سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

“دورا أوروبوس”… ميناء تدمر على الفرات

تقع أطلال “دورا أوروبوس” على الضفة اليمنى الغربية من نهر الفرات، على بعد 90 كيلو متراً إلى الجنوب الشرقي من مدينة دير الزور السورية، و140 ميلاً عن مدينة تدمر إلى الشرق، ويعود تاريخ المدينة إلى 300 سنة قبل الميلاد.
و”دورا” لفظة سامية آشورية، تعني قلعة أو حصناً أو محلة، وفي العصر المقدوني أضيف إليها لفظة “أوروبوس”، وتعني مدينة، وقيل إن “دورا” المقدونية، هي المدينة، التي ولد فيها سلوقس الأول (نيكاتور)، أما في سوريا، فقد سميت قبل العصر اليوناني “دورا”، ثم “دورا نيكانورس”، وسماها اليونان “دورا أوروبوس”، أما في الزمن العربي فأطلق عليها تسمية “الصالحية” نسبةً إلى الفرات، ويقال: إنها سميت “صالحية الفرات” لوجود قرية في جنوبها تدعى الصالحية، وهي من قرى قضاء البوكمال السوري، في منتصف الطريق بين البوكمال والميادين.
موقع استراتيجي منيع
بُنيت المدينة على هضبة طبيعية مرتفعة، ومعزولة من جهاتها الثلاث بأودية، والفرات يجري من تحتها من جهة الشمال، لا يمكن بلوغها إلا من الجهة الغربية المحصنة بسور دفاعي، وهي تطل على النهر والصحراء في آنٍ واحدٍ، فتتمتع بمركز استراتيجي مهم، وموقع جغرافي واقتصادي ممتاز على ضفة الفرات الغربية، كما أعطاها قربها من الحدود السورية والعراقية ميزة عسكرية على مر العصور، ولذا عرفت ازدهاراً تجارياً عظيماً، وازداد عمرانها.
إلا أن البداية الدقيقة لـ”دورا أوروبوس” مجهولة، لكن يُذكر، أنها كانت جزءاً من المملكة السلوقية، وإحدى حواضرها، وقلعة من قلاع الدفاع عنها، ومحطة هامة على طريق التجارة بين الخليج العربي، وسوريا، والبحر المتوسط.
 ويقال: إن “نيكاتور” نفسه هو الذي أحاط المدينة بسور؛ ليحميها من الأخطار، التي يمكن أن تتعرض لها، وتعدّ أسوار “دورا أوروبوس” وأبراجها نموذجاً فريداً للمنشآت العسكرية.
مخطط المدينة
خططت المدينة على شكل رقعة شطرنج تخترقها شوارع منتظمة متقاطعة بزوايا قائمة، فتمر فيها شوارع بشكل طولي مع شارع رئيس في الوسط، وتتقاطع هذه الشوارع مع عدد من الشوارع الممتدة بالعرض.
للمدينة ثلاثة أبواب، الأول في طرفها الغربي المطل على الصحراء، ويسمى “بوابة تدمر”، والثاني من جهة النهر، والثالث في جنوبها، ويشرف على الوادي الكبير، ولم يبقَ من أبواب المدينة إلا الباب الغربي المشرف على الصحراء، ويحده برجان بارزان في كل منهما بابان متداخلان، يعلوهما قوس مدور، وارتفاعهما 11 متراً.
أحيطت المدينة بأسوار مبنية بأحجار كلسية مقطوعة من مقالع قريبة، عدا الزاوية الشمالية الغربية، وهي ممتدة على شكل مضلع غير منتظم، ومدعمة بأبراج قوية مربعة، ومستطيلة الشكل، ويتألف كل برج من طابقين أو أكثر، وأشهرها برج رماة الرماح، وبرج التدمريين، وبرج خماسي الأضلاع في السور الجنوبي، الذي يُعد من أجمل وأكثر الآثار الهلنستية نُدرةً في سوريا.
ملتقى حضارات
كانت “دورا” بؤرةً اجتماعية خلاقة، جمعت شعوباً وثقافات عدة، من مختلف الأديان، حتى يقال، إن خمسة أديان اجتمعت فيها، وعاشت معاً في جو من التسامح والعيش المشترك، فقد عُثر فيها على سويات تاريخية من الفترة الآشورية والهلنستية، والرومانية والإسلامية، واكتشف فيها معابد، وبيوت أثرية، وكنيس، وكنيسة.
وبلغ عدد سكانها نحو عشرين ألفاً، وكانوا خليطاً من عناصر ديانات شتى، وكثر عدد الساميين فيها، واختلطوا بالمقدونيين والإغريق، وحملت إليها هذه العناصر لغاتها، وآدابها، وفنونها، وآلهتها، وعاداتها، فكان سكانها خليطاً من اليونانيين، والمقدونيين، والتدمريين، والرومانيين، والفرس، والأرمن، والآراميين السوريين، ومن عناصر أخرى قليلة كانت تأتيها مع القوافل التجارية، التي تمر بها، ونجد فيها تأثيرات يونانية وبارثية ورومانية وتدمرية، وكتابات من هذه اللغات.
تأثيرات تدمرية
اكتشفت المدينة لأول مرة في عام 1920، ودلت الحفريات المتتالية في موقعها على أنها كانت مسكونة من قبل قبائل عربية في الألف الثاني قبل الميلاد، وذُكر في بعض المراجع أن “دورا” شُيّدت في عهد سلوقس نيكاتور، على اسم المدينة، التي وُلد فيها في مقدونيا، ولما ضعفت المملكة السلوقية استولى البارثيون أو الفرثيون (حكام إيران) على المدينة في آخر القرن الثاني قبل الميلاد، وظلت في أيديهم لما يقارب من 200 سنة.
وعندما احتل الرومان سوريا، لم يمتد نفوذهم إليها، لأنها كانت على الحدود بين سوريا وفارس، وخضعت لتغيرات مختلفة جعلتها غير مستقرة، حتى احتلها جيش تدمر في القرن الثاني بعد الميلاد، ومنذ ذلك العهد ارتبط مصيرها بتدمر التي أخذت تزدهر بفضل التجارة، وأصبحت “دورا” ميناءً لتدمر على الفرات، وسكنت فيها جالية تدمرية كبيرة، وقد أثرت فيها المدينة التدمرية تأثيراً بالغاً، ظهر في معابدها وتصاويرها ودياناتها، وارتبطت بها إلى حين سقوط تدمر بيد الإمبراطور أورليانوس في عام 273م.
مكتشفات المدينة
وكشفت التنقيبات عن مبانٍ، ومنشآت مهمة عدة مثل أغوراً، ومعابد وكنائس وقوس نصر، ومقر للحاكم العسكري، وساحة وسوق تجارية، وحمامات، وأبراج، وشوارع رئيسة يعود إنشاؤها إلى العهد اليوناني، ومقابر خارج سورها الغربي، وهي على نموذج مقابر تدمر الأرضية والبرجية، وأهمها مقبرة برجية تقع خارج المدينة، عند باب تدمر من الجهة الغربية، ودور سكنية تتضمن باحة داخلية، ومنازل للطبقة الخاصة، زينت أفاريز بعضها برسومات مأخوذة من الفن اليوناني.
كما كشفت الحفريات عن وجود مسرح في “دورا أوروبوس”، شأنها شأن المدن السورية في العهد الروماني، لكن مسرح “دورا” يختلف عن مسارح المدن الكبيرة، فقد اتصف بناؤه بشيء من الاستقلال في الأسلوب المعماري، فهو صغير المساحة ممتد على شكل نصف دائرة، وليس له منصة، وله أربعة أدراج، وثمانية صفوف من المقاعد المغطاة بالقرميد، ويعتقد أنه كان من نوع الأوديون (للحفلات الموسيقية)، إضافة إلى كونه مخصصاً للطقوس الدينية، فهو يظهر كقصر يوناني روماني، متحد مع معبد له باحة واسعة.
دور العبادة
كانت “دورا” تشتهر بكثرة المعابد فيها، والتي تمثل جميع الديانات الوثنية والتوحيدية، وهذا دليل على قدم المدينة، ومن سكنها من أقوام وشعوب تمتعت بالتسامح الديني، وحلاوة العيش المشترك، فكشف فيها عن هياكل الآلهة التدمريين وهيكل جوبيتر، دوليخنوس، وهيكل هدد (المكافئ للإله اليوناني زيوس). وامتزجت فيها المعبودات الإغريقية والبربرية.
ومن معابدها، معبد آرتيميس ناناثا، المعروف في وسطها، والذي يرجع تاريخه إلى تأسيس المدينة، ومعبد ثيوس، ومعبد الإلهة أفروديت، ومنزل الكهان واترغاتس عشتار، ومعبد زيوس كريوس الشهير المربع الشكل، والذي كان يستند إلى سور المدينة، ويتطابق مع معبد بعلشمين في المنطقة ذاتها، إضافة إلى الكنيسة المسيحية المزينة بقطع تصويرية، يمثل بعضها “الراعي الصالح”، ووُجدت فيها حجرتا هيكلين وزقورة (برج) وميدان روماني.
الكنيس والقلعة
كما عثر بجانب السور على كنيس، تشير الدراسات إلى أنه بُني فوق كنيس أقدم، يرجع تاريخه إلى زمن استيلاء روما على المدينة سنة 165م، طُليت جدرانه، وصورت عليها مشاهد من التوراة، وبعض الزخارف، ويظهر من رسمها تأثيرات الفنون الشرقية والإغريقية، وكان فنانو المدينة يتوخون الوضوح والاتزان الفني، وتتجلى قيمة هذه الرسوم بشكل أساسي في قدمها، إذ لم يعثر على ما يماثلها في القدم، وقد نقلت هذه الرسوم إلى المتحف الوطني بدمشق، وهدم الكنيس سنة 256م، عندما حاصر الفرس المدينة لوقوعه بالقرب من أسوارها.
كما توجد في طرف المدينة في الجهة الشرقية المطلة على الفرات، قلعة مبنية بأحجار تشبه أحجار السور، ومفصولة عن بقية أحياء المدينة بخندق طبيعي، عبارةً عن وادٍ عرضه 100 متر، وهي على شكل مستطيل في كل زاوية من زواياها برج، وغُطي بعض جدرانها بالرسوم، والقلعة ذات تخطيط شرقي، ولا يُعلم تاريخ بنائها بشكل دقيق، ووراء القلعة يقع حصن مهدم لم يبقَ منه إلا بعض أسواره.
مساهمة فنية
وكانت لفنون “دورا” كغيرها من المدن الفراتية القديمة مساهمة كبرى في تاريخ الفنون، فقد كشفت الحفريات عن كميات كبيرة من الخزف الأصفر الفاقع والأصفر الضارب إلى الرمادي، والأخضر المصقول المائل إلى الزرقة بأشكال متعددة، ويوجد بعضها في متحف دمشق على شكل جرار، وعلى بعضها نقوش بسيطة، ويرجع تاريخ استعمال الخزف في “دورا” إلى القرن الأول ق.م، كما وجدت فيها بعض النقود في القبور، التي يعود تاريخها إلى زمن أنطيوخوس، وبعضها لعهد الإمبراطور تراجان، كما وُجدت فيها آثار فنية أخرى، وبعض الأساور، والحلي، والعقود، والخواتم، وأمشاط ودروع من الجلد وبقايا قمشة وسرج حصان من البرونز، ومباخر ودُمى طينية وتماثيل ومنحوتات، وأوانٍ زجاجية وفخارية.
والجدير ذكره أن المدينة اكتُشفت على يد بعثة أميركية نقلت بناء الكنيسة، التي وجدت فيها إلى أميركا، ونقل بناء الكنيس إلى المتحف الوطني السوري، وأعيد إنشاؤه فيه، وقسمت اللقى بين أميركا والمتحف الوطني.
وفي المتحف الوطني في دمشق قاعة خاصة بـ”دورا أوروبوس” فيها لوحة جدارية كبيرة ملونة تمثل العبادة الوثنية، بحسب الطقوس التدمرية، وفيها لوحات أخرى لآلهة الديانات القديمة، كما يعرض في القاعة سرج حصان مؤلف من رقائق نحاسية، وأوانٍ خزفية والكثير من الحلي الهامة.
أما في المتحف الوطني بحلب فتُعرَض مجموعة ثمينة من الآثار، التي وُجدت في “صالحية الفرات”، ويعود تاريخها إلى القرون الميلادية الأولى، وتشمل لوحات حجرية منقوشة، وصوراً ومجموعة كبيرة من الأواني الخزفية الملونة، ذات أشكال متعددة، وصورة حفلة دينية وُجدت على جدران معبد الآلهة التدمرية.
وكالات