سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

السوريون في تركيا… تحت رحمةِ “الكيملك” دون توصيفِ اللجوءِ

رامان آزاد_

السوريون الذين عبروا الحدودِ إلى الأراضي التركيّةِ، لم يحظوا بالتوصيف القانونيّ للجوء، بل خضعوا للقوانين والأوامر الإداريّة التركيّة، وأضحوا رهنَ إرادةِ أنقرة، التي تثير قضيةَ إعادتهم وتدّعي أنّ مقصدَ العودةِ هو إلى ما تسميه زوراَ “المناطق الآمنة”، فيما تواصلُ القصفَ اليوميّ لعشراتِ المدنِ والبلداتِ والقرى الآمنةَ في شمال وشرق سوريا لإفراغها من أهلها ودفعهم للخروجِ القسريّ من بيوتهم، بالمقابلِ تسعى لخلقِ الظروفِ التي تدفعُ السوريين للعودةِ العكسيّة، وإلزامهم على توقيعِ وثائقِ العودةِ الطوعيّة، لتكسبَ عوائد الملفِ داخل تركيا انتخابيّاً وعبر الحدود بالتغير الديمغرافيّ.
لا لاجئين في تركيا
من أبرز التحديات الكثيرة التي واجهت السوريين في تركيا أنّها ليست دولة لجوء تقدم خدماتها كما الاتحاد الأوروبيّ، ورغم أنَّ المجتمعَ التركيّ ووسائل الإعلامِ التركيّة وحتى السوريين أنفسهم يصفون السوريين على الأراضي التركيّة بأنّهم “لاجئين”، إلا أنّهم بالحقيقةِ ليسوا كذلك، فهم يعيشون تحت نظام “الحماية المؤقتة”، وتختلفُ المكانةُ القانونيّةُ التي يمنحها هذا النظام بشكل كبير عن تلك الممنوحةِ للاجئين بموجبِ اتفاقيةِ اللاجئين الدوليّةِ التي أقرّتها الجمعيّةُ العامةُ للأممِ المتحدة عقب الحرب العالميّة الثانية، في 25/7/1951، والتي عرّفتِ اللاجئ وحدّدت حقوقه وواجباته والتزاماته تجاه الدولة المضيفة، إضافةً لنوعِ الحمايةِ القانونيّةِ والمساعداتِ التي يجب تمنحها له الدولِ الموقعة، واقتصر اللجوءُ على الأوروبيين فقط.
تمَّ تعديلُ هذه الاتفاقيّةِ بموجبِ بروتوكول خاص في 1967، والتخلّي عن شرطِ اقتصار اللجوءِ على مواطني أوروبا، فتوسّع هذا القيدُ الجغرافيّ ليشملَ تعريفُ اللاجئين كلّ النازحين من جميعِ الدول، إلا أنّ تركيا رفضتِ التوقيعَ على البروتوكول، وأضافت إليه تعديلاً جوهريّاً، وحوّلت حقَّ اللجوء إلى أراضيها إلى حقّ إقامةٍ مؤقتةٍ أو مشروطة، وأن يتبعَ الإقامةَ السعي لإعادةِ توطينِ اللاجئين في دولٍ أخرى.
وضعٌ قانونيّ ضبابيّ
قررتِ الحكومةُ التركيّة في 4/4/2013، تنظيمَ الوضعِ القانونيّ للسوريين الموجودين على أراضيها بوضعهم تحتَ الحمايةِ المؤقّتة بالقانون رقم 6458 الذي دخل حيّز التنفيذِ في 11/4/2014، وسمّي “قانون الأجانب والحماية الدولية”ّ ونصت المادة (91) منه على أنه “يمكن تقديم الحماية المؤقتة لأجانب اضطروا لمغادرة بلدهم ولا يستطيعون العودة إليه، ووصلوا إلى الحدود التركية أو عبروها في تدفق جمعي بحثاً عن حماية مؤقتة أو فورية”.
وحددت المادة (93) من القانون المذكور الأشخاص الذين سيتمتعون بالحماية المؤقتة وهم “الأشخاص الذين لا يمكن إطلاق صفة اللاجئ أو اللاجئ بشروط عليهم… والذين سيواجهون في حال تمت إعادتهم إلى بلد المنشأ أو بلد الإقامة الحكم بالإعدام أو سيتعرضون للتعذيب”.
وتوصلت أنقرة إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبيّ في 18/3/ 2016، حول ثلاث قضايا ما زالت عالقة، بخصوصِ الهجرةِ واللجوءِ من الأراضيّ التركيّة إلى أوروبا، ومسألة إعادة طالبي اللجوء غير المقبولين، وإلغاءِ تأشيرةِ دخولِ المواطنين الأتراك إلى دول الاتحاد الأوروبيّ، وبالنتيجة يُصنّفُ النازحون من مختلف الجنسيات – في تركيا وفق ثلاثة أطر قانونيّة:
ــ اللاجئون الأوروبيون المعترف بهم رسميّاً لاجئين بحسب اتفاقية 1951.
ــ اللاجئون الشرطيون الذين من المقرر إعادة توطينهم في بلدٍ ثالث وفقاً للائحةِ إعادة التوطينِ الصادرةِ عن الأمم المتحدة في 1994.
ــ الأفراد الخاضعين للحمايةِ المؤقتة، وهم المعرضون للخطرِ بحال أُعيدوا إلى بلدهم الأصليّ، ومعظم السوريين في تركيا مشمولون في هذه الفئة.
تلتزم دولة اللجوء بتقديم خدماتها، بدءاً من وجوبِ تعليمِ اللغة ثم وترتيب شروط الحياة بمنح السكنِ والإقامة وتحقيقِ الاندماجِ، وبالمقابل فإنّه من المفترض أن يتضمن “قانون الحماية المؤقتة” جميع المزايا والخدمات وبخاصةٍ في مجالي الصحّةِ والتعليمِ، إلا أنّه لا يتضمن منح الأشخاص الواقعين تحت سلطانه وثائق سفر تخوّلهم التنقل من وإلى تركيا، ويفرضُ إجراءاتٍ إداريّةً لتنقلهم بين المحافظات التركيّة معقدةً غالباً وتحرم الآلاف من البحث عن فرصِ عملٍ في محافظات أخرى، ما يمنع تمتعهم بالحقوقِ الاجتماعيّة والثقافيّة والتخطيط المستقبليّ طويل الأمد، ليتفقدوا الشعور بالاستقرارِ المجتمعيّ والأمان المعيشيّ.
وبعبارة أخرى لا يكفل القانونُ التركيّ حقوق السوريين كجماعة لاجئين، بل يعتبرون حالة خيريّة، يعتمد وجودهم في تركيا حصراً على مدى كرم وضيافة المجتمع التركيّ، وبسبب ضبابيّة القانون فإنّ قضية السوريين في تركيا ستبقى محلَّ السجالِ، وتفتحُ البابَ لمشاكلَ وحوادث عنف وسوء المعاملة، وصولاً لتسييس القضية سيسهم في زيادة خطاب الكراهية للسوريين.
كما أنّه يمنحُ الحكومةَ التركيّة هامشاً كبيراً من المرونةِ لاستثمار قضية اللاجئين السوريين، وإمكانيّة الترحيل إفراديّاً أو جماعيّاً بذريعة مخالفةِ شرط الإقامة.
التلاعبُ على المصطلحات
استخدمت الحكومة التركيّة مصطلحات عديدة لتوصيف وضع السوريين على أراضيها، فقالت عنهم إنّهم “ضيوف”، في تأكيد على إقامتهم المحدودة، والتقييد على نشاطهم الاجتماعيّ، ولذلك انتشرت عباراتٌ من قبيل “السوريون ضيوف غير مرغوب بهم”، “الضيف لا يطيل البقاء إلى هذا الحد”، وأنّه يجب أن يتصرفَ وفقاً للقواعد المتبعة في المجتمعات المحليّة التي يعيشون بين ظهرانيهم. لدرجة تقنين وجودهم في الأماكن العامة كالحدائق، والساحات، والملاعب، والأسواق… إلخ، وإحالتهم إلى العزلة.
مازال الرئيس التركيّ يستخدم زوراً مصطلحي “المهاجرين والأنصار” لتحريض المشاعر الدينيّة، رغم حقيقة أنّه ورد في الحديث النبويّ صراحة “لا هجرةَ بعدَ الفتحِ”، والمطابقة بين هجرة النبي “ص” من مكة إلى المدينة وعبور السوريون الحدود إلى تركيا غير صحيحة، فهم لم يعانوا اضطهاداً بالمعنى الدقيقِ للكلمةِ ولم يكونوا ممنوعين من ممارسةِ شعائرهم الدينيّة، بل إنّ ما يحدث منذ أكثر من عقدٍ هو صراعٍ على السلطةِ، وأنقرة جعلت نفسها بذلك طرفاً في الصراعِ، وتسعى إلى إيجادِ تغيير ديمغرافيّ في المناطق الحدوديّة على أساسِ دينيّ وعرقيّ بالاعتماد على رافعتين هما التركمان والإخوان المسلمين.
وقد وُجّهت للسوريين اتهامات بارتفاع معدلات الجريمة بينهم، وتم تداول شائعات مفادها أنَّ السوريين يحصلون على الجنسية التركيّة بهدف التصويت في الانتخابات لمصلحة الحزب الحاكم، وأنَّ كلّ أسرة سوريّة تحصل على راتبٍ شهريّ، ومساكن مجانية، ويُعالجون مجاناً حتى في المشافي الخاصة.
 إلى جانب ذلك يتداول السوريون شائعات مفادها أن المظاهرات المعادية للسوريين في تركيا تنظمها الأحزاب المعارضة، وهذا غير صحيح تماماً، فهناك الكثير من الأشخاص الذين ينتمون للحاضنة الشعبية للحزب الحاكم بدأوا يتململون من الوجود السوري على الأقل من الناحية الاجتماعية، وترافق ذلك مع وجود مسوغات للكراهية ضدهم في عدد من الولايات مثل، ارتفاع إيجارات المنازل، وارتفاع نسبة البطالة، وتدني أجور السكان المحليين، وصعوبة متزايدة لوصول السكان المحليين إلى الخدمات الصحيّة.
فيما يتمّ تجاهل ظروف العمل المجحفة التي يعمل فيها مئات آلاف السوريين دون حماية قانونيّة، مع تدنّي الأجور، وحجم الاستثمارات السوريّة في سوقِ العملِ التركيّة والتي تتجاوز 10 مليارات دولار، عدا مبالغ ضخمة غير معلن عنها، يضاف إلى كلّ ذلك الدعم الماليّ الأوروبيّ، فيما لا تُعرفُ قيمة المنتجات والمحاصيل والمصانع المسروقة من سوريا وأُدخلت إلى الأراضي التركيّ.
أولى الدفعات وصلت
وطّنت دولة الاحتلال التركي، دفعة من اللاجئين السوريين الذين رحّلتهم من الأراضي التركيّة في حيي ” الليل والإسكان” في مدينة كري سبي/ تل أبيض المحتلة، ونقلت مصادر محليّة أنَّ الاحتلالَ بدأ ببناءِ مستوطنات في الجهة الغربيّة من المدينة.
باشرت دولة الاحتلالِ التركيّ فعليّاً تطبيقَ مخططها الاستيطانيّ في المناطقِ التي تحتلها في شمال سوريا تنفيذاً للخطةِ التي أعلنها أردوغان والمسؤولون الأتراك مطلع الشهر الحالي بترحيل مليون لاجئ سوريّ من أراضيها، ووثّقت منظمة حقوق الإنسان عفرين – سوريا في 14/5/2022، دخول دفعة أولى من اللاجئين السوريين وتضمّ مئة لاجئ من مناطق حمص، حلب، إدلب، الغوطة الشرقيّة، إلى مدينة كري سبي المحتلة عبر البوابةِ الحدوديّة، وتم إسكانهم في حيي الليل والإسكان” في منازل المواطنين المهجّرين من الكرد.
وبدأت سلطات الاحتلال التركيّ فعليّاً بناء مستوطنات في الجهة الغربية من المقاطعة المحتلة بعد مصادرة أملاك المهجرين من قبل ما يسمّى مجلس تل أبيض المحليّ التابع لسلطات الاحتلال، الذي أنذر أصحاب عدة منازل بجانب برج الكهرباء القريب من دوار العلم للإخلاء تزامناً مع إدخال المستوطنين، وتراجع عن هذا الإنذار بعد الاستياء الشعبيّ من قبل الأهالي في الحي ودعوتهم لخروج مظاهرات منددة بدخول اللاجئين.
عودة طوعيّة أم إعادة قسريّة؟
تشيرُ استطلاعاتُ الرأي الأخيرة أنّ معظمَ اللاجئين السوريين في تركيا لا يرغبون بالعودة حاليّاً، وفق الخطة التي أعلن عنها أردوغان في 3/5/2022، فيما سماها “خطة العودة الطوعيّة لمليون لاجئ سوريّ إلى المناطق الآمنة”، وحددها بـ13 منطقة تخضع للنفوذ التركيّ، والسبب لأن اللاجئين السوريين ليسوا كلهم من أبناء تلك المناطق، بل من مختلف المناطق السوريّة، وهم يتطلعون إلى توفر الشروط للعودة إلى بلداتهم وقراهم الأصليّة.   من جهة ثانية يؤيد أكثر 93% من الأتراك عودة السوريين بسبب الأزمة الاقتصاديّة، والإحصائيات التي تقدمها الحكومة التركيّة ليست دقيقة، وفقط 56 ألف سوريّ يسكنون المخيمات، فيما 98% من اللاجئين السوريين يعيشون في المراكز الحضريّة، بذلك فإنّ أحوالهم المعيشية مستقرة لدرجةٍ كبيرةٍ مقارنةً بسكان المخيمات داخل سوريا.
في الواقع تعريفُ المنطقةِ الآمنة بالنسبة لأنقرة هي المناطق المحتلة فقط والتي لا وجودَ للكرد فيها، وهي تشهد حالات الاقتتال الفصائليّ وكل أنواع الانتهاكات، فالمطلوب إعادة صياغة التركيبة السكانيّة لهذه المناطق عبر إسكان اللاجئين السوريين فيها.
تحاول أنقرة استثمار قضية اللاجئين السوريين بأكثر من مسار، فهو انتخابيٌّ داخل تركيا وللتغيير الديمغرافيّ على الشريطِ الحدوديّ، وتعمل على خلقِ الظروفِ التي تدفع اللاجئين للعودةِ، رغم عدم توفر الشروطِ الملائمةِ للعودةِ الآمنةِ، وهذا ما سبّبَ فشلَ المساعي التركيّة في مؤتمر بروكسل للمانحين في 9/5/2022.
لا يمكن لأنقرة أن تلجأ لخطةِ ترحيلٍ قسريّ واسعة النطاق، بعد سنواتٍ من الترويج لشعارات الأنصار والمهاجرين، ولذلك بدأت حملة إعلاميّة كبيرةٍ لتبرير استقبالِ اللاجئين ونشر مشاهدَ قاسيةٍ من الحربِ للتأثير على الأتراك، وفي الوقتِ نفسه الترويج لقائمةٍ من الإغراءاتِ التي قد تشجّعُ السوريين على العودةِ، وأنّ العائدين سيحصلون على المزايا التالية:
ــ منزل مُجهّز ومفروش بكل ما يلزم، ومساحة المنزل 40 ــ 80 متراً بحسب عدد أفراد العائلة.
ــ الاحتفاظ بوثيقة الحماية المؤقتة (الكيملك)، واستمرار صلاحيتها.
السماح للراغبين بزيارة تركيا أربع مرات في العام الواحد.
ــ يستكمل الأولاد تعليمهم في مدارس داخل البلدات السكنيّة بمنهاج تركيّ وبشهادة تركيّة، ويُمنحون بطاقة مساعدات من نموذج “كرت الهلال الأحمر”، ولم يحدد المبلغ الممنوح لكلِّ فردٍ حتى الآن.
ــ الحصول على دعم لمشاريع معيشيّة.
ارجعوا إلى بلدكم
علقت بلدية بولو التركية، لوحات إعلانية مكتوبة باللغة العربية، تطالب اللاجئين السوريين بالعودة إلى بلادهم. وقال رئيس بلدية بولو تانجو أوزجان: “تشاهدون الآن الأزمة الاقتصاديّة في بلدنا، شبابنا بلا عمل، وتعيش العائلة تحت حدِّ الجوعِ بهذه الشروطِ لم يبقَ لدينا خبزٌ ولا ماء نتشاركُ معكم… حان وقت سفركم إلى بلدكم كما أتيتم إلى تركيا”.
بصماتُ حزبِ العدالةِ والتنميةِ لا تغيبُ عن هذه اللافتاتِ، فهو يريد أن يوحيَ للسوريين أنّ الشعب التركيّ هو من يرفضُ بقاءَ السوريين، وهذا النداءُ ينطوي على تهديدٍ مبطنٍ للسوريين… فالحزبُ الحاكمُ يريدُ أن يعودَ السوريون، ولكن دون خسارةِ التوصيفِ الإنسانيّ، وبذلك يكسب نقاطاً إضافيّة أمام المعارضة في الانتخابات القادمة! وما يتطلعُ إليه أردوغان هو أكثرُ من مجردِ عودةِ السوريين!
تحاول حكومة أنقرة أن تمسك العصا من المنتصف، واستثمار قضية اللاجئين السوريين، في أكثر منحى، فقد جعلتهم مبرر عدوانها واحتلالها لمناطق سوريّة، وهي بصدد جعلهم أداة التغيير الديمغرافيّ، وتعمل على استثمار خطاب المعارضة المناوئ للسوريين والداعي لعودتهم لتصرف عوائده في صناديق الانتخابات القادمة، ومؤخراً تقوم وسائل إعلام تركيّة بحملة نشطة بين الأتراك وتعرض صوراً مروّعةً للأحداث في سوريا ومنها “مجزرة حي التضامن” لتبرير احتضانها للسوريين، رغم أنّ المقاطع المصوّرة لم تكن متداولة يوم اتبعت سياسة الحدود المفتوحة!