سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أموال المانحين الدوليين.. أهي في بنوك الحكومات القمعيّة، والمتسلّطة، أم في جيوب السورييّن…!

برخدان جيان_

انتهى، مؤخراً، مؤتمر المانحين الدوليين في العاصمة البلجيكية (بروكسل)، وتم حشد الأموال، لدعم خطة الاستجابة للأمم المتحدة للعام 2022، فتزداد التساؤلات عن مصير تلك الأموال، والتي غالباً، ما يُسمع لها ضجيج على وسائل الإعلام، دون أي أثر ملموس على الواقع، وعلى حياة السوريين، التي يكابدونها بشكل يومي على وقع الأزمة الاقتصادية والمعيشية الصعبة، بسبب الحصار الاقتصادي، وأبعاد قانون قيصر، الذي أثقل كاهل السوريين بنتائجه الكارثية.
وتعهّد المانحون الدوليون بتقديم 6,7 مليار دولار لسوريا، في مؤتمر بروكسل، الذي انعقد يوم الثلاثاء الماضي، وقال مفوّض الاتحاد الأوروبي، لسياسة الجوار أوليفر فارهيلي: “إنّ هذا الحدث يأتي اليوم في وقت صعب بشكل خاص” في إشارة منه إلى الحرب الأوكرانية ـ الروسية، وتأثيراتها على المانحين الدوليين، والاقتصاد العالمي.
وتجاوزت التعهّدات مبلغ ستة مليارات وأربعة ملايين دولار، على أن تخصّص الأموال لمساعدة السوريين، وللدول المجاورة، التي تعاني بسبب اللاجئين، وليس لحكومة دمشق.
وحسب فارهيلي “أن المانحين الدوليين أرسلوا رسالة مهمة للسوريين، مفادها: بأنهم مستعدون لتقديم المزيد من الدعم لهم”، الدعم الذي يُخصّص منه جزء كبير من الأموال، لمساعدة السوريين، الذين لجؤوا إلى الأردن، ولبنان، وتركيا بالإضافة إلى مصر، والعراق.
وتعتمد آلية صرف المنح، حسب مطلعين على برامج تتم عن طريق المكاتب الإنسانية، والإغاثية للأمم المتحدة، وأموال المانحين الدوليين، حيث أنها تعدّ بمثابة الهيئة، التي تقوم بتنفيذ الأنشطة، والمشاريع الإنسانية، في إطار خطط وموازنات جاهزة، حيث يتم أولاً إقرار المبالغ، وبعد ذلك، يتم إقرار القطاعات، التي سوف يتم صرف المبالغ فيها، ومن ثم اعتماد المشاريع، حيث تُعتمد هذه الآلية كلها، وتُصاغ برمتها بالاتفاق مع المانحين الدوليين.
فيما يحذر مطلعون من مخاطر إعادة توزيع هذه الأموال على منظمات محلية، وهذه الطريقة تفتح أبواباً واسعة للفساد، وعدم وصول المساعدات إلى مستحقيها، وعدم استفادة الاقتصاد السوري، من تعهدات المانحين، بحكم أنه يتم الاحتفاظ بهذه الأموال، خارج الأراضي السورية، ويتم شراء المساعدات الغذائية كافة من الأسواق الخارجية، بدلاً من أن يتم شراؤها من التجار السوريين، وبالتالي إنعاش الأسواق المحلية، والعمل على خلق فرص عمل، وتحريك الدورة النقدية، داخل البلد، ويؤدي عدم وصول هذه المساعدات إلى قطاعات واسعة من السكان، إلى تضاعف حجم النفقات التشغيلية للمنظمات الدولية، “مشيرين”… إلى أن حوالي 50 – 60% من أموال المانحين المرصودة تذهب نفقات تشغيلية للمنظمات، كرواتب وغيرها.
وترى شريحة واسعة من المواطنين السوريين، أن المنح والمعونات، التي تتعهد الدول المانحة، يسمعها المواطن عبر وسائل الإعلام، ولكن تأثيرها ووجودها على أرض الواقع غير ملموس، فيما يخشون، بأن لا يختلف هذا المؤتمر عن سابقيه من المؤتمرات الأخرى المخصصة لدعم الشعب السوري، وبالتالي لن يستفيدوا من تعهدات المانحين، بسبب عدم وجود اعتراف حقيقي بممثلي الشعوب السورية، وخاصة في شمال وشرق سوريا، واقتصار التعامل على منظمات عاملة في المنطقة، ومنحها الأموال المخصصة لدعم السوريين، بما يخدم فعلياً الدول المجاورة لسوريا، وخاصة الدولة التركية، ووصول ملايين الدولارات بطريقة، أو بأخرى إلى الجهة الخاطئة، كما ويتم المتاجرة بالأموال المخصصة من قبل الدول المانحة، عبر الترويج لبرامج دعم فاشلة، وليست مجدية.
ويرى “اقتصاديون” أن المساعدات والهبات الدولية، لم تجد الكثير من النفع في أوقات السلم، ولن تكن كذلك في ظل الحرب، في حين تذهب أغلب تلك التعهدات كنفقة تشغيلية للمنظمات الدولية، والمحلية، وما يصل إلى المواطن، لا يكاد يفي باحتياجاته المعيشية والغذائية، لذلك يجب توفير آلية جديدة لاستيعاب تعهدات المانحين، وتوظيف تلك الأموال، بطريقة صحيحة تدعم الاقتصاد السوري بطريقة مباشرة، وإيداع تلك الأموال في بنوك تُدار من قبل ممثلي الشعوب السورية، الأمر الذي سيكون له مردود إيجابي في تحسين الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية، والحد من آثار التضخم، ورفع القوة الشرائية للمواطنين السوريين.
وتواجه هذه الآلية المتبعة من قبل الأمم المتحدة، إشكاليات كبيرة، تحرم كثيراً من السوريين، الذين يعانون من تردي الوضع المعيشي في الحصول على الجزء اليسير من حصتهم المقررة من المساعدات الدولية، حسب برامج الدعم الإنساني، والإغاثي من قبل المنظمات الدولية المدعومة، فيما تضاعف حجم النفقة التشغيلية للمنظمات، والتي تذهب معظم أموال المانحين، في تغطيتها.
وتصل المبالغ التي تعهد بها “المانحون الدوليون” لأرقام كبيرة، فيما لو أضيف لها: ما تعهدت به دول أخرى غنية، وإذا أمكن تخيل هذه المبالغ، لوجدنا أنفسنا أمام رقم كبير، وكبير جداً، قادر على أن يغطي تلك الاحتياجات كلها، التي بات السوري، سواء أكان داخل وطنه، أم كان لاجئاً أو مهجراً، بأمس الحاجة إليها، وما كنا قد شاهدنا الحالة المزرية، التي وصل إليها الآلاف من السوريين في المخيمات.
ويتساءل اللاجئون، والنازحون، والمهجرون السوريون، ومعهم الكثير من المراقبين حول العالم، أين تذهب هذه التعهدات؟! وأين تذهب هذه الأموال؟!، ولماذا إلى الآن نجد أن هناك مأساة بمعنى الكلمة، تتجسد يومياً في المخيمات، وتواجهها الشعوب السورية يومياً، رغم تلك الأموال كلها، التي تتدفق إلى السوريين في مثل هذه المؤتمرات؟!، والغريب أن هذه المؤتمرات، التي توالت في عدة عواصم عالمية، فشلت في أن تجد لها طريقاً على أرض الواقع، وبقيت المنح والأرقام، التي تعلن عنها مجرد أرقام وحسب، خاصة أنه ليست هناك أية شفافية في آلية صرف مثل هذه المساعدات، وكيفية إيصالها لمستحقيها.
وفي السياق ذاته، تشير بعض التقارير الغربية، إلى أن جزءاً من هذه الأموال سوف يوزع من خلال الهلال الأحمر السوري، ومنظمات ذات صلات بحكومة دمشق، والتي أتقنت على مدى السنوات الماضية سرقة أموال المانحين الدوليين، بغلاف ما يُسمى بـ ” المنظمات غير الحكومية” لتصل إلى خزينتها بطريقة أو بأخرى، ولا يمكن أن تصل إلا إلى المناطق، التي تريدها حكومة دمشق، لذلك يجب على ” الأمم المتحدة” شرح آلية، وكيفية صرف هذه الأموال، خاصة أن تجربة المؤتمرات السابقة، وبما لا يقبل مجالاً للشك، أن هذه الأموال بقيت بعيدة كل البعد عن متناول الشعوب السورية، صاحبة المأساة، والمعاناة الحقيقية، كذلك هنالك تساؤل حول كيفية وصول المساعدات…؟، ومدى استفادة اللاجئين السوريين المتواجدين في تركيا من أموال المانحين…؟!، وكيف استطاعت حكومة “العدالة والتنمية” سرقة أموال السوريين الممنوحة…، وذلك من خلال المتاجرة بهم، واستخدامهم كورقة ضغط، تلوّح بها، كلما اقترب انعقاد مؤتمرات المانحين الدوليين..!.
لذلك على العالم أن يدرك اليوم: أن الشعب السوري يقف وحيداً، وأن ما يعلن عن أموال تخصص لمساعدته، قد تذهب جلّها إلى خزائن الحكومات المعادية للشعوب السورية، التي عانت من ويلات الأزمة، وأهوالها منذ أكثر من عقد من الزمن، إن لم تكن هناك شفافية، وقدرة تنظيمية حقيقية، تستطيع الوصول إلى المحتاجين للمساعدة، ويتساءل المواطنون السوريون، أين تذهب مليارات الدولارات، التي يُعلَن عنها؟ لماذا لم تنعكس في واقعنا، وفي حياتنا المأساوية المُعاشة؟ لماذا أبناؤنا ما زالوا يموتون برداً ومرضاً؟، لماذا ما زلنا نعاني التهجير داخلياً وخارجياً؟ وهل تذهب هذه الأموال إلى الحكومات، وإلى الأنظمة المتسلطة، التي سببت معاناتنا…؟!، هنالك أسئلة تنتظر الإجابة، ويبدو أنه ليست هناك إجابة شافية، يمكن أن تتمثل بانتشال الشعوب السورية من واقعها المأساوي، لا بمساعدتها شكلياً وحسب، وإنما بالعمل الحقيقي لتخليصها من نير الحكومات المعادية، والفاشية المتسلطة، وعلى رأسها النظام التركي المحتل، الذي يُتاجر بالسوريين، ويستعبدهم على أرضه خدمة لاقتصاده الذي أوشك على الانهيار لولا اليد العاملة للسوريين، والاستفادة من سرقة أموال المانحين الدوليين، والتلويح بالسوريين في كل مرة، كورقة للضغط على الأطراف الدولية كافة، وابتزازهم، وإلا فلا جدوى من هذه المؤتمرات، إذا لم تكن تخدم عودة المهجرين، والسوريين اللاجئين والنازحين كافة إلى ديارهم، ويتم العمل على إعمار سوريا الجديدة الديمقراطية الحرة.