سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الدولة التركية المُحتلة تَستخدم “القوة الناعمة” في استراتيجية الغزو الثقافي للشعوب السورية

برخدان جيان_

بالرغم من ممارسات التهجير، والتوطين للسوريين، والتي أطلقها المسؤولون الأتراك في الآونة الأخيرة، إلا أن استمرار النفوذ التركي العسكري على الأرض السورية، لن يكون طويل الأمد بالرغم من المخططات التركية، والاندفاع التركي لاحتلال الأراضي السورية، في مقابل العمل على ديمومة طرف موالٍ، أو إيجاد اتفاق ما…! بما  يحقق أطماعه، في حال انسحاب جيش الاحتلال التركي عسكرياً من الأراضي السورية، وهذا الأمر مرتبط بالحل العام للأزمة السورية.
ويتخطى الأمر تبعات ما يتعلق بالوجود العسكري التركي، كقوة احتلال، فلم ينجز المحتل التركي اتفاقاً مع أي من الأطراف المرتزقة التابعة لتركيا، أو ما يسمى (الحكومة المؤقتة)، أو إيجاد شرعية لهذه الأطراف، بما يحقق أهدافها على الأرض السورية، وهو القضاء على  مشروع الإدارة الذاتية، الذي أُسس بتضحيات الشعوب السورية الأصيلة، طوال السنوات، التي كانت شاهدة على الأزمة السورية منذ عام 2011، وأدلجة المنطقة لربطها ثقافياً بتركيا من خلال القوة الناعمة المرافقة للتدخل العسكري المباشر على الأرض السورية.
وعليه تسعى الدولة التركية المحتلة في الوقت ذاته على دوام تواجدها، وممارسة الانتهاكات بحق الشعوب السورية الأصيلة، من خلال وكلائها من المرتزقة، والأجانب، وهذا ما يوفر لها التغطية، ومساعدتها في دعم مسار ديمومة نفوذها في المناطق السورية، التي تحتلها، وتخفيض عدد قواتها، والاكتفاء بالتوزع ضمن قواعد عسكرية محدودة التواجد، ومراقبة التطورات السياسية، والعسكرية على الأرض بما يضمن مصالحها.
لطالما رأت الدولة التركية المحتلة في المنطقة الممتدة من الموصل شرقاً، وحتى عفرين، وإدلب (شمال غرب سوريا) جزءاً من استراتيجيتها الاستعمارية، والاستيطانية، والعمل على تغيير التركيبة السكانية، في هذه المنطقة بما يخدم مخططاتها، وعليه يعتقد محللون: بأن التطورات العسكرية والسياسية، التي حدثت في عام 2019، وما قبلها سنحت لها الفرصة في محاولة ضرب مشروع الإدارة الذاتية (جيوسياسياً)، والتخطيط والترويج لما يسمى (المنطقة الآمنة)، والإعلان مراراً وتكراراً عن مشاريع لبناء مستوطنات في المنطقة الممتدة من سري كانيه مروراً بتل أبيض (كري سبي)، إلى عفرين وإدلب بتغيير التركيبة السكانية، وتهجير السكان الأصليين، وهذا ما تحرص عليه في كل مرة، وبهذا الصدد خططت منذ بداية الأزمة السورية، لاستقبال ملايين السوريين، ثم التخطيط لدخولهم إلى الأراضي السورية، التي تحتلها، وهذا ما يحدث فعلاً عبر إعلانها مؤخراً عن دخول ما يقارب 100 لاجئ سوري جلهم من مناطق (دير الزور ـ حمص ـ دمشق ـ إدلب …..وغيرها) عبر بوابة تل أبيض/ كري سبي الحدودية.
وحتى وقتٍ قريب، كُشفت تفاصيل (اتفاق أضنة) الذي أبرمه الجانب التركي “تسعينات القرن العشرين” عن سماح حكومة دمشق، للجانب التركي بالدخول بشكل مباشر، واعتقال أي مواطن سوري لمسافة تصل إلى خمسة كيلو مترات، وإطلاق يدها ضمن هذه المسافة، بحجة ملاحقة نشاط المناضلين الكرد، لذلك الدولة التركية المحتلة بقيادة النظام التركي الحاكم، الذي يقوده (حزب  العدالة والتنمية) استغلت هذه الاتفاقية كأساس لشرعنة دخول الجيش التركي عسكرياً إلى الأراضي السورية، لذلك تعمل الدولة التركية المحتلة على التأسيس، لاتفاق مع حكومة دمشق المستقبلية، بغض النظر عن بقاء النظام السوري الحالي، أو زواله لتجديد الاتفاقية السابقة، وفرض أخرى أكثر تفصيلاً، وأشد وطأة على السوريين، فليس هنالك ما يجعل تركيا ترمي كل مكاسبها على الأرض ببساطة، أياً تكن الصفقة مع دمشق، أو موسكو، بينما واشنطن نأت بنفسها عن بازار الاتفاقيات، بعد أن أطلقت يد إيران وتركيا… وغيرها من الدول الأخرى على الأرض السورية.
لذلك يرى محللون وخبراء بأن أي تسوية ستحصل على الأرض السورية، ستحافظ على اتفاقات سابقة كاتفاق أضنة 1998، ومن الوارد إعادة تجديد هذا الاتفاق، لما يمنح الدولة التركية امتيازات واسعة، كالتدخل العسكري داخل الأراضي السورية، ومن الممكن أن يكون لمسافات كبيرة، تتجاوز المسافة المقررة (خمسة كلم)، ومن الممكن أن يبنى على هذه الاتفاقيات إضافات جديدة، بما يحقق مخططاتها، لضرب أي مشروع ديمقراطي على الأرض السورية، ويقضي على طموحات الشعوب السورية في تحقيق تعايش مشترك، وأخوي مع شعوب المنطقة، على حساب زرع إسفين العداوة والفتنة، كأحد نتائج التغيير الديمغرافي بين أبناء الوطن الواحد، لذلك لا يستبعد محللون بميل النظام التركي الحاكم في تركيا، من إبداء ارتياح لحل مع حكومة سورية مستقبلية، أو الحالية، حتى وإن كانت فاشلة، وضعيفة لكن ضمن الاستراتيجية التركية، التي شرحناها آنفاً.
ويرى “مطلعون” بأن صفقة تهجير أهالي الغوطة، كانت ضمن مخطط مع حكومة دمشق، لتهجير السوريين من تلك المنطقة كـ (مستوطنين) في إدلب، وشمال حلب، وعفرين…ومؤخراً في سري كانيه وتل أبيض/ كري سبي على حساب تهجير الكرد السوريين من بيوتهم، في إطار جرائم الحرب والتطهير العرقي، والتغيير الديمغرافي، لذلك تستعمل الدولة التركية في المناطق، التي يحتلها وكلاء من المرتزقة، وما يسمى  بـ (الحكومة السورية المؤقتة) في تطبيق سياستها ومخططها البعيد الأمد، والترويج لذلك من خلال الدعاية، والتدجين على أوسع نطاق لتهجير ما تبقى من السكان الأصليين من الكرد، واستبدالهم بمستوطنين جدد، وفي الوقت ذاته، هذا لا يعني نفي المخطط التركي لاحتلال دائم للمنطقة، بل على العكس تماماً، ما يحدث الآن في المناطق، التي تحتلها تركيا، ومرتزقتها هو التأسيس (للغزو الثقافي)، وفرض الثقافة التركية بالمعنى الواسع من خلال نشر اللغة، والتعليم، والنظام المؤسساتي، والإداري التركي…. وغيرها.
وبينما تمثل الجامعات قلعة متقدمة في إطار (الغزو الثقافي)، تستمر السلطات التركية بإنشاء المزيد من التجمعات الاستيطانية في عفرين، وذلك لترسيخ التغيير الديمغرافي، وتغيير هوية عفرين الكردية، وتعمل تركيا على بناء كانتونات سكنية في مناطق شمال غرب سوريا، وشمال شرق سوريا للمستوطنين الجدد، وربطها خدمياً بالمؤسسات الخدمية التركية، أضف عليها زيارة المسؤولين الأتراك، للمناطق المذكورة، كرسالة تفهم على أكثر من صعيد.
ويرى “مراقبون” بأن أردوغان بعد أن أصدر مرسوماً رئاسياً، في سابقة هي الأولى، التي يصدر فيها مرسوم رئاسي تركي بشأن شمال سوريا، فيما بدا أنه إعلان رسمي، وتصريح يراد منه “أن المناطق السورية، التي احتلها جيشه لن يتنازل عنها بسهولة”، هو تهديد بدخولها في نطاق استراتيجية الأمل، المتعلقة بضمها للخريطة التركية في استفتاء مستقبلي، وليس فقط مسعى لتجذّر النفوذ من خلال ممارسات التوطين، وفرض سياسات الهيمنة، ونسف للقرارات الدولية، التي نصت عليها الاتفاقيات، والقوانين الدولية.
وحسب “مواقع إعلامية” فإن جمعيات سكنية مدعومة من الكويت، وبإشراف تركي، قامت بتشييد مستوطنات بريف عفرين، وذلك بالإشراف المباشر من قِبل ما يُسمى بالمجلس المحلي في عفرين، المدعوم من تركيا، بدأ المشروع ببناء المنازل ضمن مجمع سكني يضم قرابة 300 منزل، بالإضافة إلى معاهد دينية، بإشراف جمعيات ذات توجهات متطرفة، وسيتم إعطاء المنازل لمستوطنين من مختلف المناطق، والمحافظات السورية، وتوطينهم بها بدعم من جمعيات إخوانية.
ويفترض “مراقبون” أن الجامعات، التي أسستها الدولة التركية في المناطق المحتلة، والمستوطنات، قد تلعب بقصد أو بدون قصد دوراً في تصدير خطاب إسلامي سياسي، وداعم لتوجهات حزب العدالة، والتنمية بين السوريين، و ينطبق هذا الأمر على بعض الجامعات داخل تركيا، ويُدرّس في فروع الجامعات التركية في شمال سوريا اللغة التركية؛ فعلى سبيل المثال، يكون أحد شروط القبول الجامعي في فرع جامعة عينتاب في إعزاز، هو اجتياز امتحان ما يُسمى (اليوس)  باللغة التركية، أو الإنكليزية، لحملة الشهادة الثانوية، لذلك تعول الدولة التركية كثيراً على التعليم، ولا سيما العالي كضرورة لمشروع النفوذ طويل الأمد، وتسعى لتخريج دفعات متتالية من السوريين “المؤدلجين” والتابعين لها ثقافياً لتطبيق سياستها، ومخططاتها على الأراضي السورية، حيث خرجت الجامعات التابعة لها فعلياً، عدداً كبيراً من الدفعات إلى الآن، ولا تزال تخرج دفعات أخرى، لذلك ترى في فرض ثقافتها “سلاح هام” كقوة ناعمة، يمكن أن يكون لها دور مستقبلي في سوريا. لكن نجاعته في تحقيق المراد منه بسرعة، يحتاج إلى قوى محلية على الأرض، تدافع عنه، وهذه القوى هي من المرتزقة التابعة لها، وتعتمد عليها في المناطق السورية المحتلة، هنا كان من الضرورة تهجير سكان عفرين وسري كانيه، وتل أبيض/ كري سبي، وتوطين مستوطنين سوريين، وأيضاً أجانب، لتطبيق السياسة الاستيطانية، وإحداث التغيير الديمغرافي فعلياً.
ويحذر “محللون ومراقبون” من توسع العزو الثقافي، أو ما يعرف بـ (القوة الناعمة التركية) على الأراضي السورية، لأنها مرافقة للغزو العسكري، وتكون أحد أدواتها، وهذا ما كان يؤسس له المحتل التركي، لعقود عدة من خلال استغلال الحرب السورية، والأزمة المندلعة منذ 2011، وتبعاتها على الأوضاع الاقتصادية، والهوية الثقافية، والفراغ الهائل، الذي سببته الأنظمة المتسلطة، والحكومات الفاشلة، التي توالت على حكم سوريا.
لذلك يتبين بأن الاستراتيجية، التي تنتهجها الدولة التركية هي بعيدة المدى، تحاول من خلال امكاناتها الثقافية والعسكرية، ونفوذها الإقليمي والسياسي التأثير ثقافياً على المناطق، التي تحتلها، بهدف ابتلاع ثقافات الشعوب السورية، بما يحقق أهدافها البعيدة، وهذا الأمر مرتبط أيضاً بالتسويات، والاتفاقيات المستقبلية، التي تعول عليها لاستدامة نفوذها في المنطقة، وإضعاف الشعوب السورية المقاومة، وخاصة الكرد، وتمرير مخططاتها الاستعمارية، وتطبيقها على أرض الواقع.