سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

ماذا بعد إدلب؟!

إلهام أحمد –

أصبحت إدلب حديث الساعة على المستوى العالمي ، وكان لدول الغرب وأمريكا الدور الأساسي في إيقاف المعركة هناك أو تأجيلها، طبعاً لتلك الدول هدف من وراء ذلك، أبرزها الملف الإنساني، وكذلك موجة النزوح والهجرة التي ستصيب إدلب كي يتوجهوا صوب أوروبا التي تخاف من استغلال الدواعش لذلك وينتقلوا إلى تلك البلدان لينفذوا فيها العمليات الإرهابية.
هل حقيقة إن إدلب ملف إنساني مقارنة بعفرين؟ طبعاً قد تأتي أطراف بمبررات كثيرة كي تثبت أن ملف إدلب هو ملف إنساني، مع العلم أن تجميع الفصائل المتشددة في إدلب يعني هو ملف إرهاب في الوقت نفسه، فكيف يمكن الفصل بين الملفين، هل أوروبا والولايات المتحدة قادرة على الفصل بينهما، أم تركيا قادرة على ذلك، أم روسيا؟!
الجميع يعلم أن الفصل بين الملفين عملية صعبة للغاية، إن كنا سنعتبر أن عوائل القاعدة أيضاً هو ملف إنساني. نقل تلك الفصائل مع عوائلهم إلى عفرين قد يكون له أهداف مستقبلية، منها تغيير ديمغرافية المنطقة بالكامل وطمس الهوية الأصيلة للمنطقة وهذا ما يدخل ضمن إطار الجرائم الإنسانية وتكون تلك القوى وعلى رأسها تركيا الشريكة الأساسية في ارتكاب هذا الجرم، أو سيتم القضاء عليها بالكامل كما تم محاربة داعش في المناطق السورية الأخرى. ولهذا كان من الضروري نقلهم إلى عفرين، أما الإبقاء عليهم في إدلب نتيجة اعتراض هذه الفصائل تسليم أسلحتها للنظام وإصرارها على محاربتها له يعني البدء بمعركة جدية لا بد منها لاسترجاع إدلب لسيطرة النظام. نعم يقال إنه في إدلب ما يقارب ثلاثة ملايين مدنياً قسم كبير منهم من عوائل الفصائل المتشددة. واعتُبِر ملف إنسانياً لا اعتراض عليه، وعفرين أيضاً كان فيها مليون ومئتان ألف من المدنيين، مع عدم وجود الفصائل المتشددة فيها، بالعكس كانت تلك عوائل من قاتل داعش وحارب الإرهاب بكل أشكاله. ولم يعتبر ملفاً إنسانياً عندما تعرضت عفرين لهجوم عسكري بأنواع الأسلحة كافة وحتى الكيماوية. في إدلب لم يستخدم الغاز الكيماوي. لكن؛ قيل هناك مخاوف من استخدام الكيماوي، وفي عفرين اُستخدِم الكيماوي. لكن؛ الأذان كانت صماء والعيون عمياء.
لمجرد الاضطلاع على تقارير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومنظماته ولجانه، نرى التمييز بين هذه المنطقة وتلك حسب مصالح دولية وليس حسب مقاييس ومبادئ وضعتها منظومة الأمم المتحدة آمنت بها. هنا يحق لكل متضرر من هذه الحرب ومن تلك التقارير أن يبدي موقفه بشكل صريح وواضح بأنه يُظلَم من قِبل مؤسسات كهذه، إضافة للظلم الذي يتعرض له من الجهات المعتدية.
عندما نتحدث عن الممانعة التي فرضت على معركة إدلب هذا يعني أن ملف إدلب لم يبقَ بيد الروس فقط، إنما أصبحت الولايات المتحدة وأوروبا أيضاً مشاركة فيه، وهي التي منعت بدء الحملة العسكرية، والآن تنتهي المدة التي حُدِدت لتركيا للقيام بها، الفرز بين الفصائل المعتدلة حسبما يسمونها وبين القاعدة، وفرض منطقة منزوعة السلاح على الفصائل التي لا تأتمر بأوامر تركيا، فكيف تتحمل تركيا مسؤولية فصائل لا تخضع لأوامرها. هنا وفي هذا الموضوع بالذات يوجد مغالطة كبيرة، تركيا تخدع الرأي العام كي تبرأ نفسها من تهمة دعمها للقاعدة في إدلب وفي الأنحاء السورية الاخرى. لذا؛ تركيا تبقى بين خيارين الآن إما أنها ستضغط أكثر لتنفيذ اتفاق سوتشي، او أنها مضطرة لأن تُعلِن فشلها في تطبيق الاتفاق وتترك المبادرة بيد الروس ليبدأوا  تنظيف المنطقة بطريقتهم الخاصة. لا ندري لأي مدى سيحالف الحظ أردوغان بالحفاظ على مكتسباته من هذه المعارك وخاصة وأن تركيا تعاني من أزمة اقتصادية جدية.
حاولت تركيا الاستفادة من الوقت لترسل تعزيزات إلى الفصائل في إدلب كي تكسب المعركة عندما تبدأ، لكن مع انتهاء المدة المحددة لها قد تضطر لتقديم التنازلات لروسيا في أن تحافظ على ما تبقى من اتفاقاتها المؤقتة في سوريا. بالمقابل نرى التقارب التركي ـ الأمريكي في الآونة الأخيرة وهو أيضاً محاولات تركية لاسترجاع ما فقدته خلال الأعوام الماضية من ود بين البلدين.
تركيا عضوة الناتو وحليفة استراتيجية لأمريكا، إلى أي مدى سيمكنها التغريد خارج السرب كما تفعل الآن، تركيا تعادي الحل الديمقراطي في سوريا من خلال إقامة العلاقات مع إيران والتقرب من النظام السوري ولها دور هام  في هذه المعاداة. في هذا الحلف أيضاً تصبح تركيا بين خيارين، أما الاستمرار ببقائها في حلف الناتو وتبقى الحليف الاستراتيجي لأمريكا، أو أنها ستبتعد لتصبح في الحلف الثلاثي الإقليمي، بهذا أيضاً ستكون في مواجهة جديدة مع قوى الناتو. لذلك؛ ما على تركيا سوى الرضوخ لمطالب شعوبها، والمصالحة مع شعوب دول الجوار، فكل ما قامت به حتى الآن تحت مسمى دعم الثورة السورية وصداقة الشعب السوري، كان عبارة عن دعم الفصائل وكذلك دعم موقف النظام، فعندما تتصالح الحكومات مع شعوبها بناء على مبادئ دستورية أساسية، لا بد أنه سيعم السلام والوفاق والديمقراطية في تلك البلاد، وهذا ما نعنيه بالنسبة للنظام السوري أيضاً. إنهاء الاحتلال للأراضي السورية أمر هام جداً لإعادة الاستقرار إليها. ولكي نضمن عودة اللاجئين المقيمين حالياً في تركيا ولبنان والأردن وغيرها من الدول، لا بد من وجود الضمانات للحفاظ على حياتهم وممتلكاتهم، بمعنى أن يكون هناك دستوراً يضمن هذه الحقوق.
وتركيا أيضاً تعيش الحالة نفسها، فهي التي نقلت أزمتها الداخلية إلى سوريا وأججت نار الحرب فيها، كي لا تبدأ عملية التغيير في تركيا. لذلك؛ إن لم تقم بعملية استباقية للتغيير الديمقراطي، لا بد أنها ستتعرض للمصير نفسه، فمهما اعتقلت الآخرين ومهما أسكتت الأصوات، لن تحقق شيئاً من أهدافها، وكل ذلك يُسجل كنقاط عليها وضدها وتتحول لعملية احتجاجية أخرى.

التعليقات مغلقة.