سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الحرب الروسيّة – الأوكرانية بميزان المكاسب والخسائر

إبراهيم الماشي_

يمكن اعتبار على الأقل هذين الحدثين انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من أفغانستان والحرب الروسيّة – الأوكرانية، من أهم الأحداث التاريخية هذا العام، إلا أن الحدث الأول إذ لم يكن بالأهمية الكبرى فإن الحدث الثاني من الأهمية بمكان أنه سيغير من شكل العلاقات الدولية وتبدل خارطة التوازنات والتحالفات الدولية في الشرق والغرب وبالأخص أن هيمنة القطب الأمريكي الأوحد في هذا الظرف باتت على المحك، وعليه فإن تأثير هذه الحرب سيتعدى ما هو المتوقع منها إلى حصد المكاسب والخسائر!
لقد دخلت السياسة الدولية بين روسيا والغرب مرحلة جديدة من الضمور والتشنج لا سيما أن التنافس فيما بينهما أخذ يتسم بطابع المكايدة وليِّ اليد من كلا الطرفين، فالغرب لا يتوانى عن تقديم الدعم العسكري المتطور إلى أوكرانيا من أجل إبقائها في دائرة الإنعاش والمجابهة فيما روسيا تواجه الغرب بسياسة العصا والجزرة وإحراجه في قضايا إمداد الطاقة لأوروبا.
إن إعلان روسيا الحرب على أوكرانيا وإدارة ظهرها لدعوات الغرب بالتريث لم تُفلح وهو ما جعلها على المستوى الدولي تفقد العديد من الميزات السياسية التي كانت تحظى بها من قبل ومن بينها إنها كانت من إحدى الدول الفاعلة والمؤثرة في حل النزاعات والأزمات الدولية ناهيك على أنها مصدر ثقة دولية لكثير من الدول، ويُنظر إلى بوتين على أنه أحد أبرع القادة السياسيين في العالم، أضف إلى ذلك بأن روسيا يُنظر إليها بأنها صادقة مع حلفائها، وهذا ما يُفسر أن بعض الدول تجنبت تأييد الموقف الغربي حيال روسيا مع بداية الحرب.
ويمكن اعتبار أن شرارة الحرب لم تكن وليدة اللحظة بل خُطِط لها منذ عام 2004 عندما تدخّل بوتين بشكلٍ مباشر بالانتخابات الرئاسية الأوكرانية من خلال زيارته للعاصمة كييف وفق رغبة روسيّة بأن يكون الرئيس الأوكراني موالي للكرملين، وبحسب الأيديولوجيا الروسية التي تعتبر أوكرانيا جزءاً لا يتجزأ من روسيا فإن روسيا تروّج ببث الدعاية لكسب ثقة الشعب الروسي وأيضاً للروسيين في أوكرانيا بتأييد الحرب من ذلك ما مفاده أن: «الرئيس الأوكراني من أصل يهودي»، ودعاية أخرى بأن: «الشعب الأوكراني موالي للنازية وهتلر».
وهناك العديد من الدول التي تريد أن تُعيد أمجادها وعظمتها التاريخية لكن ليس بعقلية ووحشية الحروب في عهد الإغريق والقرون الوسطى وإنما بدول تعيش الحاضر وتطور القرن الحادي والعشرين الذي يتسم باستخدام أحدث التكنولوجيا العسكرية مثل الطائرات الحربية وراجمات الصواريخ واستخدام الأسلحة الكيمياوية والنووية المحرمتين دولياً، وما يعزز هذا الشعور رفع روسيا لعلم الاتحاد السوفييتي بشكلٍ صريح وواضح على مشهد العالم، وتأسيساً على ما سبق تتعدد الأهداف التي تريد روسيا جنيها من حربها هذه وليس كما يشاع بأنها ترغب بتحرير أوكرانيا من القوميين الأوكرانيين، وهي كالتالي:
ـ تريد روسيا تضليل الرأي العام الدولي تحت مزاعم الحفاظ على أمنها القومي ومنع أوكرانيا من الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي أو الناتو، في المقابل تسعى روسيا إلى كسر شوكة حلف الناتو وهي لا تتأبى في تحذير الدول الغربية التي لم تنضم بعد من مغبة الانجرار إلى الدعوات الأمريكية لتوسيع الحلف شرقاً في دول جديدة وإلا سيكون مصيرها كمصير أوكرانيا.
– تريد روسيا أن تظهر بمظهر الدولة القوية وعلى الأقل المنافسة للهيمنة الأمريكية في كثير من الملفات الدولية، وهي بذلك لا تأنف أبداً من مواجهة أمريكا في الشرق الأوسط بل تحاول أن تؤدي أدواراً في تحجيم النفوذ الأمريكي الذي يتزايد في دول أوروبا الشرقية فيما تريد روسيا أن تحجز مقعدها في التحكم بالوسط الفاصل بين أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية.
ـ تدرك بعض الدول الأوروبية صعوبة تعويض إمدادات مصادر الطاقة الروسية وإن كان حتى اللحظة غير متوفر، بالإضافة إلى أن الأمر مُكلف ويتطلب بعض من الوقت لتأمين البديل عن الصادرات الروسيّة، بينما سوق النفط العالمية لا تستطيع وحدها تأمين الاحتياجات الاقتصادية لأوروبا وهو ما سيؤثر بخسائر كبيرة تُقدر بـ 600 مليون يورو، وما من شك أن الخسائر الأوروبية إذا قورنت بخسائر روسيا فهي أكبر وهذا يبين شدة الابتزاز الروسي، أضف إلى ذلك تبعات مرض كورونا وتغير الظروف المناخية وتوقف تصدير القمح الأوكراني الذي لا يستطيع القمح الهندي سد احتياجات العالم بدلاً عنه وهذا ما سينعكس على مجمل الأحداث الأخرى عالمياً، وبالتالي قد لا نُفاجئ فيما بعد بتغيير بمواقف بعض الدول إزاء الحرب إذا طال أمدها سواء بالضد أم التأييد.
ولا شك أن أمريكا لا تريد للحرب أن تنتهي بسرعة بل تريدها أن تستمر أطول فترة ممكنة وهدفها من ذلك اختبار واستنزاف قوة روسيا العسكرية في المقابل تتسع فجوة العزلة الدولية على روسيا ومعها تفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية التي تصطدم بعناد روسي متحجر إلا أن الخاسر الأكبر هو الشعب الأوكراني الذي يدفع الفاتورة الكبيرة لمسلسل المقايضات والمصالح الدولية منذ أن تنازل عن ترسانته النووية، وعليه فإن استمرار الحرب سيزيد من تمدد النفوذ الإيراني في سوريا والمنطقة بشكلٍ عام بالإضافة إلى ظهور مآرب للتنين الصيني.
وأما بالنسبة لسوريا فقد بدأت مؤشرات التحرك التركي أكثر وضوحاً من خلال لعب دور الشرطي في المنطقة في ظل الانشغال الروسي بالحرب الأوكرانية من خلال إطلاق تصريحات حول إعادة اللاجئين السوريين، وبالتالي ينبغي على الإدارة الذاتية تداركها قبل فوات الأوان، وأنا على ثقة تامة بأن الإدارة الذاتية لديها ما يكفي من السياسيين والدبلوماسيين الذين يستطيعون معالجة الأمور مهما بلغت خطورتها ويسعون دائماً إلى تجنيب الشعب ويلات الحرب، وأنا أقول دائماً السياسة إذا لم تمنع الحرب فهي تُخرجنا منها بأقل الخسائر.