سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الإعلام الحرّ بين الكلمة الحرة، ورهان المستقبل

آزاد كردي_

من الإنصاف القول: إن الإعلام بمناطق شمال وشرق سوريا، وصل إلى مرحلة من النمو والنضوج، وعلى أية حال لا يختلف اثنان، أن هذا الأمر لم ير النور إلا بعد سنوات عجاف، وجهد جهيد.
أمعنت حكومة دمشق، التي تسيطر على مقاليد الحكم فيها منذ خمسين عاماً، الأسد الأب، ومن بعده الأسد الابن، في بث خطاب الفرقة والتفرقة، وتفنن في تلوين التمايز الديموغرافي، والطبقي من منطقة إلى أخرى، ولا شك أن منطقة شمال وشرق سوريا، ضمن هذه الحسابات العملياتية العنصرية.
 لقد عُدّت هذه المنطقة وفق منظور السلطة من الدرجة الثانية، بل يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك، بأنها مهضومة الحق إدارياً وسياسياً، وينظر إليها بأن سكانها محكومون بعرف البداوة، وضمن هذه المنطقة يتم تجاهل السكان عمداً ببعض الفوارق، التي تخدم أجندته، حتى وإن تطلب الأمر شيوع الجهل والتخلف، ولعل أهم ما حُرمت منه هذه المنطقة النواحي السياسية، والتعليمية، والاقتصادية، وغيرها.
ومن المتفق عليه، أن هذه المنطقة حُرمت من الأهم، وهو الإعلام، فالجزيرة السورية (منطقة شمال وشرق سوريا)، التي تديرها الإدارة الذاتية، كان لها الفضل في كسر النمطية السائدة وقتئذٍ، وأولى إنجازاتها الحفاوة بما يعنيه الإعلام، وأهميته، وضرورته كعامل رئيسي لدمقرطة سوريا المستقبلية، ومن إسهامات الإعلام الجلية، وببساطتها، الخروج من قوقعة الأبواق الرسمية، التي تبجل السلطة وأهدافها، والحقيقة أن لا نهضة ترتجى من أي مشروع تنموي، في ظل حجب شمسه عنه، وتكميم الأفواه.
ومع انطلاق الحراك الثوري السوري في عام 2011 كان للإعلام المحلي، وتنسيقات الثورة دور في هز هرم السلطة وأزلامها، ولأول مرة آنذاك يطرح الإعلام كمواز للسلاح، إلا أن الحال تغير مع سيطرة المرتزقة، فداعش أحسن استثمار الإعلام من خلال نشاطه الإرهابي، والسيطرة على العقول قبل السيطرة على الأرض، ونافس بإصداراته المرئية الوحشية، وأناشيده كبرى الأفلام السينمائية العالمية، ولولا الخبرة الإعلامية، لما تمكن من إحداث هذا الفارق.
وأولت الإدارة الذاتية الإعلام أهمية كبرى، من منطلق إحداث صيرورة سياسية، واجتماعية واقتصادية، طالما كانت في فترة سابقة مغيبة، وبحاجة إلى تغيير بنيوي ديمقراطي حقيقي، يرتكز على أسس ليبرالية.
ومن الواضح أن الأطراف السورية كلها، اعتمدت على النشاط الإعلامي قبل كل شيء، كركيزة لا مناص منها. وبدا أن الصراع فيما بينها لن يكون عسكرياً أكثر من كونه -بدرجة أكبر موجهاً لشريحة أوسع- إعلامياً، وباتت هذه الأطراف تتغذى من أجندة خارجية، ووفق تجاذبات دولية، حتى الحل السوري صار بعيد المنال.
 وعلى ضوء ذلك، فحكومة دمشق تراهن على حسم الأزمة السورية بالاتجاه العسكري، لكن ذلك لا يمنعها في الوسائل الإعلامية من اعتبار ما حدث مؤامرة كونية، ويحاول الإعلام أن يبث أوهامه، والإغماض عن الدمار الهائل، وفبركة ما يجري على كون الأسد هو المدافع والحامي للبلاد، ولذا فالخطاب الإعلامي يكرس في الواقع ضمن شعار «الأسد أو نحرق البلد» ولا أمل له من فواق.
أما المعارضة المسلحة، فهي الأخرى ليست أفضل حالاً من الأسد، إذ تعيش هذه المعارضة انفصاماً مع نفسها، فيخيل لها أنها حققت انتصاراً، بينما يتضح شتاتها، ولا تدرك بالمرة فشلها تماماً، وما يعيب قصور الإعلام لديها غياب المشروع السياسي الواضح، فضلاً إلى خطاب التخوين، ونحا الإعلام في ذلك المنحى الوظيفي، الذي يعزز من دور رعاته، لا التوجيه لرعاية الشعب وفق منظورين:
الأول: تضخيم صورة قيادات الصف الأول من المعارضة السياسية، أو المسلحة، وتبييض وجوههم إزاء القصور في الجانبين السابقين، وصار الإعلام بناء على ذلك بوقاً يردد إملاءات السلطة، رغم أن الانفلات الأمني ينخر المفاصل السياسية، والعسكرية النخبوية كلها.
الثاني: نقل أدلجة حزب العدالة والتنمية التركي، ويتم توظيف الخطاب الإخواني عبر وسائل إعلام كثيرة، رغم أن هذا الخطاب هو ما أجج الصراع، والاقتتال على الأرض، وتمعن دولة الاحتلال التركي في توجيه الشعب الى أوهام زائفة، مثل: أن الرئيس التركي أردوغان، زعيم العالم الإسلامي، فالإعلام تحول إلى صهوة يمتطيه الاحتلال التركي رغبة منه إيجاد حاضنة له في البلدان، التي يصل إليها في فلسطين، وليبيا، وقطر، وسوريا من خلال الفصائل المسلحة الراديكالية، ناهيك عن التسييس الشديد المبطن للأخبار كلها، وفي هذا الصدد فهو لا يمانع من تزييف الحقائق، ونشر التضليل، ويضمنها معلومات مزيفة «لا تسمن ولا تغني من جوع»، وهو كبيت شعر جرير حين قال: «فغض الطرف أنك من نمير   فلا كعباً بلغت ولا كلابا».
وبالعودة إلى الإعلام في الإدارة الذاتية، فلا شك أن هناك تطوراً غير مسبوق، رغم العمر القصير، لكن علينا ألا نتوقف إلى هذا الحد، بل ينبغي العمل على تطويره، وإلا ستصيبه الشيخوخة والهرم قبل الأوان.
ومن حيث المبدأ، أن إعلام الإدارة الذاتية استطاع خلال ردح من الزمن خلق الصورة الحقيقية في مجتمعنا، الذي عاش، ويعيش أصعب أوقاته العجاف في ظل استمرار الأزمة السورية؛ ونتيجة للوسط الديمقراطي السليم وقانون إعلام مرن، ومتطور، انتشرت عشرات الوسائل الإعلامية في مناطق شمال وشرق سوريا، تصدح بالحقيقة، وتعلي من شأن الحرية، بل ربما كانت هذه الميزة الحاضر الغائب في إعلام الآخرين.