مير عقراوي (كاتب بالشؤون الإسلامية والكردستانية)_
تُنسب إلى نابليون بونابرت [1769 – 1821] المقولة الهامة التالية عن الدور الحاسم والحيوي والفاعل كثيراً في الجغرافيا الطبيعية في قدر البلدان ومصائرها حيث صاغها في ثلاث كلمات، هي إن: “الجغرافيا هي القدر”!.
بالحقيقة إن هذه المقولة لنابليون لها حقيقتها ومصداقيتها ماضياً وحاضراً في قدر البلدان والشعوب على الصعيد السياسي والاجتماعي والحضاري والثقافي والصناعي والاقتصادي والعسكري وغيره، عليه فلو أمعنَّا النظر تاريخياً في تاريخ الإمبراطوريات والدول العظمى في العالم، في الماضي والحاضر نجد أن الجغرافيا، طبعاً بالإضافة إلى العوامل الداخلية والذاتية لتلك الإمبراطوريات والدول قد لعبت أدواراً حاسمة وأساسية ومفصلية فيما وصلت إليه من مَنَعة وقوة وازدهار ورقي ورخاء وتقدّم في مناحي الحياة كلها.
لهذا فإن المجال البحري هو الشرط الأول الجغرافي الحاسم والأساسي والهام والضروري جداً لتشكيل القدر السوي والإيجابي والناجح لبلد ما وشعب ما، في هذا الشأن إذا فقد بلد ما قدره في امتلاك امتداد بحري حينها سيكون من الصعب والعصيب والعسير جداً إمكانية التحكم في إرادته ومصيره وشؤونه وكيانه الجغرافي بشكلٍ مستقل وحر وصحيح، هذا ناهيك من أن يتمكن بتشكيل دولة مقتدرة وقوية ومؤثرة وذات فاعلية في السياسة الإقليمية، أو الدولية.
في شأن الجغرافيا الهام والحاسم التي هي في طليعة العوامل الحاسمة في تشكّل وازدهار البلدان وتطورها وقوتها فإن كردستان تفتقد – للأسف البالغ – إلى هذا العامل الحيوي، حيث إنه أعاق دوماً وباستمرار، إضافةً إلى عوامل ذاتية – داخلية أخرى لقيام كردستان مستقلة ككيان جغرافي ووطني ورسمي لاعب في السياسة الدولية، وله إثباته وواقعه المتميز في الخرائط السياسية الرسمية الدولية، أي افتقاد كردستان لمنفذ وامتداد بحري طبيعي جغرافي خاص بها كما هو الحال بالنسبة للكثير من البلدان في العالم.
إن قدر وقوع كردستان في الماضي والحاضر بين دولتين كبيرتين وقويتين جداً، وهما تركيا وإيران حال دون تمكنها من الاستقلال بهويتها الوطنية الخاصة بها كأيِّ شعب وأمة في المعمورة رغم الحركات والثورات المتكررة والتضحيات الجبارة التي قدمها الشعب الكردي في سبيل الحرية والاستقلال الوطني.
تأسيساً لما ذكرناه نستطيع القول على ضوئه وبالاستناد عليه؛ إن كردستان بحسب الواقع الجغرافي الحالي لها هي ساقطة على المستوي الجيوسياسي، وهي أيضاً مخنوقة جيوسياسياً، لذلك ولغيره من الأسباب والعوامل الذاتية بطبيعة الحال فشلت جميع المحاولات الكردية في الماضي والحاضر، في تأسيس كيان كردستاني جغرافي مستقل ذي طابع رسمي مُعترف به لدى السياسة الدولية والشرعية الدولية.
لعله بسبب فقدان كردستان القدر الجغرافي الإيجابي، ولم تكن كياناً مستقلاً يومها، وربما لعوامل أخرى أيضاً لم تَفْرد السياسة الدولية في بدايات القرن العشرين المنصرم كياناً جغرافياً وطنياً مستقلاً وخاصاً بكردستان وشعبها، بل إنها جزأت وقسّمت الكرد وكردستان على الدول الجارة المحيطة بهم، وهي كما هو معلوم؛ تركيا، إيران، العراق وسوريا مُذْ اتفاقية سايكس – بيكو البريطانية الفرنسية لعام 1916 من القرن الماضي.
يتضح من السياسة الدولية يومذاك أنها قد أقامت حظراً دولياً سياسياً ورسمياً على قيام دولة كردستان، ثم كما يبدو بوضوح أيضاً إن الحظر الدولي هذا لقيام دولة كردستان في كردستان مستمر في رسميته حتى يومنا هذا، وهو سيستمر حتى الأمد المنظور. واضحٌ، كل الوضوح إن الغاية الأساسية لتوزيع كردستان على الدول المحيطة بها، هي إسقاطها جغرافياً وسياسياً وإفشال أيَّ محاولة كردية تهدف إلى الاستقلال، وهذا لا يعني إلاّ إن قيام دولة كردستان هو من المحال على الأقل في المستقبل المعلوم.
إن تقادم الزمن على قضية كردستان بلا حلٍّ ولا يلوح في الأفق المعلوم أيَّ حلٍّ قد ألحق بها أفدح الخسائر والأضرار، بخاصةٍ على الصعيدين الديموغرافي والجغرافي بسبب السياسات العنصرية التتريكية والتفريسية والتعريبية التي تمارسها الدول المحيطة بكردستان والكرد، هذا بالإضافة هناك مناطق ومدن كبيرة من كردستان قد تم مسحها من واقعها الجغرافي، أو بعض منها يقع ضمن السياسة الدولية أيضاً، مثل مدينة كركوك في كردستان العراق الغنية بآبار النفط، ومعلوم لدى كل متابع للقضية الكردية الموقف السلبي للسياسة الدولية من الاستقلال الكردستاني وقيام دولة كردستان، أي إن السياسة الدولية كانت ومازالت تخالف اعتبار مدينة كركوك من ضمن كردستان العراق، علاوةً على مناطق ومدن أخرى في مختلف أجزاء كردستان التي تتبع تركيا وايران وسوريا ، لذلك فإن كردستان تعرضت للعوامل المذكورة بسبب تقادم الزمن عليها بلا حلٍّ إلى المزيد من التقلص والانحسار الجغرافي والديموغرافي، بل هناك مناطق من كردستان قد انسلخت عنها تماماً، مثل منطقة لورستان في كردستان إيران!