سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ثمن الضوء الأخضر

محمد خليل_

على مدى أسبوعيين متتاليين تحاول الدولة التركية المحتلة الحصول على الضوء الأخضر لشن هجمات احتلالية جديدة على مناطق شمال وشمال وشرق سوريا، وكالمعتاد بحجة حماية أمنها القومي وتأمين حدودها الجنوبية، بل يمكن إضافة هذه المرة خطة المنطقة الآمنة وإعادة اللاجئين، ولكن هنا السؤال، هل ستحصل على الضوء الأخضر؟ وما هو ثمنه؟
منذ عام 2013 وبعد وجودها العلني في سوريا بدأت بالمقايضة على المناطق التي تسيطر عليها مرتزقة الفصائل المسلحة التي تدعمها وأصبحت أداة لتنفيذ مخططاتها الاستعمارية ووسيلة لتنفيذ حلمها في بناء العثمانية الجديدة، فمن غوطة دمشق وأرياف حمص مقابل إدلب وصولاً لمناطق في شمال وشرق سوريا مقابل نقاط على m4 في مورك وسلسلة المقايضات مستمرة.
ويتساءل المراقبون عن الثمن الجديد لهذه العملية المزمع تنفيذها… هل هي في سوريا أم تتعدى الملف السوري لتصل للملف الأوكراني أم قضية انضمام فنلندا والسويد للناتو؟ تركيا اليوم مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة ولاسيما أنها تعيش أزمات داخلية جمة من شأنها فقدان حزب العدالة والتنمية الحاكم شعبيته في ظل اقتراب الانتخابات الرئاسية ويضاف لها الواقع الاقتصادي الذي لا يخفى على أحد وربما أخطر من ذلك ظهور العنصرية في الشارع التركي للاجئين السوريين ومطالبات لإيجاد الحل لذلك، فهذه الأسباب وغيرها تجعل من تركيا أكثر سلاسة في المقايضات، لكن في هذه العملية يختلف الأمر بعض الشيء كون هنالك تضارب في مصالح الدول المقايضة مع تركيا لأسباب إقليمية ودولية فالمطلوب ثمن باهظ لشراء الضوء الأخضر.
لكن الشيء الخفي الذي تدركه تركيا هو الوجود الإيراني الذي يحاول ملئ الفراغ الروسي في سوريا، والدليل على ذلك تحديد الرئيس التركي أردوغان منطقتي منبج وتل رفعت من ضمن المناطق المستهدفة من تلك الهجمات حتى سارعت إيران والمليشيات التابعة لها لدفع تعزيزات بتوافق مع روسيا إلى مناطق التماس في المنطقة مما يضع تركيا أمام مقايضات جديدة ناهيك عن الدور الإيراني الذي يشكل عقبة جديدة أمام المخطط التركي.
أما بالنسبة إلى منبج فهي ذات قيمة لا تخفى على أحد لدى التحالف الدولي خاصة بعد عزمه إقامة نقاط لملاحقة متزعمي الجماعات الإرهابية في المناطق التي تسيطر عليها تركيا والفصائل التابعة لها، أما كوباني فقضيتها منذ 2014 ودمارها على يد مرتزقة داعش الإرهابي أصبحت قضية دولية تحرك المشاعر العالمية في آن واحد.
بعد هذه التحليلات يبدو لنا أنه من الصعوبة تحديد الوجه الأسهل لإنقاذ ماء وجه تركيا بعد الترويج لعمليتها المزعومة والحشد العسكري لها مما يدفع للحيرة على الثمن الذي سيدفع مقابل تلك الهجمات مع التحفظ على خصوصية هذه المناطق، أما من جهتي الشخصية، فأني أرى أنه لن تكون هناك ما تسمى بعملية عسكرية جديدة في المنطقة في المدى المنظور لعدة أسباب:
أولاً: منها حساسية الملفات الإقليمية وأهمية الموقف التركي فيها، فثمن الضوء الأخضر يجب أن يكون ثمن تحديد تركيا موقفها من الملف الروسي – الأوكراني مما يشكل تضارباً مع أحد الأطراف المشاركة.
ثانياً: عدم تحديد تركيا رأيها من تلك الملفات بشكل معلن لكون الدول الضامنة في الملف السوري هي متصارعة في قضايا إقليمية وأصبحت أكثر أهمية من الملف السوري فضلاً على بقاء الملف السوري ورقة ضغط لإصلاح الموقف في تلك الصراعات.
ثالثاً: عدم رضا الشارع العربي على تلك العمليات مما يشكل حرجاً للنظام التركي الذي يحاول إعادة بناء قنوات التواصل وخاصة مع دول الخليج ومصر.
رابعاً: فشل الجيش التركي في تحقيق أهدافه في هجماته في جنوب شرق تركيا “باكور كردستان” وشمال العراق “باشور كردستان” أيضاً مما أدى إلى إضعاف موقف الجيش في الشارع التركي للحصول على التأييد الداخلي بشن هجمات احتلالية جديدة، والسبب الأخير والهام هو الانتفاضات التي نشاهدها في المناطق التي تسيطر عليها مرتزقة الفصائل المدعومة من تركيا التي طالبت لأول مرة بإخراج الجيش التركي ولوحت بانكشاف المخطط التركي في استخدام المقاتلين السوريين في تحقيق مآرب توسعية تركية على أنقاض الثورة السورية التي بدأوا بها.