الكساندرا محمد
في السنوات الأخيرة، تحوّلت “السوشيال ميديا” من وسيلةٍ للتواصل وتبادل المعرفة إلى مساحةٍ مكتظّة بالمحتوى السريع والسطحي، وأصبح كثيرٌ من صُنّاع المحتوى يسعون وراء المشاهدات والشهرة والعائدات المالية أكثر من سعيهم إلى تقديم محتوى يحمل قيمةً حقيقية أو يسلّط الضوء على القضايا الإنسانية والاجتماعية التي تستحق النقاش.
لا أزعم أنّ جميع المؤثرين أو صُنّاع المحتوى يندرجون ضمن هذه الفئة، فهناك العديد من الأشخاص الذين يقدّمون محتوى مفيدًا وهادفًا، لكنّ المشكلة تكمن في هيمنة المحتوى السريع والمفرغ من المعنى، والذي أصبح يستهلك جزءًا كبيرًا من وقتنا اليومي، فنجد أنفسنا نقضي ساعاتٍ طويلة في مشاهدة مقاطع قصيرة لا تضيف إلى حياتنا معرفةً أو مهارة، بل تُشعرنا في كثيرٍ من الأحيان بأنّ الوقت قد تسرّب من بين أيدينا دون أن ننجز شيئًا يُذكر.
ومع مرور الوقت، يتحوّل الهاتف من أداةٍ نستخدمها إلى شيءٍ يستخدمنا، نستيقظ فنبحث عنه، ونتناول طعامنا وهو بجانبنا، ونصطحبه معنا إلى كل مكان، وكأنّنا أصبنا بفيروسٍ اسمه: “أين هاتفي؟” نفتح تطبيقًا لدقائق معدودة، فنجد أنفسنا بعد ساعة أو ساعتين ما زلنا نتنقّل بين الفيديوهات والمنشورات دون هدفٍ واضح.
ولا تقتصر آثار هذه العادة على الكبار فحسب، بل تمتدّ إلى الأطفال أيضًا، فبدلًا من الحوار واللعب والتفاعل مع البيئة المحيطة، أصبح الهاتف وسيلةً سهلة لإسكات الطفل عند البكاء أو الانشغال، ومع التكرار، قد يؤدّي الإفراط في استخدام الشاشات إلى مشكلاتٍ عديدة، مثل ضعف المهارات الاجتماعية، وتأخّر اكتساب اللغة لدى بعض الأطفال، وزيادة العزلة، وصعوبة التركيز، والتعلّق المفرط بالأجهزة الإلكترونية، كما أنّ استبدال التفاعل الإنساني الحقيقي بالشاشات يترك أثرًا واضحًا على النموّ النفسي والاجتماعي للطفل.
إنّ الخطر الحقيقي للسوشيال ميديا لا يكمن في وجودها بحدّ ذاتها، بل في تحوّلها من وسيلة إلى أسلوب حياة، فعندما تصبح ساعات التصفّح أطول من ساعات القراءة، وعندما نعرف أخبار الغرباء أكثر ممّا نعرف أحوال أصدقائنا وأقاربنا، وعندما نستبدل التجارب الحقيقية بمشاهدتها عبر الشاشة، فهنا تبدأ المشكلة.
لكن كما أنّ لكلّ مشكلةٍ سببًا، فإنّ لها حلًّاً أيضًا، والحلّ لا يكون بالهروب الكامل من التكنولوجيا، بل بترويضها وإعادة وضعها في مكانها الصحيح، يمكننا أن نخصّص وقتًا محدّدًا للترفيه على مواقع التواصل، كساعة واحدة يوميًا مثلًا، وأن نستثمر بقية الوقت في أنشطة أكثر فائدة ومتعة. فالرياضة، والقراءة، ومشاهدة الأفلام الوثائقية، وتعلّم المهارات الجديدة، وممارسة الفنون، وزيارة الأهل والأصدقاء، جميعها بدائل تمنحنا شعورًا أعمق بالإنجاز والرضا.
والأهم من ذلك كلّه أنّ الأطفال يتعلّمون بالمشاهدة أكثر ممّا يتعلّمون بالنصائح، فإذا رأى الطفل والديه يقرؤون كتابًا، أو يمارسون هوايةً، أو يتحدّثون مع الآخرين بدل الانشغال الدائم بالهواتف، فسوف يقلّد هذا السلوك بصورةٍ تلقائية، فالتربية ليست ما نقوله لأطفالنا، بل ما نفعله أمامهم كل يوم.
فربّما لا نستطيع الاستغناء عن التكنولوجيا في عصرنا الحالي، لكنّنا نستطيع أن نمنعها من الاستيلاء على وقتنا وعقولنا وعلاقاتنا، فالحياة الحقيقية لا توجد خلف الشاشات فقط، بل في كتابٍ نقرأه، وصديقٍ نزوره، وحديثٍ نجريه، وذكرى نصنعها بعيدًا عن عدّاد المشاهدات والإعجاب، وعندما نتعلّم استخدام “السوشيال ميديا” باعتدال، سنكتشف أنّ أجمل ما في الحياة لا يمكن تمريره بإصبعٍ على الشاشة.