سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ما بعد استقالة “الصدريين” من برلمان العراق

خورشيد دلي_

واهمٌ من يعتقد أن استقالة النواب الصدريين من البرلمان ستؤدي لانسحابهم من الحياة السياسية، وفتح الطريق إلى الموالين لإيران لحكم العراق من جديد.
فالخطوة، التي جاءت بعد ثمانية أشهر من الانتخابات البرلمانية المبكرة، ووصول جهود تشكيل حكومة أغلبية إلى انسداد سياسي، نقلت الحياة السياسية في العراق إلى مرحلة أشد تعقيدا، تحمل معها سيناريوهات كثيرة، ومتداخلة، ومعقدة، في جميعها ملامح عدم الاستقرار مستقبلا.
مقتدى الصدر، المعروف بقدرته على المفاجآت، وصنع التحالفات، وتحريك الشارع، أراد من هذه الخطوة قلب الطاولة من أجل فتح مسار جديد أمام تشكيل حكومة أغلبية في ظل رفضه القاطع لتشكيل حكومة توافقية، لكن خطوة “الصدر” هذه تحمل مسارات صعبة، لعل أهمها:
أولا- الانتقال إلى المعارضة للتصعيد في الشارع، فبعد الفشل في انتخاب رئيس جديد للبلاد، وبالتالي الفشل في تشكيل حكومة جديدة، ووصول جهود “الصدر” لتشكيل حكومة أغلبية إلى انسداد سياسي، رأى “الصدر” أن الانتقال إلى المعارضة أفضل طريقة لتحريك الشارع بشكل أقوى في مواجهة القوى المتمسكة بالسلطة، على شكل ثورة في الشارع، خاصة بعد أن كسب “الصدر” تعاطف العراقيين، مع إقرار قانون الأمن الغذائي في البرلمان، وسط مؤشرات تؤكد إعداده المسبق لهذا السيناريو.
ثانيا- ممارسة ضغط غير مسبوق على “الإطار التنسيقي” للقبول بحكومة أغلبية، ويُستمد هذا السيناريو من السيناريو الأول، على اعتبار أن الشارع، الذي عاقب الموالين لإيران عبر التصويت في الانتخابات، هو الوحيد القادر على إفشال مساعيهم للبقاء في السلطة، رغم أن هذا السيناريو قد يفجّر الشارع، ويدفع بالبلاد إلى حالة جديدة من الفوضى الأمنية، لكن التيار الصدري، الذي يجيد اللعب السياسي في الشارع، بات يدرك أن غضب هذا الشارع يكاد يشكل الخوف الأكبر للموالين لإيران للحفاظ على أنفسهم.
ثالثا- أن التيار الصدري، الذي فاز بأكبر عدد من الأصوات في البرلمان، ويحظى برصيد كبير في الشارع، ويرى أنه حقق إنجازا شعبيا مهما بإقرار قانون الأمن الغذائي، يعتقد أنه باستقالته من البرلمان يمهد لحل البرلمان والتوجه إلى انتخابات مبكرة جديدة يحقق فيها أغلبية مطلقة ولا ينازعه أحد في تشكيل حكومة، ما دام في أوج قوته، كما أنه قادر على الحفاظ على تحالف “إنقاذ وطن – كتلة تقدم”، الذي يجمع “الصدر والبارزاني والحلبوسي والخنجر”، بل إن موافقة “الحلبوسي” على استقالة نواب الكتلة الصدرية بدت كأنها في إطار تنسيق مسبق بين أطراف هذا التحالف.
دون شك، لن تقف أحزاب الموالاة لإيران متفرجة على خطوة “الصدر”، التي كان وقعها بمثابة زلزال سياسي في العراق، خاصة أن الموالين لإيران فشلوا في تشكيل حكومة بعد أن دعاهم “الصدر” إلى ذلك، عقب إعلانه التوجه إلى المعارضة في وقت سابق، وعليه سيلجأ الموالون لإيران إلى ما يمكن تسميته بـ”الخطوات القانونية”، عبر القول إن استقالة النواب الصدريين تحتاج إلى تصويت في البرلمان، ومن ثم إلى مصادقة المحكمة الاتحادية العليا، وغير ذلك من الخطوات، لكن كل ذلك لن يغير من المعادلة شيئا ما دام “الصدر” هو من رسم هذا السيناريو، ويصنع خطواته بعناية في كل مرحلة، فكسر الجمود، الذي أصاب العملية السياسية في العراق بات يتطلب من صانع السياسة في العراق، “الصدر”، الدفع بسيناريو أو سيناريوهات جديدة لإخراج العراق من الانسداد السياسي، بفعل نهج التعطيل، الذي مارسه الموالون لإيران منذ البداية، إذ إن لسان حالهم يقول إما أن أبقى في السلطة، مع الحفاظ على المصالح الشخصية، والحزبية، والطائفية على حساب المصالح الوطنية والعامة، أو الخراب، وهم في سبيل ذلك طعنوا في نتائج الانتخابات منذ اللحظة الأولى لإعلانها، ونزلوا إلى الشارع، وأمنوا ما أسموه بـ”الثلث الضامن”، الذي هو في الحقيقة “الثلث المعطّل”، الذي أوصل البلاد إلى حالة انسداد.
من كل ما سبق جاءت خطوات “الصدر” للخروج من الأزمة، ولو كلف ذلك العراقيين مخاطر كبيرة على أمنهم، واستقرارهم، ولقمة عيشهم.