سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ليلى رشو…تجربة الارتحال من صومعة العشق إلى تخوم الواقعية الجديدة

آراس بيراني_

إن أهم مرحلة تجديدية في الشعر الكردي، كانت، وماتزال بتأثيراتها الفكرية والوجدانية كلها، هي المدرسة الكلاسيكية، التي أُسست لاحقاً كمصطلح نقدي توصيفي، وأثرت بشكل عميق في شكل القصيدة الكردية وجوهرها، كانت مدرسة أحمدي خاني (1650-1706) والذي يعد رائداً من رواد الفكر القومي الكردي ومؤسسا لها، بالإضافة إلى قامات أدبية تعدت الشعر نحو الحكمة، والفلسفة كالمولوي والجزيري، المدرسة التي شحنت الشعر بالرموز النورانية، والعشق والإيمان، فالرموز الصوفية وإبراز البعد القومي الوجداني في مرحلة تاريخية، اتصفت بالخنوع، والتسليم لسلطة عثمانية أو صفوية، فأرادوا من خلال الشعر والأدب إبراز القيم الروحية، والافتخار بالتاريخ الكردي، وشخصياته التاريخية، والاعتزاز باللغة الكردية، وقدراتها التعبيرية، وتكللت هذه المدرسة بعد قرون بظهور جكر خوين (1903-1984) الذي شكل شعره نقلة نوعية، وثورة شعرية خاصة فيما يتعلق باللهجة الكرمانجية، فقد أسس نمطية شعرية جديدة، استقت من الرواد الوزن واللغة، ومنحها الروح الواقعية، أو ما عرف بأدب الواقعية الاشتراكية، فكان دوره لا يقل عن غوركي ولوركا ونيرودا وناظم حكمت، قلده الكثيرون من شعراء الكرد المعاصرون، ومازال شعر جكر خوين بأسلوبه، ولغته حاضراً عند أغلب كتاب القصيدة الكردية الكلاسيكية، ليخرج من (معطف) جكر خوين لاحقاً جيل كامل من الشعراء والشاعرات.
والشاعرة الكردية السورية ليلى رشو، تعدّ واحدة من القامات الشعرية الشامخة، التي غرفت من صوفية، وجمالية الجزيري، وخاني، واكتسبت لغة عميقة، رصعت قصائدها بكل ما تمتلكه القصيدة الكردية من سبك ومتانة وايقاع، نهلت من والدها الشاعر إبراهيم رشو قواعد اللغة وأصول الكتابة الشعرية، وساعدتها مخيلتها الفنية والأدبية في رسم الصورة الشعرية، إذ بدأت بالرسم والكتابة القصصية في بداياتها، لتنقتل نحو عالم الشعر، حيث الخيال الواسع لإيمانها العميق إن لغة الشعر هي الأقدر والأكثر تعبيرياً عن مكنونات الروح والفكر، وتأثرت كغيرها من أبناء وبنات جيلها بالشعر الكلاسيكي، وبلغته وصوره، فلم  تتوقف عند تخوم التقليد، بل اتجهت نحو التجديد في حركة تماهي بين لغة الشعر الكلاسيكي الكردي (الكرمانجي)، واتجاهات الحداثة في محاولة للتحرر من صومعة، وروحانية الجزيري وخاني، لونت القصيدة بصبغة جديدة، ضمنتها صوراً شعرية حركية، اعتمدت الطبيعة منطلقا لها في تبيان منحاها الشعري، كما أنها التمست الواقعية المشبوبة بقبسات الصوفيين وواقعية جكر خوين، لتضيف الحالة اليومية المعاشة، وتأثيرات الثورة والحرب، ويمكن اكتشاف ذلك خلال مراجعة اصداراتها الشعرية  “Tava Hêviyan “و “Lale û Peyal”.
 تميزت كتاباتها بالروح الإشراقية، وبذخ اللغة والتماسها الواقع اليومي كأساس تعبيري، وتخلصت من عملية الاستناد والاتكال على ما هو مكرر، وكأنها فراشة تطير بجناحي الشعر قديمة وجديده، وتحلق في فضاءات شعرية مفتوحة، حرة من أسر التقاليد الشعرية، متماهية مع صيرورة الزمن، التي تعلن واقعاً تاريخياً جديداً، له أسلوبه ولغته الشعرية، تكتب القصيدة ضمن مواضيع أكثر قربا وملامسة لوجدانها العاطفي، وتفكيرها في مسارات شجرة الحياة، فكانت للثورة تأثيراتها ومناخاتها ومفرداتها فاقتربت تكتشف إخفاقاتها، وإنجازاتها بروح مسكونة بالتوثب والجرأة والحراك الثوري.
ليلى رشو بلا شك غصن أخضر من شجرة الشعر الكردي، تتطلع نحو فضاءات أكثر تعبيرية، وملامسة للجرح الكردي. ويلمح في تجربتها الكثير من النزف والوجع، والكثير من الفرح والعشق والأمل.