سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أمانة القلم

د. محمد فتحي عبد العال (كاتب وباحث مصري)_

هل أندم على ما كتبت في مراحل كتابتي الأولى أو حتى الأخيرة ؟! بالطبع لا… إنه ليس عيباً أو عاراً، أن أغير فكري مع كل مرحلة من عمري، كما أنه ليس من الخطيئة، أبدا أن أصل إلى نتيجة من مصادر مغلوطة، أو غير مكتملة اعتمدت عليها في أول حياتي؛ لعدم توافر غيرها.
كثيرا ما اقرأ عن جدوى الانتظار حتى النضوج، ولكن هل من سبيل لبلوغ النضوج، إن لم نترك لأنفسنا خوض التجربة مرة بعد مرة؟!… بالتأكيد سنتعلم ربما بعد مرة، وربما بعد عشرات المرات، ولكن حتما سنتعلم، وهذا هو الحصاد المثمر.
إن كل ملكات وأدوات الكتابة مكتسبة بطبيعة الحال، فهي تتولد، وتتشكل بالدوران في فلك الأفكار، وأفكار المرء بعضها بعامل الوراثة، ومنغرس بعوامل الثقافة الأولى كالتأثر بالوالدين وبالمدرسة، والمعلم الأول، لكن يبقى جلها متغيراً طوعا لمسرح الحياة، وتقلبات البيئة المحيطة، وتعقيدات النفس، وحسابات الذات.
لقد كان الحب لي يوما كل شيء، فكنت أضمنه كل قصة أكتبها في خطواتي الأولى، فالبراءة في عيني الحبيبة، واللهفة مع كل لقاء، ومشاعر الشوق المختلجة مع كل كلمة من ثغرها ألف قصة وحكاية، أما الآن فأوقات كثيرة لا أجد للحب مكانا في كتاباتي؛ لأنه وببساطة لا اللهفة لهفة، ولا البراءة كانت في حقيقتها براءة، وما أكثر التجارب، وأقل الدروس، لقد تبدلت الحروف مع الوقت، وتغيرت الأمنيات مع السعي، وتباينت أولويات الحياة مع العمر…حينما أرجع لكتاباتي هذه أشفق على ذاتي، لكني لا أمحو منها شيئا، فهي فصول من حياتي قد مضت.
وفي الكتابة الدينية أجد نفسي أبحرت كثيرا بين شطآنها بين التدين أحيانا، والترك أحيانا، وبين التقيد أحيانا، وبين التمرد أحيانا أخرى، فسطرت سطورا بين هذه المحطات جميعا، أفضت ببعضها، وعزفت عن الكتابة في بعضها، وتملكني الحزن في بعضها، وقليلا ما أحسست بالرضا عما أكتب في كثير منها، ولكن في حالاتي كلها، لم أندم على أي سطر كتبت، فلم أكن لأبلغ ما بلغت في أي مضمار، إن لم أحاول، وأخطئ.
أعترف، أن أقسى ما أضناني هو البحث في كهوف التاريخ، بين معلومة مغلوطة؛ هنا أو معلومة غير مؤكدة هناك، واستخلاص نتائج مع ضعف نسيج الحقيقة، وما أقل الحقائق في عوالم التاريخ، فكنت أضطر أن أصحح ما أكتبه بين كتبي المختلفة، إن ظهر لي ما لم أطلع عليه، وقت كتابتي الأولى، لكن مع الوقت، وجدت أن العبرة في دروس التاريخ، ولو كان غير صحيح، هو المهم، وهو الأهم من تحري التاريخ ذاته أحيانا… هل تصدق يا عزيزي، قصص النعمان، أو كسرى أو هرقل، مما رواه مؤرخونا القدامي؟! وهل أنت مقتنع حقا بسير حياة شعراء الجاهلية، وأخبارهم المتشابهة طبق الأصل أحيانا، خاصة مع الحب العذري!! ناهيك عن المبالغات أحيانا، والفكاهة الممزوجة بالسذاجة أحيانا أخرى، كمغامرات أبي نواس مع الرشيد ؟! إن قدح الذهن سيقودك حتما إلى أن كثير من هذه الأخبار موضوع فقط للتسلية، وشد الانتباه، وبعضها مختلق للتدليل على العظات والعبر، والبعض متعلق بالحط من مكانة هذا أو تزكية أفعال ذاك، هذا كل ما في الموضوع، ولا شيء آخر.
إذا فليكن حصادنا من التاريخ العظة والاعتبار، والحفاظ على طاقات البحث، مما لا جدوى منه، وتوجيها من أجل بناء الحاضر، وتشييد المستقبل.
منذ فترة وأنا في حيرة مع ذاتي، وألف سؤال وسؤال يعتصرني، لماذا نكتب؟!
هل نكتب طوال الوقت عن مآثر من رحلوا وخطواتهم، ونجمل في شخوصهم؛ من أجل أن نحصد أقداحا من الشهرة من وراء شهرتهم وذيوع صيتهم.
فلا هم كانوا كذلك؛ ولا نحن ببقائهم كذلك سنبقى، بل حقيقة ما نصنعه، هو الاستمرار في نسج الأوهام والترويج للمثالية الزائفة.
لقد أحصيت مرة عدد ما كتب عن أديبة، كانت ذائعة الصيت في الثلاثينات من القرن الماضي، وكان أدباء عصرها متيمون بها، وتفرقت عرى حبها بين أدباء من المشرق، والمهجر، ولا أحد يعلم من كانت تحب منهم، ولا أظنها شخصيا كانت تعرف ؟! حتى انتهى بها الحال في مستشفى المجانين، وحجر أقاربها عليها ؟! فتجد مقالات لا تحصى، هل أحبت فلاناً ؟! هل أحبت علاناً ؟! هل دخلت المستشفى بمؤامرة للحجر عليها أم لا ؟! فهل هذه الأسئلة تستحق آلاف المقالات للإجابة عليها؟!!
أم هل نكتب بحسب ما تمليه علينا الظروف، فإن وجدنا الزمان قد حاد عن الدين ورجاله، انطلقنا في تشويهه، وإعادة صياغته وفق الأهواء طمعا في شهرة دنيوية زائلة.
فتجد كاتباً صحفياً كل إسهاماته الفكرية النيل من الدعاة الإسلاميين، وتسييس فترة وجودهم، فيما تجده يستنكر كل يوم ما حل بالمجتمع من جرائم، كقتل زميل لزميلته بالجامعة، أو إلقاء شاب لنفسه من برج القاهرة، أو كوبري بمحافظه… فهل لو اتحنا المجال لدعاة جدد، هل ستكون هذه النتيجة ؟!.
وتجد كاتباً آخر كل نتاجه العلمي هو محاربة الإعجاز العلمي في القرآن، والسنة والسخرية منه، ومن القصص القرآني وعلى الرغم من خلفيته كطبيب، لا تجد له حرفا ذا قيمة في تخصصه سوى بضع مقالات مترجمة أثناء الجائحة، يتعالى بها على المتدينين، وكأنه مخترع أساليب مكافحة العدوى في العالم، وليس مجرد ناقل لها! أم نكتب أشياء خفيفة عن الخرافات والأوهام، نضيع وقت بعضنا بينها.
أكاد أحزن؛ حينما أجد أكواماً من كتب لكاتب مشهور، كان مليء الأسماع والأبصار، يتحدث عن الذين صعدوا إلى السماء، والذين هبطوا منها من مخلوقات فضائية، بنوا وشيدوا عجائب الدنيا، فهل كان البشر وقتها نياماً؟! ولم يسجلها غيره من معاصري هذه الأحداث الجسام! والطريف أن أغلب كتبه مقتبسة عن أعمال أجنبية “رديئة” دون إشارة للمصدر، وحتى حقيقة مصاحبته لأديب عملاق، كتب عنها وتفاخر بها، هي مصدر شك وريبة مع شهادات من معاصريه، أنه لم يكن من جلساء الأديب العملاق ذاك!!.
بعد بحث طويل، وجدت أن التجربة القرآنية هي المثال والنموذج، الذي يجب أن يحتذى في الكتابة، فالقرآن لا يؤرخ لأزمنة معينة، ولا لأشخاص وأقوام بعينهم، بل يضعك أمام جوهر القصص بشكل واضح وصريح، وجلي ليصل لك المغزى والعظة منها، فلا تكرر أخطاء الأمم الماضية، وتنطلق في أثر العلم والايمان؛ لتشيد واحة مندوحة من السلام الإنساني، تظللها الأخلاق، ويحتويها العمل والتجربة.
إن أمانة القلم، تقتضي أن نكتب بحرية ما نؤمن به في حينه، فإن أخطأنا بقي الأمر اجتهاداً لا يعيبنا؛ فالمحاولة مرة بعد مرة خير من الركون والانتظار، ليوم نشعر به بالنضوج لن يأتي، ونحن للدعة ساكنون.
كما أن أمانة القلم تستلزم أن نكون على القدر المطلوب من التواضع، حتى يصدقنا الناس، فلا نعيش فصاما نكدا بين الظاهر للناس، والباطن، حتى يحفظ لنا التاريخ صدق رسالتنا، وحسن نوايانا، وسلامة مبتغانا، فنكون مصدر إلهام ونبراسا لكل محبي الخير، ونشر العلوم، والتيسير على الناس، وأن نمتلك ثقافة الاعتذار، وللأسف نماذج كثيرة تعيش هذا الفصام فمثلا:
 -أحد من يدعون اختراعهم لفن شعري جديد على غرار الهايكو مثلا، وما أكثر المخترعين اليوم في عالم الأدب، يعلو ويستأسد على من يمنحهم شهاداته، وأوسمته، ويمن عليهم بوقته الثمين، وقيامه بالعمل وحده دون مساعدة أحد في التعليم والتعليق، والتصميم والتصحيح، ومنح الأوسمة ؟! وكأنه مخترع قدم للبشرية، مالم يقدمه سابقوه، وليس بضع صفحات فيسبوكية هزيلة لا تفهم مغزاها ورسالتها، وبضع مجلات إلكترونية، لا يقرأها أحد!!
-طبيب شهير لا ينفك عن تقديم النصائح على الميديا الإعلامية، وعبر مقالات على الصحف، عن التواضع وحسن السير وضرورة التحلي بالأخلاق، في الوقت الذي إن دخلت على صفحته على الفيس بوك، والتي دشنها لعلاج مرضاه في سابقة الأولى من نوعها في التاريخ، عبر العلاج عن طريق الصور! حيث يتطلب تخصصه الفحص والمناظرة للمريض، ومع ذلك فهو يتلقى صور المرضى؛ ضاربا بخصوصية المرضى عرض الحائط، من أجل تشخيصهم، وكتابة العلاج لهم، وكل هذا تحت عنوان إنسانية طبيب!!. عنوان ساحر بالطبع، سيجذبك إلى التجربة؛ لتجد طريقة من الاستعلاء والمن من جانب الطبيب على المرضى المساكين، بنصف الساعة، التي يستقطعها من وقته الثمين يوميا للرد على استفساراتهم!
إنها أمانة التحرر من الأغراض، وأمانة الصدق مع الذات، ومع الناس كي تنضح نبضات القلم بالصدق والأمانة.