سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ضوابط وأهمية حرية التعبير

حسين دلف_

ينصُ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في باريس في 10 ديسمبر 1948، على أن “لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون أي تدخّل من أحد، وفي استقاء الأنباء والأفكار، وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة كانت دون تقيّد بالحدود الجغرافية”. (المادة 19).
وتضيف المادة بأن ممارسة هذه الحقوق تنبع من «واجبات ومسؤوليات خاصة» وأنه «وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود» عند الضرورة «لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم» أو «لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة». بالتالي، فإن حرية التعبير تعني قدرة الفرد أو المجموعة على التعبير عن معتقداتهم وأفكارهم ومشاعرهم حول مختلف القضايا دون خوف من الرقابة سواء في الجانب السياسي أم الاجتماعي أم الديني بكافة الوسائل، وسواء بالحديث أم بالكتابة أم بالفن فكل فرد منا له حرية اختيار الوسائل المناسبة في إيصال أفكاره إلى الآخرين.
مع ذلك إلى يومنا هذا ضمن الأنظمة الاستبدادية؛ فإن حرية التعبير شبه معدومة خاصةً فيما يتعلق بالقضايا الجوهرية في المجتمع كالسلطة والأمور الدينية، فالدخول في نقاش أو التعبير عن آراء وأفكار مخالفة للمبادئ والقيم التي تم وضعها من قبل السلطة السياسية والسلطة الدينية يتعرض الفرد لمضايقات كثيرة تصل في أحيان كثيرة منها إلى الاعتقال أو الاغتيال، وخير مثال في سوريا بسجن صيدنايا الذي يعج بالناشطين السياسيين الذين عارضوا السلطة السياسية ودعوا إلى الحرية والعدالة في المجتمع السوري.
كذلك الأمر مع السلطة الدينية فكل من يخالفها اتُّهم بالكفر والزندقة والهرطقة، وبطبيعة الأمر فحرية التعبير في مضمونها وهدفها هو الارتقاء بالمجتمع في كافة المجالات والنهوض به إلى أعلى المستويات مع المحافظة على كيان ووحدة المجتمع وهي من الوسائل المهمة في كشف العيوب وتشكيل رأي عام تجاه قضية ما.
يقول ريتشارد موون مناقشاً بأن: “حرية التعبير تعتمد على التفاعلات الاجتماعية، وأنه عن طريق التواصل يستطيع الفرد خلق علاقات وترابط مع الآخرين (العائلة والأصدقاء وزملاء العمل) وبالدخول في مناقشات مع الآخرين سوف يساهم الفرد في تطوير المعرفة في المجتمع”، ومن هنا لا شيء مطلق في هذه الحياة وحرية التعبير، كذلك فهي حق لكن ضمن حدود وضوابط تحترم الإنسان والقيم الإنسانية دون التشهير أو الذم بمصطلحات بعيدة عن النسق العام للآداب والقيم الأخلاقية الاجتماعية في المجتمع، كالتحريض على القتل أو القيام بأعمال شغب أو نعت الآخر بصفات لا أخلاقية والابتعاد عن الهدف العام للقضية المطروحة.
على الفرد أو الجماعة عند التعبير عن آرائهم وأفكارهم احترام مشاعر الآخرين واحترام معتقداتهم الدينية واحترام ميولهم السياسية وتوجهاتهم الفكرية، واعتماد المناقشة العلمية الهادفة الوسيلة الأساسية في الخطاب العام والتواصل مع الأفراد والجماعات الأخرى في المجتمع، وإن يكون الهدف الرئيسي لهم هو الارتقاء بالمجتمع في جميع المجالات ونشر الوعي والمعرفة لا خلق النزاعات والصراعات والأزمات، والابتعاد عن خطاب الكراهية والعنصرية، والابتعاد عن التعصب الديني والقبلي والسياسي ومراعاة القيم والعادات والتقاليد الاجتماعية وعدم الإساءة للآخرين والتعدي على حريتهم، فكل شخص يتمتع بحق التعبير عن آرائه وأفكاره دون إجبار الآخر على قبولها.
ولجعل حرية التعبير واقعاً ملموساً في مجتمعاتنا وألّا تبقى مجرد حالة تمثيلية لا أكثر ولا أقل، أي أن تكون حرية تعبير حقيقية دون قيود وقوانين صارمة عليها، ينبغي أن تتصف الحرية بمجموعة من الخصائص وفق الآتي:
يجب أن يكون هناك قانون واضح وشامل ضمن دستور الدولة يضمن حرية التعبير ويضع الضوابط التي يجب أن يسير عليها الأفراد والجماعات في التعبير عن آرائهم وأفكارهم إلى جانب ضمان الحماية الدستورية والقانونية لهم، كما يمكن دعم قطاع الإعلام سواء المرئي أو المكتوب وتوفير كافة الوسائل ومنحهم الحرية في التحري والحصول على المعلومات الدقيقة عن كافة القضايا العامة في المجتمع مع وجود محاسبة فعلية عند نقل بيانات ومعلومات خاطئة وملفقة من قبل الإعلام للجمهور، يضاف إلى ذلك دعم قطاع التعليم بكافة الوسائل والمهارات التعليمية لإنشاء جيل واع قادر على تحليل وتفنيد الأفكار والآراء التي تصله فضلاً إلى وعي الأفراد والجماعات ضمن المجتمع من تأثير الأفكار والآراء التي يقومون بإيصالها للآخر والنتائج التي قد تترتب عليها. فالحرية شمس يجب أن تُشرق في كل إنسان فمن عاش محروماً منها عاش في ظلمة حالكة، ولا سبيل إلى الارتقاء بالمجتمع إلا إذا عاش الإنسان فيها حراً قادراً على التعبير عن آرائه وأفكاره. فما نفع الأفكار التي تبقى مدفونة في الصدور وفي ظلمة الاستعباد، إذا لم يكن للحرية معنى حقيقي، فالحرية حق وواجب لكل إنسان لكن ضمن ضوابط أخلاقية وأدبية.