سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

​​​​​​​رمضان حمزة: تركيا تستخدم المياه سلاحاً صامتاً في الحرب على شعوب المنطقة

أوضح سكرتير الرابطة الدولية لجيولوجيا المياه، رمضان حمزة، أن سوريا والعراق سيواجهان جفافاً غير طبيعي؛ بسبب إحكام تركيا سيطرتها على تدفقات نهر الفرات بالكامل، واستخدام النهر سلاحاً صامتاً للحرب على شعوب المنطقة، وأكد، أن دولة الاحتلال التركي، تحبس المياه منذ ستة عشر شهراً عن الأراضي السورية؛ ما ينذر بكارثة تهدد الملايين من سكان سوريا والعراق.
يعدّ نهر الفرات عصب الحياة في سوريا والعراق، وهو مهدد حالياً بالشحّ والندرة، ما قد ينتج كوارث مزدوجة بيئية وإنسانية؛ في ظل الظروف السياسية غير المستقرة في البلدين، والذي منع قيام تحديث لأنظمة الري في الدولتين، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة؛ لغرض تقنين استخدام المياه، وفرض تركيا هيمنتها على النهر؛ جاء نتيجة ضعف الإرادة السياسية لدمشق وبغداد، فالمشاريع التركية ضمن مشروع “الكاب” تتعارض مع أحكام قوانين مياه الأنهار الدولية، والبروتوكولات الخاصة بالتعامل مع الحصص المائية للأنهار الدولية، المشتركة بين الدول.
حول ذلك أجرت وكالة هاوار حواراً مع سكرتير الرابطة الدولية لجيولوجيا المياه رمضان حمزة، وفيما يلي نص الحوار:
ما الأهمية، التي يشكلها نهر الفرات فيما يتعلق بسوريا والعراق؟
تكمن أهمية نهر الفرات لسوريا والعراق، في أنه عصب الحياة لكل منهما، ومنذ منتصف الستينات، خططت تركيا لإنشاء سدود رئيسة للاستفادة من مياه نهر الفرات، وقد تم بالفعل بناء سد كيبان في تركيا، وخططت تركيا لأعمال هيدروليكية رئيسة أخرى على طول عمود نهر الفرات وروافده داخل حدودها السياسية، وعندما تعمل مشاريع الري المرتبطة بهذه المخططات بشكل كامل، كما هو الآن، يتوجب على تركيا المحافظة على نسبة تدفق المياه في النهر ضمن المستوى المحدد في اتفاقيات بين سوريا والعراق وتركيا، وألا تحجز تركيا مياه النهر؛ ما يشكل خطرا  كارثيا لسوريا والعراق.
ومن المرجح أن يكون البلدان هما الأكثر معاناة؛ نتيجة لذلك، ويكون التأثير أشد على العراق؛ لأنه يشكل بلد المصب للنهر، فيبدو أن الحل الدائم، والوحيد للمشكلة، هو إنشاء هيئة دولية للإشراف على التوزيع العادل للموارد المائية لنهر الفرات بين تركيا وسوريا والعراق، في الوقت الحاضر يبدو من غير المحتمل أن يتم التوصل إلى اتفاق دائم بين الدول الثلاث.

-خلال السنوات الماضية، وإلى اليوم خفّضت الدولة التركية منسوب مياه نهر الفرات، بمعدل 60% من الكمية المتفق عليها، ما تأثيرات هذه الممارسات على الشعبين السوري والعراقي في الوقت الحالي؟
إن سياسات الحكومة التركية، فيما يتعلّق بالتحكّم بمنسوب مياه نهري دجلة والفرات هو خرق واضح لأبسط حقوق الإنسان، وأحكام القانون الدولي، فيما يتعلق بحصة وحقوق الدول المتشاركة في الأنهار، وإن عدم التنسيق والتفاهم مع الدولتين الجارتين المعنيتين بهذا الموضوع، أي سوريا والعراق، ستفرز نتائج كارثية على البلدين، حيث أصبح منسوب هذين النهرين في كل من العراق وسوريا ضحلاَ وسطحياً؛ ما يضاعف من حالة الجفاف المترافقة مع شح مياه الأمطار؛ نتيجة تغيرات المناخ، حيث سيفقد الكثير من سكان الريف المعتمدين على الزراعة والثروة الحيوانية مصادر رزقهم، وبالتالي هذا يسبب في زعزعة الاستقرار المجتمعي جراء تزايد، وتكرار مواسم الجفاف والقحط؛ الأمر الذي يؤدي بالمزارعين إلى النزوح الداخلي، والسكن في هوامش المدن الرئيسة القريبة من قراهم، وهذا يشكل واقعا مجتمعيا مدنيا، ويخلق أزمات مالية حادة تؤدي إلى اقتراب كثير من الفئات المجتمعية من خط الفقر وتتحول المزارع إلى مشاريع خدمية أخرى؛ ما يغير من خطط التنمية.
-في حال استمرار سلوك الدولة التركية المحتلة، ما تأثيرات ذلك في المدى البعيد؟
يجب تحميل تركيا دولياً مسؤولية شح المياه في سوريا والعراق، حيث قامت بتخفيض منسوب تدفق الفرات من 500 متر مكعب في الثانية، والذي نصت عليه الاتفاقية المبرمة بين سوريا وتركيا عام 1987 إلى 200 متر مكعب في الثانية، ما يُعدّ جريمة حقيقية في حق الشعبين السوري والعراقي،  وأن سيطرة تركيا على محطة مياه “علوك” الرئيسة التي تضخّ المياه إلى مدينة الحسكة، كانت إشارة واضحة باستخدام تركيا المياه سلاحاً في حربها للاستحواذ على نهر الفرات، على الأقل داخل الاراضي السورية؛ لتقوم بالتالي بالمساومة على مياه هذا النهر سياسياً عبر تحكمها بالوارد المائي؛ لزعزعة الاستقرار في المنطقة، ما يفسّر تخفيضها تدفق نهر الفرات، حيث أن من المعروف استخدام المياه سلاحا لحرب غير معلنة، هو الأخطر من جميع الجوانب، والحاجة الى إنقاذ سكان البلدين مرهون بتحرك شعبي، وحكومي يعقبه تحرك دولي للأمم المتحدة، والمنظمات الدولية المعنية بشؤون الإنسان والمياه والزراعة والبيئة، على الأقل للتخفيف من شحّ المياه والجفاف، الذي يهدّد البلدين، و يهدد أمنهما الغذائي.

-ما مدى التزام أنقرة بالقوانين الدولية، فيما يخص الأنهر العابرة للحدود، والتفاهمات المبرمة مع دمشق وبغداد، وكيف يمكن قراءة دور المنظمات الحقوقية الدولية المتجاهلة للملف؟
مع شديد الأسف، تركيا لا تعترف بالقوانين الدولية، التي تنظم شؤون هذه الأنهار، وأنها لم توقع على الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة لعام 1997، والخاصة بالأنهار الدولية المشتركة غير الملاحية، وهي تكيل بمكيالين؛ فمن جهة تطالب سوريا بحقوقها في نهر العاصي، وكذلك مع بلغاريا واليونان وجورجيا؛ كونها دولة مصب، ولكن تفرض سيادتها على حوضي نهري دجلة والفرات، وهذا يعود إلى ضعف الإرادة السياسية لدى سوريا والعراق. والمنظمات الحقوقية الدولية، لا تستطيع إنجاز مهمة ما لم يطلب منها رسمياً المساعدة في هذا المجال.
منع تدفق مياه نهر الفرات إلى سوريا والعراق، هو سلاح تركيا الصامت، وخاصة في شمال وشرق سوريا؛ ما ينذر بكوارث بيئية وإنسانية، تركيا استفادت، وبمكر وخداع سياسي، لصالحها ومن منطلق جيوسياسي للاحتلال، وبناءً على معظم المعطيات الطبيعية والبشرية، فإن سوريا والعراق، وخاصة شمال شرق سوريا، سيواجهان جفافاً غير طبيعي؛ بسبب إحكام تركيا سيطرتها على تدفقات نهر الفرات بالكامل، لذلك، فإن أكثر من 50 في المائة من المنطقة ستعاني بالفعل من جفاف شديد، وخزانات السدود السورية والعراقية شبه فارغة؛ لأن مخزونها الاستراتيجي تدنى إلى مستويات منخفضة قياسية، والعيون والينابيع التي كانت مصدر مياه شرب وزراعة للكثير من القرى والأرياف، لم تعد كما كانت في السنوات السابقة.
وما يُؤسَف له أيضاً هو دعم الإسراع في إنجاز مشاريع تركيا مالياً، وفنياً وسياسياً من قبل الغرب، وحتى بعض منظمات الأمم المتحدة، التي من المفروض أن يكون عملها الحفاظ على بيئة الأنهار، وفق مقررات مؤتمرات قمة الأرض في ريو دي جانيرو، وغيرها.
هل تستغل الدولة التركية الفوضى الأمنية في العراق، والحرب في سوريا، في تحويل الأنهار المتدفقة من أنهار دولية إلى أنهار تركية، فتُسيّر سياستها واستراتيجيتها، وفقاً لذلك، وبالتالي فرض هيمنتها على المنطقة؟
نعم وبكل تأكيد، ولولا هذه الفوضى، التي خلقتها تركيا في المنطقة، وأشعلت نار حروب أهلية؛ لما كان بمقدورها أن تستغل الملف المائي في ابتزاز سياسي في المنطقة، وتفريغ الريف السوري والعراقي من سكانه، وخاصة سكان أهوار العراق؛ ليرتفع بهذا الإجراء سكان المدن إلى نسب عالية لتثير الفوضى، نتيجة البطالة والفقر، وتفشي الجهل، وإفشال خطط التنمية في الريف، وخاصة في القطاع الزراعي، و المشاريع التركية كافة تندرج ضمن مشروع “الكاب” الذي يتعارض مع أحكام قوانين المياه والأنهار الدولية، و مع البروتوكولات الخاصة بالتعامل مع الحصص المائية للأنهار الدولية المشتركة بين الدول، وكذلك تتعارض مع مبدأ الحفاظ على المقومات البيئة للأنهار من المنبع إلى المصب، ومع نظم الأحياء المائية في عمود النهر.
-إلى أي مدى يمكن فهم جدية تعامل دمشق وبغداد مع هذا الملف؟
لا نرى أي جدية من الحكومتين السورية والعراقية في تفهم مخاطر هذه الأزمات المائية، والتي تحولت إلى معضلات مائية، وها هي تضع البلدين على شفا كوارث إنسانية، لا تُحمد عقباها، إن آثار الجفاف وظروف المناخ القاسية، كتلك التي تجتاح المنطقة الآن، لها عواقب وخيمة على الناس والبيئة والطبيعة، وهذه التأثيرات ليست موزعة بالتساوي، فالمجتمعات الصغيرة والريفية، وخاصة الجزيرة السورية والبادية العراقية، ومناطق الفرات الأوسط، وكثير منها لديها نسبة أكبر من الأسر ذات الدخل المنخفض، غالباً ما تشعر بأسوأ الآثار، حيث تتعرض النظم البيئية للمياه العذبة إلى خطر جسيم؛ بسبب انخفاض تدفقات المياه من تركيا، وارتفاع درجات الحرارة، علاوة على تفاقم مشاكل جودة المياه؛ بسبب زيادة تركيز الأملاح والملوثات، وانخفاض مستويات الأكسجين، كما يؤدي نقص المياه السطحية للزراعة، إلى مزيد من ضخ المياه الجوفية، واستمرار السحب على المكشوف ينجم عنه تلف الممتلكات، وتجفيف الآبار المائية، وخسارة دائمة في خزين المياه الجوفية.
-ألا ترى أن الأمن المائي، أصبح ضرورة ملحة من أي وقت مضى، ويستوجب التحرك فوراً لحماية مصالح الدولتين، وخاصة أن حرب المياه باتت مقلقة أكثر من الحرب الاعتيادية؟
 المسّ بالأمن المائي، الذي يضمن تحقيق الاكتفاء الذاتي للدولة من المياه بصفة مستدامة، أمر في بالغ الخطورة، لذلك فإن ضمان الأمن المائي إنما يستوجب توفير نسبة كافية من المياه للقطاعات التي تعتمد على المياه، ما يخلق توازنا بين الكم والكيف وعلى مدى الزمن، بين الموارد المائية المتاحة، والاحتياجات المائية المختلفة في الحاضر والمستقبل.
وأن المياه الدولية المشتركة، قد أصبحت ضمن الأجندة السياسية، لكل من تركيا وإيران بشكل واضح وجلي، فعندما يتم الحديث عن  إطلاق حصص سوريا والعراق المائية، يُلاحظ أن الرئيس التركي، أو نظيره الإيراني يتدخلان ويرسمان السياسية المائية، بدلاً من أن يترك هذا إلى الجانب الفني بين الهياكل المعنية بالشأن المائي، وهذا مؤشر خطير جداً، وما التخفيض من تدفّق الفرات إلى أدنى حدوده نحو سوريا والعراق، إلا ترجمة فعلية لهذا الواقع بتسييس هذا الملف، ومن ثم العمل على جعله ”بضاعة” مقابل ثمن، وتفعيل مبدأ مقايضة الماء بالنفط مع العراق، وبمتطلبات أخرى مع سوريا.!
ومن شأن هذه العوامل، أن تفرض على العراق وسوريا مستقبلاً بيئيا خطيرا يمس أمنهما الزراعي والمائي، ويحتّم هذا الواقع وضع استراتيجية مشتركة؛ لتنمية الموارد المائية وترشيدها؛ لذلك تتطلب الضرورة انتهاج سياسات مائية حكيمة، لاستثمارات الموارد المائية المتاحة؛ لبناء أسس اقتصادية متينة، تعتمد على الزراعة الحديثة والمتطورة، بعيداً عن الزراعة التقليدية، قبل الاعتماد على النفط كاقتصاد ريعي، كما هو الحال في العراق، وخاصة القطاع الزراعي، الذي يعدّ أكبر مستهلك للمياه بمعدل 70 إلى 90 بالمائة.