سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الصمت عن عربدة أردوغان

خورشيد دلي

لا يتوقف أردوغان عن التهديد بشن عدوان جديد ضد مناطق شمال وشرق سوريا، تصريحاته بهذا الخصوص باتت يومية، حجته في ذلك هي محاربة الإرهابيين، في إشارة إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تلك القوات التي بشهادة العالم أجمع، قامت بأكبر دور في إلحاق الهزيمة بتنظيم “داعش”، وقدمت في سبيل ذلك آلاف الشهداء والجرحى.
الغريب، ليس حجم الدعاية الكبيرة للغزو التركي، أو مسارعة فصائل سوريّة مسلحة إلى إبداء الاستعداد للمشاركة في هذا الغزو لطالما عملت كمرتزقة له هنا وهناك، فكل ما سبق مفهوم لطالما أردوغان سيطر على آلة الإعلام التركي بشكلٍ كامل تقريباً، ونجح في تجنيد دول مثل قطر، ومنظمات مثل الإخوان المسلمين لصالح أجنداته السياسية، لكن الغريب هو المواقف المراوغة إلى درجة الصمت للدول الكبرى على هذه العربدة الأردوغانية، خاصةً أن الغزوات التركية كثيراً ما اقترنت بالإبادة والتغيير الديمغرافي.
وخطر الغزو التركي هنا مزدوج، إذ أنه من جهة اعتداء على سيادة وأراضي دولة جارة هي عضو في الأمم المتحدة، ومن جهة ثانية أن الغزو التركي هذه المرة مقرون بمخطط على ارتكاب جرائم عرقية ضد شعوب أصلية عاشت على أراضيها منذ القِدم، إذ أنه لا تُخفي حرب التغيير الديمغرافي تحت عنوان إقامة منطقة آمنة بعمق ثلاثين كيلومتراً، وإسكان ملايين اللاجئين فيها على حساب الشعوب في هذه المنطقة، وهويتها، وثقافتها، وكل ما يتعلق بوجودها، دون أي مراعاة للقانون الدولي، وللحقوق الإنسانية.                                                            الصمت إزاء عربدة أردوغان اتخذ أشكالاً عدة، فالولايات المتحدة التي سارعت إلى جمع العالم خلفها ضد الحرب الروسيّة على أوكرانيا، تكتفي حتى الآن بإبداء الخشية من أن الغزو التركي سيؤثر على استقرار المنطقة، والحرص على حياة جنودها، وبالخوف من التأثير على وتيرة الحرب ضد “داعش”، وكأن حياة ملايين السكان لا قيمة لها، أو أنها لا تستطيع قول (لا) واضحة لهذا الغزو.

وروسيا التي جعلت من موقع تركيا الاستراتيجي منصة للخلاف مع الولايات المتحدة في سوريا من أجل الدور والنفوذ، تبدو وكأنها في بازار سياسي مع تركيا من أجل تسجيل نقاط، وتحقيق اصطفافات إقليمية هنا وهناك، وجامعة الدول العربية تبدو وكأنها في إجازة كاملة عن رؤية الخطر التركي، ودول الخليج العربي ومصر التي عمل أردوغان خلال العقد الماضي لقلب أنظمتها لصالح الإتيان بالإخوان المسلمين إلى الحُكم تبدو في صمتها إزاء العربدة التركية وكأنها في انتظار تحقيق أهدافها لتخرج لاحقاً ببيانات الشجب لا أكثر، ذلك من أجل الحفاظ على مصالحها المستجدة مع تركيا، وإقليم كردستان الذي يعيش تحت وقع عواصف تركيا وإيران يلتزم صمت القبور، وكأن ما يخططه أردوغان لشمال وشرق سوريا لا يعنيه، وهو يدرك في العمق أنه جزء من المخطط التركي الأوسع، هذا المخطط الذي مازال ينكر رسمياً هوية الإقليم، ويتعامل معه كمستعمرة اقتصادية وتجارية لشركاتها، ويضعها كحلقةٍ مُقبِلة في أهدافه المرسومة.
أردوغان إزاء كل هذا الصمت، يعمل بعقلية التاجر الشاطر، ويبحث عن توافقات تعطي له الضوء الأخضر للبدء بغزوه، ليقول للداخل التركي المهترئ اقتصادياً إنه البطل القادر على حفظ أمنه، وإعلاء شأنه القومي، كل ذلك ليصرف لاحقاً في صناديق الانتخابات، وهو في كل ذلك يريد أن يصدق العالم مقولته إنه يحارب “الإرهاب الانفصالي الكردي”، وعليه يريد فرض مفهومه هذا حتى على حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كما هو في قضية انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف.
عربدة أردوغان ليست سوى تعبير عن عالم القوة الذي لا مكان فيه للقانون والأخلاق والحقوق، إذ أن لسان حاله يقول لطالما العالم على هذا النحو فلا شرعية إلا للقوة لتحقيق أحلامه الجامحة، وأنه يستطيع أن يعربد إلى ما لا نهاية من دون رادع أو حتى عقل.