سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ستكون النتيجة مُهيبة في ثورة روج آفا أيضاً

علي ديلوك_

 وصلت ثورة روج آفا التي أمضت أعوامها العشر تحت الهجمات والتهديدات إلى مرحلةٍ حرجة، فقد أصبح وجودها قضيةً دوليّة، ومن جهةٍ أخرى هناك قضية تهديدات الدولة التركية التي يجب حلّها وبغض النظر عن أهمية جميع المحاولات إلّا أنّ لا سبيل آخر سوى القتال إذ يجب خوض مقاومة عظيمة لأنّ أساس هذه القضية هو وجود المكتسبات الكردية ولأنّ نظام السلطة التركية يؤسس وجوده على إبادة الكرد، فلا يمكن لشيء سوى المقاومة والانتصار وتحقيق النتيجة المرجوة وأي شيء غير ذلك سيؤدي إلى إطالة هذه المرحلة فحسب، وبقدر تعزيز القيم المغروسة هناك حاجةٌ إلى الحفاظ عليها من أجل نظامٍ دائم.
تطوّر شكل ثورة روج آفا ووضعها والنتائج التي حققتها يعدّ نموذجاً للثورة الإنسانية في القرن الـ 21، حيث رفعت العملية التي تقدّمت بقيادة الشعب الكردي شعاراً “هناك حياةٌ أخرى ممكنة خارج الحياة المعتادة” بوجه الاستبداد وسلّطت عليها الضوء أمام شعوب شمال وشرق سوريا أولاً ثمّ أمام الشرق الأوسط بأسره.
وحركة التحرر الكردستانية هي الوحيدة التي فهمت العملية التي سُميت بـ “الربيع العربي” والتي أدّت إلى خلق الفوضى في سوريا بشكلٍ صحيح، وبسبب العلاقة الطيبة مع حركة التحرر والقائد عبد الله أوجلان فقد نظّم أهالي روج آفا أنفسهم بإمكانيات محدودة وخلال فترةٍ قصيرة حموا أنفسهم من هذه الفوضى، وقد أُصرّ على الضغط عليهم للتنحي جانباً إلّا أنّ أهالي روج آفا قاوموا جميع هذه الضغوط ووجدوا أنّ المؤيدين الذين تم تقديمهم كبديل لا يقدمون شيئاً للشعوب سوى العجز لذا قدّموا أنفسهم على أنّهم قوة الحل.
هذه العملية التي بدأت في كوباني أطلقت خطوة الموروث الأبوي القيادي كمبادرة، واتّجهت أوساط الحزب الديمقراطي الكردستاني والمجلس الوطني الكردي السوري للشراكة مع المرتزقة غير الملتزمين بأي مبدأ والصالحين للاستغلال المدعوين بـ “الجيش الحر”، وكانوا يستعدّون للهجوم على كوباني مع المرتزقة بعد صلاة الجمعة، وقبل ذلك بيوم وفي الـ 19 من تموز، يوم الخميس، سيطروا على جميع مؤسسات الدولة وبدأت حالة الأمر الواقع في الثورة، وبعد ذلك انتشر نضال كبير في روج آفا وشمال وشرق سوريا.
فاجأ شكل التطوّر هذا أطراف كانت لها حسابات إقليمية وأفشلت حساباتهم فمن ناحية؛ أثبتت الثورة بقيادة الشعب الكردي أقدم شعبٍ في الشرق الأوسط، لم يعترف بوجوده، حقيقة الشعب القيادي بالمقالات الديناميكية وتم التعاطي مع الشعب الكردي كتهديدٍ على الكيان السياسي للمنطقة، ومن ناحية أخرى أظهر الكفاح ضد داعش مدى قوّته عملياً، ولهذا جذب انتباه القوى المهيمنة، وهذا ما دفع الدولة التركية والقوى الرجعية إلى تطوير سياساتٍ أكثر عدائية وتطوير علاقاتٍ مختلفة على الساحة الدولية من أجل الكرد وإتاحة الفرص لحركة التحرر الكردستانية وإفساح المجال لها.
أصرّت القوى المهيمنة على السياسات التي تعتبر هذا النضال ضد داعش فحسب على تقييده والحفاظ على كيانٍ يبقيه تحت الضغط على الدوام، الأمر الأهم هو أنّ النموذج الأبوي الذي يعدّ الدافع الرئيسي لهذا الهيكل لم يُرَ أو يُعترف به بهذه السياسات، فالخطأ الأساسي هو رؤية الآبوجيين كمقاتلين فحسب، وفي الواقع؛ فإنّ هذا الهيكل الذي حارب داعش أولاً ثمّ الدولة التركية ومرتزقتها خلال السنوات العشر الماضية أسس في الوقت ذاته هيكلاً اجتماعياً، يتّخذ هذا الهيكل من حرية المرأة أساساً ويبني المجتمع على هذا ويدفع المرأة في الحياة نحو الأمام، كما أنّه حسّاسٌ تجاه الطبيعة والمجتمع، إنّه يفسح مجالات الحياة للمعتقدات من أجل بناء نموذج ديمقراطي وجماعي يشمل جميع خلايا المجتمع من خلال المجالس وإظهاره كنموذجٍ للحل.
أصبحت المناطق التي تديرها الإدارة الذاتية أكثر المناطق السوريّة ديمقراطية واستقراراً وازدهاراً في مواجهة الحصار، الهجمات وحالة عدم الاستقرار، ونرى أنّ هذه المكتسبات التي تم تحقيقها خلال السنوات العشر الأخيرة هي السبب في هذه الهجمات.
وفي مثل هذا الجو، أُصيبت أقوى الدول بالذعر، وأعلنت وحدات حماية الشعب عن تشكيلها ضد مرتزقة داعش مع بداية ثورة روج آفا وأصبحت القوة الوحيدة التي قاومت وانتصرت ولا يمكن تفسير هذه الإرادة بشكلٍ منفصلٍ عن الحقيقة الفدائيّة الأبوية، وعن توق الشعب الكردي للحرية وثورة روج آفا، وأنّ هذا النهج الذي لا يرجّح حرية الكرد يعدُّ مدمراً والقوى الدولية هي في مقدمة هذا الموقف.
تركت تجربة جمهورية كردستان التي استمرت لفترة قصيرة (11 شهراً) في ذاكرة الكرد آثاراً عميقة، وأتاحت ثورة روج آفا خلال السنوات العشر الماضية الفرصة لمئات الآلاف من الأطفال للتعلم بلغتهم الأم وقد بنوا أجيالاً تعلّموا بلغتهم الأم، وبفضل المؤسسات الاجتماعية بنوا آلياتٍ لحل جميع مشاكل واحتياجات المجتمع كما أسسوا في المنطقة نظاماً يُمكن لجميع الأعراق والمعتقدات من خلاله التعبير عن أنفسهم بحرية، إضافةً إلى تأسيس ثقافة الإدارة الجماعية والتشاركية عن طريق المجالس والكومينات، والأهم أنّ المرأة أصبحت فاعلةً رئيسية، لقد أعادوا بناء الحياة من جديد من منظور حرية المرأة من خلال إشراكها في جميع المجالات بدءاً بالمجال العسكري والأمن الداخلي، ومروراً بالمجال الاقتصادي وحتّى المجال الصحي، وتوصّلوا لسبل مهمة على صعيد تغيير عقلية السلطة الذكورية.
باختصار، لم تقاتل حركة التحرر الكردستانية في روج آفا ضد داعش والدولة التركية فقط، بل قامت في الوقت نفسه ببناء نموذج جديد للحياة في المنطقة، وأصبحت ثورة روج آفا ثورة شعبية ورغم كل أوجه القصور، فإنّ ثورة روج آفا ستحافظ على ذاتها كنتاجٍ مجيد لحركة التحرر الكردستانية وتنجح في البقاء على الدوام، لذلك كما قال الشهيد جياغَر: “ستكون نهاية ثورة روج آفا مجيدة مهما حصل”.