومة دمشق، والقوات الروسية إلى المنطقة، ولا تزال تلك الاتفاقية سارية المفعول حتى الآن، مضيفاً الى أن التهديدات الراهنة من قبل الدولة التركية المحتلة، تستدعي التواصل المستمر لنشر قوات ومنظومات جوية رادعة للاحتلال، ودعم قوات سوريا الديمقراطية لمواجهة جيش الاحتلال التركي.
تعزيزات عسكرية لحكومة دمشق، ولروسيا بالتزامن مع التهديدات
 
وبحسب “المرصد السوري لحقوق الإنسان” فإن القوات الروسية عززت من وجودها في قاعدة بقرية “السعيدية” الواقعة غربي مدينة منبج في ريف حلب الشرقي، إضافة إلى إطلاق القوات الروسية دوريات جوية على فترات متقطعة في أجواء “منبج” وقرب خطوط التماس مع الجيش التركي.
التحركات الروسية تزامنت أيضاً مع دفع الجيش السوري بوحدات من قواته البرية إلى شمال وشمال شرق البلاد، حسبما أشارت مصادر متطابقة مطلعة على مجريات الأمور على الأرض لـ”الشرق”، وهو ما يتوافق أيضاً مع ما نشره المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي نقل عن مصادر، قولها إن القوات السورية بدأت الانتشار في ريف منبج، على أن يرتفع العدد بشكل تدريجي إلى 2000 عنصر على الأقل، في المنطقة، التي تُعرف بـ”خط الساجور” في ريف المدينة على الحدود مع تركيا.
واشنطن “تتوجس خيفة وتدفع باتجاه ضمان سلامة استراتيجيتها
من جانبٍ أخر يرى “محللون” بأن من الطبيعي أن تسعى واشنطن الى إحباط أي محاولة للتقارب بين روسيا، وقوات سوريا الديمقراطية من جانب، والقوات الروسية وحكومة دمشق من جانب آخر في المرحلة الراهنة؛ ما دفعها  إلى محاولة تقديم ضمانات، بأنها تعمل على الضغط على تركيا؛ لوقف أي هجمات وشيكة قد تشنها الدولة التركية المحتلة، وعلى هذا الأساس زار وفدٌ رفيع المستوى من التحالف الدولي  قيادات قوات سوريا الديمقراطية، في خطوة وصفها “مراقبون” بأنها لمحاولة طمأنتهم على الوضع الراهن، والتعهد بالاستمرار بمكافحة الإرهاب، ودعم الجهود المبذولة، التي تشكل قوات سوريا الديمقراطية عمادها، وتعزير وجود قوات التحالف الدولي في عدة نقاط لهذ الغرض.
وعلى الصعيد الرسمي، دعت “الخارجية الأمريكية” الدولة التركية المحتلة إلى الامتناع عن شن هجمات عسكرية جديدة في سوريا، وقالت: “إن أي عملية من هذا النوع ستؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، وتهدد جهود مكافحة تنظيم “داعش”، بالإضافة إلى كونها تمثل تهديداً للقوات الأمريكية الموجودة ضمن قوات التحالف الدولي”، في حين قال وزير الخارجية الأميريكي، أنتوني بلينكن: إن “أي هجوم جديد من شأنه أن يوفر للأطراف الفاعلة الخبيثة إمكانية لاستغلال عدم الاستقرار”.
دعم جهود مكافحة الإرهاب يتطلب “مواجهة العدوان التركي”
 
ورداً على التصريحات الأمريكية، قال المتحدث الرسمي لقوات سوريا الديمقراطية آرام حنا: بأن إعلان الولايات المتحدة رفضها للهجمات العدوانية التركية، نظراً لما يمكن أن ترد به على جهود مكافحة داعش”، لكنه استطرد بأن “تلك التصريحات الأمريكية تحتاج إلى الترجمة لأفعال حقيقية، تضمن دعم موقف (قسد) وزيادة التنسيق العسكري معها في مواجهة العملية التركية”.
وفي ظل التحشدات العسكرية التركية اتخذت قوات سوريا الديمقراطية إجراءات دفاعية عدة على طول خط التماس مع جيش الاحتلال التركي، والشريط الحدودي؛ لمنع محاولات التقدم إلى عُمق مناطق شمال وشرق سوريا، حيث صرح المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية (آرام حنا)، بأن قوات سوريا الديمقراطية قادرة على التصدي لمحاولات تركيا التوغل في مناطقها”، مشيراً إلى أن “هناك إجراءات اتخذت على المستوى المدني، والسياسي؛ لحماية المدنيين، الذين يعيشون في المناطق المهددة، ومنع تركيا من إزهاق المزيد من الأرواح”
الهروب من الواقع الاقتصادي
 
وعلى الصعيد الدولي، ترى صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، أن هناك سبباً إضافياً يدفع “أردوغان” إلى التلويح بهجماته في الوقت الراهن، وهو أنه يرغب في استغلال انشغال العالم في حرب أوكرانيا من أجل تحقيق أهدافه في سوريا، من خلال استغلال قدرة تركيا كعضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)؛ للاعتراض على عضوية بعض الدول كما اعترض على انضمام (فنلندا ـ السويد) لابتزاز الدول الأوروبية، بهدف ضمان عدم حدوث اعتراضات كبيرة على عمليته العسكرية، كما أنه يعتقد أن الجانب الروسي، لن يبدي اعتراضات كبيرة نظراً لانشغاله في حرب أوكرانيا.
وحسب “محللين سياسيين” فإن تصاعد التوترات في شمال وشمال وشرق سوريا حالياً، يرتبط بالأزمات الداخلية في تركيا والتطورات الإقليمية والعالمية، التي تسعى أنقرة إلى استغلالها بعدما تراكمت الأزمات الداخلية، وتراجع شعبية أردوغان إلى أدنى مستوياتها وفقاً للاستطلاعات الأخيرة، التي تتوقع أن يحصل على 37% فقط من الأصوات إن أجريت الانتخابات غداً، دفعاه إلى محاولة تصدير الأزمة، وإلهاء الرأي العام التركي، ومحاولة الإبقاء على ما تبقى له من حاضنة شعبية، كما أن الأزمات الاقتصادية المتواصلة، وانهيار الليرة التركية أوصلا الحكومة التركية الى قناعة من عدم تحقيق النجاحات المطلوبة على المستوى العسكري بعد الفشل المتواصل، الذي منيت به الهجمات الاحتلالية المتواصلة على مقاتلي حركة التحرر الكردستانية، أو في مناطق عدة من سوريا، والعراق ناهيك عن تدهور العلاقات السياسة، والعسكرية مع دول الجوار من شأنه تعزيز أزمتها الاقتصادية.