سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

هوية عفرين الكرديّة كانت أولوية الاستهداف بالعدوان والاحتلال جامعة عفرين نموذجاً

 كانت كتابة عبارة “عفرين عربيّة وستبقى عربيّة” يوم اقتحامها من قبل المرتزقة التابعة لأنقرة، تأكيداً على أنّ الهوية الكردية لعفرين هي المستهدفة، وأّنّ كلّ ما تم ترويجه من ذرائع للعدوان مجرد عناوين فضفاضة لتبرير العدوان والاحتلال أمام الرأي العام العالميّ.
خطوة أملتها الضرورة
تم الإعلان عن تأسيسِ جامعة عفرين في 11/10/2015، بعد جهودٍ مضنيةٍ لثلاث سنواتٍ، لتكون أول جامعة في تاريخ المدينة على مستوى مناطق شمال سوريا، واتخذت من مبنى الثانوية الزراعية مقراً لها، وسبق ذلك بإعلان مبكرٍ في 26/7/2015، وفتح باب التسجيل في الشهر التالي مباشرةً.
وضمّتِ الجامعة في بداية تأسيسها كليات (الاقتصاد والهندسة الكهروميكانيكية والآداب ـ قسم اللغة الكرديّة)، وأُلحقت بها سبعة معاهد فنيّة، سبق افتتاحها هي: المعهد الطبي، والمعهد الهندسيّ، ومعهد الحاسوب، والمعهد الإداريّ، والمعهد الزراعيّ، والمعهد الشرعيّ، وكان عدد طلاب الجامعة لدى تأسيس نحو مائتي طالب، وارتفع العدد إلى340 في العام التالي، وأضيفت كليات (الزراعة والطب والإعلام)، وإلى 525 طالب في العام الدراسي 2017ــ 2018 ولم تستكمل السنة الدراسيّة بسبب العدوان التركيّ.
رغم أن تأسيس الجامعة كان خطوة أملتها الضرورة بالنظر إلى انقطاع الطرق وحصار عفرين، واضطرار الأهالي لقطع رحلة سفر لا تقل عن 16ــ20 ساعة من السفر المتواصل محفوفة بالمخاطر واحتمالات الاختطاف والمرور بمناطق الاشتباك المسلح، والمرور على عشرات الحواجز في محافظات إدلب وبادية حماه ومن ثم الدخول إلى الحدود الإداريّة لمحافظة حلب، ومعلوم أن معظم أحياء مدينة حلب في تلك الفترة قد تحولت إلى جبهات قتال، ما أدى توقف الطلاب من أبناء عفرين عن إكمال مسيرة تعليمهم وأصبحتِ الهجرة الحل البديل، ورغم كلّ ذلك تم تداول خبر تأسيس الجامعة بكثير من المبالغة والتأويل السياسيّ غير المبرر، من قبل الأطراف نفسها التي تسببت بحصار المنطقة وقطع الطرقات عنها. ووصل الأمر إلى درجة وصف افتتاح مؤسسة تعليمية بأنها “مغامرة”.

بين الجرأة ورفض الاعتراف
من المعلوم أنّ معيار تأسيس أيّ جامعة في العالم يخضع لمعايير علميّة بالدرجة الأولى تتعلق بالمنهاج والمقررات الدراسيّة، وأما اللغة فهي مجرد وسيط نقل المعارف والعلوم، ولكن في بلدٍ تخضع فيه تفاصيل الحياة للسياسة والشروط الأمنيّة ومركزية التعليم، فقد قوبِلت محاولة التواصل مع جامعة إيبلا الخاصة في إدلب بالرفض من قبل وزارة التعليم العالي الحكوميّة، الأمر نفسه تكرر لدى مراسلة جامعات روسيّة وتركية، فتم التواصل مع جامعات فنلندية رسميّة وكذلك جامعات إقليم كردستان، وتم تعيين كادر التدريس من نخبة من حاملي شهادة الدكتوراه والماجيستير، واعتماد اللغتين العربية والكرديّة في المقرر الدراسيّ، فيما تم زوراً تداول خبر إلغاء اللغة العربية لتحريض مزيدٍ من عوامل الرفض والاحتقان.
 كان تأسيس الجامعة ظاهرة في غاية الاستثنائية، وكان علامة الاستقرار والحالة الآمنة، في بلدٍ كان يشهدُ حالة صراعٍ مسلحٍ على الهوية على كامل مساحته، وكانت تلك خطوةَ البدايةِ فيما الآمال بتوسيع الجامعة وزيادة الفروع الدراسية، وكانت بالمجمل خطوة جريئة تلبي حاجة المجتمع بصرف النظر عن الاعتراف الدوليّ، وقد خاضت العديد من الجامعات في العالم تجربة عدم الاعتراف في بداية تأسيسها، وتم تخصيص أرضٍ بمساحة 50 هكتاراً لتشييد مقرّ دائم للجامعة، على أن يستوعب 10 آلاف طالبٍ في المستقبل.
كان مرد الرفض والاستهجان هو اعتماد اللغة الكرديّة في التعليم في منطقة يُشكلُ الكرد أكثر من 95% من سكانها الأصليين، علماً أنّ تدريس اللغة الكرديّة كان معتمداً لدى المستشرقين الأجانب ويتم تدريسها في جامعات باريس وموسكو وألمانيا.

استهداف هوية عفرين الكرديّة
كانت عبارة “عفرين عربية وستبقى عربية، تأكيداً لرفض الكرد وإنكار حقوقهم الثقافيّة، فيما العدوان والاحتلال والتهجير القسريّ ومن بعد ذلك اعتماد سلطات الاحتلال سياسة التغيير الديمغرافيّ تأكيداً إضافيّاً لرفض الوجود الكرديّ.
منذ البداية عمدت سلطات الاحتلال إلى تجميل صورتها بعد عدوانٍ هجميّ طال المؤسسات والبني التحتية، فتم الترويج لاستعادة الحياةِ صورتها الطبيعية، وأن بإمكان طلاب جامعة عفرين السابقين بإكمال دراستهم، وكذلك الكادر التدريسيّ، ولكن مبنى الجامعة تم تحويله إلى مقر للمجلس المحليّ، وفي 4/4/2018 اختطف مرتزقة “أحرار الشرقية” الدكتور عبد المجيد عزت شيخو، عميد كلية الأدب الكرديّ في جامعة عفرين، بسبب عمله في الجامعة، ونُقل إلى إعزاز ومنها إلى تركيا للتحقيق، وأفرج عنه 26/4/2018.
المشهد الثاني الذي لا يقل في مدلوله عن تلك العبارة، كان بتاريخ 20/5/2019، بتحويل الجامعة إلى مطعم وإمحاء هويتها كصرحٍ تعليميّ، بتنظيم مأدبة إفطار بمناسبة يوم اليتيم العالمي، وأظهرت الصور عشرات الطاولات في فناء الجامعة.
وفرضت سلطات الاحتلال اعتماد اللغة التركية في المناهج الدراسيّة، وضمّنتها دروساً لتمجيد الدولة العثمانيّة وتاريخها والدولة التركيّة، كما زادت من المواد الدينيّة لتكون قناة لنشر التطرف الدينيّ ورفض كل مختلف، مقابل تغييب اللغة والثقافة الكرديّة.
ما تشهده عفرين وبلداتها وقراها للسنة الخامسةِ من تضييقٍ وانتهاكات لحقوق الإنسان، يؤكد أن هوية عفرين الكرديّة كانت ومازالت أولية في العدوان والاحتلال، وتغيير ثقافة المجتمع في أدق التفاصيلِ لصالح سياسة التتريك والتعريب، وخلق مجتمع موالٍ للاحتلال وتكريس التبعية الثقافية والإداريّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة.
وفي سياق التتريك بادرت سلطات الاحتلال في 29/11/2019، إلى افتتاح كلية التربية في مدينة عفرين المحتلة، وربطتها بجامعة “غازي عنتاب”، وضمت ثلاثة فروع دراسية أحدها اللغة التركيّة.
شبكة عفرين بوست