سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

قيم الهواء العالي، وجموح الحريّة

 أحمد ديبو_

أمامنا خطران داهمان، واحد تركي وآخر أسدي، الأولّ يتمثل في عقل عثماني سلطاني إخواني، لم ولن يستوعب أن هيبة الباب العالي ذهبت دون رجعة، والثاني لم ولن يتعلّم قراءة المستقبل الحامل بكوارث، تهدد بزوال الوطن، وما تبقى من أهله.
الخطران داهمان، لكنهما يلتقيان حول نقطة واحدة؛ مسؤولية المثقف، ودوره في صناعة الكينونة غير القطيعية للذات وللمجتمع، وفي اختراع الدروب، وشقها؛ لتكون دروباً نحو الحرية والديمقراطية والعلمانية.
 أمام هكذا أخطار، ليس للمثقف التركي، والمثقف السوري سوى أن يضطلعا بمسؤوليتهما الجوهرية، وأن يمارسا دورهما غير القابل للمساومة، وهذا يعني في ظل السلطات الغاشمة، إما أن يتمكن المثقف من تغيير المعادلات المستتبة، وإما أن “يجبر” السلطات على القبض عليه.
السلطات الغاشمة، لن تقبل التغيير طوعاً، هذا يناقض السلطات، وآليات عملها، وخصوصاً في الأنظمة الدكتاتورية، فالمثقف إذاً، مدعو لحمل السلطات الغاشمة على الانصياع لآليات التغيير؛ بالانتخابات، كحال تركيا، أو بوسائل الضغط المدني المنظم هنا، (لأن كلانا في الهمّ شرقٌ…)، الفنان يقول سارتر، شخصٌ مشتبهٌ فيه، كائناً من يكون، يستطيع، أن يستجوبه، أن يوقفه، وأن يجره إلى المحاكم، أقواله، أعماله، كلّها وجميعها يمكن أن تُستخدم ضده.
بدّل الفنان تحديداً أقول المثقف، وأقصد (أهل الرأي) وخصوصاً منهم أصحاب المواقف الطليعية، والخلاقة، الجريئة الصريحة، والحرة، الاستشهاد يقول جان بول سارتر، هو على خلاف معناه الظاهري “التخديري” دعوة شخصية مني إلى المثقف، كل مثقف، سورياً، كان أم تركياً، أم مجهول الهوية، دعوة غير قابلة للتفاوض والمجاملة، ومراعاة “الظروف الموضوعية”، تطلب منه بتحريض كامل أن يكون شخصاً مشتبهاً فيه في نظر السلطات الغاشمة، السلطات الغاشمة كلها، وفي كل مكان، الآن خصوصاً.
شرف المثقف في هذا المعنى، وفي كل معنى، أن يكون موضع شبهة، وأن يكون ملاحقاً، ومطارداً، وأقلوياً، وهامشياً؛ لأن دوره يتمثّل في أن يكون عضواً معلوماً، وواضحاً ومرئياً ومسموعاً، بل في أن يكون “مزعجاً” ومزلزلاً، وأن يخالف السائد والمستتب، بحثاً عن التغيير: أن يكون فحسب، كينونة المثقف هذه، تتجسد أكثر ما تتجسّد في التعبير عن الرأي الأصعب، والأخطر والأقل “شعبية”، وخصوصاً في اللحظة، التي لا يكون أحد فيها مستعداً للاستماع إلى رأي، أو قادراً على الاعتراف به، حين يكون هذا الرأي مختلفاً، ومخالفاً وعكس التيار!
الاختلاف والمخالفة ليسا مطلوبين في ذاتهما، إنهما ما يجعلان الإنسان، المثقف خصوصاً، شيئاً أكثر من مجرد كونه “حادثاً عرضياً في الكون” (أندريه مالرو)، شيئاً ما يمكنه من أن يكون أكثر من مجرد رقم، وعدد وإضافة في هذا القطيع الكوني المتراصٍ، وهذا أكثر ما نحتاجه الآن نحن شعوب الشرق الأوسط.
أقول الآن؛ لأن اللحظة الوطنية، التي نعيشها هي لحظة كينونة. وأيضاً هي لحظة اختلاف ومخالفة، وبقدر ما نكون قادرين على إحداث الشروخ النوعية داخل الكينونة القطيعية الجماعية، نستطيع أن نتخطى مجرد كوننا “حادثاً عرضياً، أو غلطة، أو اصطداماً” في الكون، وهذا يتطلب من المثقف، إذ يختلف ويخالف، أن يخترع كينونته، لا أن يتلقاها، أو يرثها.
الثقافة لا يمكن أن تورَث، تكسَب فحسب، وهي تكتسب بعرق الجهاد، و“الاختراع”؛ أي بأن يخترع المثقف طريقه (هذا القول هو أيضاً لسارتر)، وأن يمشي هذا الطريق، على أن يخترعه، ويمشيه برأس مرفوع وبهامة عالية وأن يكون أنوفاً (لا متعالياً) من أجل أن يستنشق قيم الهواء العالي، وجموح الحريّة، هنا وهناك وفي أي مكان، نحن الآن أمام امتحان كبير: امتحان أن نكون، وأن نصير أشخاصاً مشتبهاً فينا على الصعيد الوطني والإقليمي، وهذا هو مشتهانا وطموحنا، أي أن نخترع طريقنا ضد السلطات الغاشمة، وأن نختاره بأنفسنا، وأن نمشيه بإباء، وتمايز، باختلاف ومخالفة، وعلى طريقة النهر العاصي، وأن نفعل هذا، وغيره بالعزم الذي لا يخشى التهميش والتنكيل.
الانسجام حين يندرج في القطيعية، يكون عملية قتل، واستئصال هادئة، وطويلة الأمد للمثقف والثقافة، بل وللحياة أيضاً؛ لهذا السبب ربما، أضاف سارتر على معنى اختراع الطريق واختياره، أن يتمكن الإنسان مطلقاً وفي الظروف كلها من أن يختار حياته بالذات، وأن يخترعها، لا أن يكتفي باختراع طريقه، واختياره فحسب. وهما اختراع واختيار يجب أن يتجسدا كل يوم، وهذا هو شرط المصير الإنساني مطلقاً، هذا الاختراع الدائم، اختراع الإنسان الدائم لنفسه، ولحياته، ولطريقه، هو ما يجعله يُحدث كوة ضوئية في دهليز المصير البشري المعتم، هذه الكوة وجسدها تخلخل الكينونة القطيعية، وتفتح أثلاماً وشروخاً داخل المستتب الفردي، والكوني.
الحياة إذاً، حياتنا بالذات: هي التي يجب أن تُختار وتُخترع، المثقف الخلاق والحر، المخالف والمختلف، المزعج والمثير لشغب القلق، هو الذي يخترع لنا حيل الحياة، ويقترح الدروب ويشقّها، إنه كينونة واختراع، وهذان لا يكونان إلا بإحداث الشروخ داخل الذات الفردية، بل وأيضاً داخل الكينونة القطيعية، السياسية والمجتمعية.
الآن، في سوريا وتركيا، المثقف مدعو أكثر من أي وقت مضى، إلى أن يكون ذاته، وإلى أن يخترعها، ويشقّ الدروب إليها وأمامها، المثقف مدعو على غرار الضحايا، إلى أن يتمرّد على جلاديه، إذ ليس أكره من الضحايا الذين يحترمون جلاديهم (سارتر)، هذا التمرد لا يكون مثمراً إلا بطلب الحرية الكاملة لشعوب المنطقة كلها، وإن كان ذلك يتطلّب من المثقف، أن يغامر بتحدي السجن الصغير/ الكبير: أن يغامر بالخروج من السجن… وإن بالدخول إليه من أجل تحطيمه.