سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

“ثقافة الشرفة” أو “ثقافة الفيترين”

أحمد ديبو_

قال تشرشل مرّة: «لو خيّرت بين الهند (درّة التاج البريطاني)، وبين شكسبير لاخترت شكسبير دون تردّد». أمّا في فرنسا فكان يكفي ظهور صورة جديدة للشاعر آرثر رامبو أثناء تواجده في اليمن، لتشكل حدثاً وطنياً، تنشغل فيه فرنسا من قصر الإليزيه حتى أبسط مواطن، مروراً بالمؤسسات الإعلامية المقروءة والمسموعة طوال شهر ونيّف، هكذا تتفاعل الأمم المتحضرة مع موروثها وحاضرها الثقافي. والغارديان أو اللوموند وغيرهما من أيقونات الصحافة المقروءة، سيحظون بكل الدعم الممكن من دولهم لأنها تشكل معادلاً أخلاقياً، وقيمياً، وثقافياً لهذه الدول المتحضرة.
أمّا في عالمنا العربي، فأغلب الجرائد والمجلات الثقافية الهامّة قد أُقفلت، ومعها تمَّ إسدال الستارة على الكثير من المثقفين الذين كان لهم باعاً كبيراً في الخلق الثقافي. قبل أي سؤال، وقبل الدخول في مناقشة المسألة، يجب ألّا ننسى أمراً أساسياً، هو أن الثقافة تراكم أو بمعنى أدق تعاقب لأنّ التراكم ينتج فوضى، بينما التعاقب يثمر نظاماً، وإن انهيار المؤسسات الثقافية لا يدل إلا على فقدان الحس التاريخي في أهمية ودور الثقافة لدى الدكتاتوريات، ولدى مجموعة من المثقفين المنقلبين على أيديولوجيتهم اليسارية ويمكن وصفهم “بمثقفي معاهد الاستشراق”، ويضاف إليهم مثقفي النفط “المتلبرلين الجدد” من الليبرالية، وهذا يثير الحزن والشعور بالفقدان الذي يصعب تعويضه على المدى المنظور.
هؤلاء عملوا كي تختلط الأمور بعضها ببعض، ويهيمن خطاب تقليدي يتخذ أسماء الحداثة، بينما هو في الواقع مجرد تابع صغير لفكر كولونيالي (استشراقي) يعتقد أنّه عبر تقليده الفكر اليميني الغربي، وانبطاحه أمامه، يصير حديثاً وجزءاً من العصر.
أزمة “الثقافة” تطرح سؤالين مترابطين، السؤال الأوّل، هو ما سبب غياب المجلات الثقافية أو تهميش من بقي منها في سوريا والعالم العربي؟. الحقيقة لقد كان من آثار هذا الغياب، أن أوقع الثقافة العربية تحت تأثير ما يمكن أن يُطلق عليه مصطلح “ثقافة الشرفة“ أو “ثقافة الفترين”. فتمت شخصنتها، مما أدى إلى شيوع ذاتوية لا علاقة لها بالأسئلة التي كانت ولم تزل يطرحها النتاج الثقافي، وأدى بها أيضاً إلى التفكك الذي أصاب البنى الأيديولوجية جرّاء السجن، والإقصاء، والتهميش، والتجريف الذي مارسته الأنظمة العربية بحق الثقافة والمثقفين طوال العقود الماضية لم يتم استبداله برؤى تربط الثقافة بالمجتمع، وتصوغ فكرة أو أفكاراً جديدة للتغيير الثقافي والاجتماعي والسياسي.
السؤال الثاني، هو علام أزمة دور المثقف في العالم العربي اليوم والصورة تثير القلق فعلاً؟. فالمعادلة التي صيغت في مصر عن حماية الدولة للمثقفين المحدثين في مواجهة التيارات الأصولية لم تكن سوى مشروع مبتذل، قام بمحاولة إقصاء آخر ما تبقى من الدور الثقافي التنويري قبل أن ينقضَّ على الثقافة نفسها ويضعها تحت سنابك القمع والمنع والاتهام الأخلاقي والديني.
حين أضع الأزمة هنا، فأنا أحاول قراءة الفراغ النظري والفكري الذي سوف يتركه غياب هذه الصحف والدوريات على المشهد الثقافي ككل في هذا الزمن المملوكي وضده. الأزمة ليست تقنية فقط، وليست مرتبطة بالتوزيع والرقابة والكلفة بل بقاء واجتياح الصحافة المنفّطة “من النفط”، وأيضاً بقاء واجتياح الصحافة المصنومة “من الصنم” لكل شيء. الأزمة اسمها الحصار. الثقافة محاصرة لكنها ربما لا تعي ذلك، أو هي غير قادرة على مواجهته، أو لا تملك رؤيا تسمح لها بخوض هذه المعركة الكبرى التي اسمها معركة الديمقراطية، وحرية الرأي، واستعادة المجتمع المدني حقه في أن يكون مؤثراً.
الرقابة سوف تستمر، بل سوف تتزايد والمماليك القدامى والجدد سوف يتكاثرون على مائدة النشر والكتابة. المعركة إذاً ليست هنا، لأنها إذا خيضت على هذا المستوى سوف تكون خاسرة، المعركة يجب أن تتم في حلبة أخرى اسمها أخلاق الكتابة، نعم المعركة أخلاقية في جوهرها، رغم أن التهمة الأساسية التي يُرمى بها الأدباء هي خروجهم عن الأخلاق!، وفي المعركة يجب أن يتحطم ويتفكك المستوى الأخلاقي الكاذب للأنظمة الديكتاتورية وللفكر الأسود الإقصائي الترهيبي للإسلام السياسي بكل فروعه ومنابعه، وأيضاً للفكر الاستشراقي الجديد في آنٍ واحد.
عنوان معركة الثقافة هو الحرية، حرية الكاتب وحرية القارئ، والحريتان لا تنفصلان، لا تستطيع أن تكون كاتباً أو فناناً حرّاً في مجتمع مستعبد، كما لا تستطيع أن تكون كاتباً أو فناناً حرّاً في قيم ومعايير مؤقتة، توضع من أجل أن تُستبدل بعد حين. في معركة الحرية هذه لا مكان للعبيد وخدّام الأنظمة ولأدعياء الحداثة الكاذبين، إنها معركة كبرى، هدفها الأوّل استعادة المثقف دوره، وتحطيم أوهام “التجسير” أو المساعدات المالية البريئة (من مؤسسات أمريكية وأوروبية ونفطية ملتبسة)، والربط بين القضية الوطنية العربية والديموقراطية.
قد تجد الثقافة الديمقراطية نفسها محاصرة ومعزولة، قد تقل المجلات الباقية أو قد يتراجع توزيعها بفعل القمع والمنع، قد يجد المثقفون أنفسهم في قفص الاتهام من جديد (مثلما يحصل في سوريا اليوم والبارحة) لكن هذه الثقافة المحاصرة هي العنوان الوحيد للحاضر والمستقبل، “هذا إذا امتلكت تفاؤل الإرادة في مواجهة تشاؤم العقل”، على حد تعبير “غرامشي”.