سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

مجزرة حي التضامن.. معاقبة المجرمين طريق حلحلة الأزمة السورية، وتحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية

برخدان جيان_

ما انفكت ردود الفعل الدولية، والإنسانية عن التعليق على فيديو “حي التضامن” الوحشي الذي عرضته (صحيفة الغارديان) البريطانية، والذي يُوثق بالصوت والصورة مشهداً وحشياً، لطالما عاشته الشعوب السورية على مدار أكثر من عقد من الزمن في ظل الأزمة السورية، التي أتت على الأخضر واليابس، ليشكل هذا الحدث منطلقاً جديداً يدل على تورط حكومة دمشق في مجازر ميدانية، راح ضحيتها آلاف السوريين، في حين تؤكد الصحيفة على أن الفيديو المروع، الذي نشر عن مجزرة حي التضامن في دمشق، هو واحد من بين سبعة وعشرين  مقطعاً مصوراً لمجازر مماثلة، ارتكبتها قوات حكومة دمشق… وذلك وفق تحقيقات أعدها باحثون، ومراكز مختصة في توثيق مجازر الإبادة الجماعية في جامعات أوروبية.
من جهة أخرى، يبدو أن حكومة دمشق تُحاول التغطية والتخفيف من فضيحة حادثة “المجزرة”، التي ارتكبها عناصرها، وسجلوا تفاصيلها بكل وحشية وبربرية، خلال أكثر من عقد من عمر الثورة السورية، التي انطلقت في ربيع 2011، ولفت الأنظار إلى أحداث كادت أن تنسى، وتحول سوريا إلى “أزمة منسية”، وفق تصريحات مسؤولين أممين، من خلال إصدار عفو عام عن المعتقلين في غياهب سجونه، ومعتقلاته بحسب العفو الصادر من قبله بعد انتشار مقطع مجزرة التضامن.
وورد في تقرير الصحيفة تفاصيل هامة، تم عرضها لأول مرة من قبل شهود عيان وصحفيين، ومختصين، وبتفاصيل دقيقة للغاية، تشرح كيفية حدوث المجزرة المروعة، والأشخاص المتورطين في ارتكابها، وهم عناصر يتبعون لمخابرات حكومة دمشق، أو بالأحرى لرأس النظام السوري، وتم تسرّيب تلك التسجيلات، التي تضمنت عمليات الإعدام الجماعية إلى الباحثين، ومعدي التقرير المثير للجدل، والذين خاضوا بدورهم رحلة بحث طويلة وشاقة عن الجناة، الذين ظهروا في التسجيلات المصورة.
وفي تفاصيل المجزرة المروعة، فإن نشطاء ومتتبعين للحادثة، استطاعوا التوصل إلى معلومات هامة، أفضت إلى التعرف إلى هوية الفاعلين من خلال تتبعهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وحتى بالتواصل مع موالين للنظام السوري من ضباط ومدنيين، وتكوين شبكة واسعة من العلاقات معهم، و بعد بحث مطول، أثمرت هذه الجهود إلى الوصول إلى  الحساب الشخصي الخاص بمنفذَي مجزرة التضامن، الذين ظهروا في تسجيل صحيفة الغارديان، ومن ضمنهم (صف الضابط أمجد اليوسف)، وزميله نجيب الحلبي، وتم من خلال هذه التوصل إلى معلومات تفيد بأن (صف الضابط أمجد) هو موجود الآن على رأس عمله في دمشق، بعد نقله من مسؤول أمن خطوط الجبهات في مخيم اليرموك، وحي التضامن بدمشق إلى عمله الأساسي في فرع المنطقة التابع للمخابرات العسكرية.
وكشفت المعلومات وحيثيات المجزرة، بأنه في عام 2013، وهو التاريخ، الذي اُرتُكبت فيه المجزرة في حي التضامن جنوب العاصمة دمشق، كانت أحياء عدة، تخضع لحصار حواجز النظام السوري من أبرزها (القدم ـ التضامن ـ الحجر الأسود ـ مخيم اليرموك)، وكان المدنيون أمام خيارين، إما الموت جوعاً، أو الاعتقال، والتصفية على يد عناصر الحواجز العسكرية، التي أطبقت حصارها على أحياء عدة في مدينة دمشق، في حين أن الممارسات، والاعتقالات التعسفية، ثم التصفية لم تكن شيئاً مستغرباً، بل كانت تحدث بشكلٍ دائم على يد عناصر قوات حكومة دمشق، وخاصة في حي “التضامن” الذي كان أشبه بالثقب الأسود، الذي كان يبتلع أبناء أحياء جنوب دمشق، إذ أن من يُعتقل لديهم كان يُعد في عداد الأموات، ويتعرض للتعذيب والتنكيل، وبظهور تسجيلات الإعدامات، والجرائم في حي التضامن، تعالت الأصوات من جديد في المسارعة لمحاسبة النظام السوري، وتقديم الجناة والمتورطين في مجازر ضد السوريين للعدالة، لما يحمله التسجيل من أدلة دامغة تظهر مرتكبي الجرائم بحق المدنيين السوريين المحاصرين.
وحسب “محللين سياسيين” فإن الفيديو الذي يوثق مجزرة قوات حكومة دمشق في حي التضامن بمدينة دمشق، يضم أدلة قوية يمكن البناء عليها قضائياً، والكشف عن مجزرة التضامن، سيشكل أيضا إحراجاً سياسيًا لأي يد تمد لمصافحة رأس النظام بشار الأسد، وهو الذي يقود الجيش والقوات المسلحة، التي تضم الأجهزة الأمنية، وتمكن من تحديد هوية المجرم والفرع، الذي ينتمي إليه بالتالي إدانة أجهزة النظام السوري بقوة، والتمهيد لمحاسبته دولياً.
وحسب حقوقيين؛ فإن التسجيل المصور لحادثة المجزرة، تم تقديمه بالفعل إلى مدعين عامين في عدد من الدول الأوروبية (ألمانيا ـ فرنسا ـ هولندا)، للبدء بالإجراءات القضائية ضد مرتكبي هذه المجزرة المروعة.
وعقب نشر صحيفة “الغارديان” البريطانية لتقريرها الصحفي، والذي يعد من “العيار الثقيل” أصدر رأس النظام السوري مرسوماً رئاسياً، يقضي بمنح عفو عام عن الجرائم “الإرهابية” المرتكبة قبل تاريخ 30  نيسان/ 2022 مستثنياً “الجرائم التي أفضت إلى موت إنسان” حسب بيان نشرته وكالة (سانا) في حين عده مسؤولون في حكومة دمشق، بأنه بمثابة “مصالحة وطنية شاملة لكل أبناء الوطن” حسب تعبيرهم، وبأنه جاء تتويجاً لنهج المصالحة والصفح والمسامحة، الذي انتهجته حكومة دمشق عبر نظام ما يعرف بـ “المصالحات” في العديد من المناطق السورية”.
من جانب آخر، يرى نشطاء ومتابعون للشأن السوري، أن مرسوم العفو الذي أصدره “بشار الأسد” يأتي في إطار محاولاته للتخفيف من آثار مجزرة التضامن، التي فتحت الباب واسعاً على جرائم الحرب المشابهة، وربما الأكثر فظاعة، التي ارتكبتها قوات حكومة دمشق المدعومة من أطراف دولية وإقليمية، فضلاً عن التغطية على وفاة آلاف المعتقلين في سجون، ومعتقلات “سيئة الصيت” طوال سنوات الأزمة السورية.
 ويرى سياسيون في مجلس سوريا الديمقراطية، بأن مجزرة حي التضامن هي نقطة سوداء في إطار الحرب السورية، التي أدخلت السوريين في نفق مظلم من العنف، لم يشهد له العالم مثيلا في القرن الحالي، ليصبح الشعب السوري ضحية الصراع على السلطة، والاصطفافات الطائفية والمذهبية، وتنفيذ الأجندة الخارجية، لينتج عن ذلك سيل من الدماء، وارتكاب المجازر، التي يندى لها جبين الإنسانية، ومنها المشاهد المصورة، التي خرجت مؤخراً إلى العلن لمجزرة حي التضامن، والتي صدمت العالم لبشاعة الجريمة المرتكبة بدم بارد بحق المدنيين السوريين، الذين ظهروا في الفيديو معصوبي الأعين، ليتم إعدامهم بالرصاص، وحرق جثثهم في مشهد أقل ما يقال عنه بأنه وحشي ومروّع.
ويؤكد حقوقيون، وسياسيون في مناطق شمال وشرق سوريا، بأن المشهد الذي ارتكب في مجزرة حي التضامن يُعيد إلى الأذهان عشرات المجازر، التي ارتكبت بحق السوريين، ومن قبل مختلف الأطراف، حيث تم تصفية السياسية وصانعة السلام هفرين خلف بدمٍ بارد، وبكل وحشية مع سائقها ومرافقيها، وأيضاً جريمة التمثيل بجثة بارين كوباني، وقطع أوصالها أمام الكاميرات، وبحماية وتغطية من قبل الجهات المعادية، والدول المحتلة على رأسها الدولة التركية المحتلة.
ويشدد مراقبون وحقوقيون بأن مجزرة التضامن ستفتح الباب واسعاً للمطالبة بمعاقبة المتورطين، ومجرمي الحرب بحق السوريين، وإحالتهم إلى العدالة بعد تشكيل لجان للتقصي عن الجرائم المرتكبة بحق السوريين، وخاصة آلاف الجرائم التي لم تظهر إلى العلن، قد ظهرت، بعد هذا المشهد، للعلن، حيث أن هنالك عشرات المجازر، التي لم يتم توثيقها في السجون، وخلف الأبواب المؤصدة، ويجب تقديم المتورطين كلهم في ارتكاب هذه الجرائم، وسوقهم إلى العدالة.
وفي إطار ما يعرف” بالمصالحة الوطنية” التي تسوقها حكومة دمشق بين الفينة، والأخرى، يتضح بأنه لا يمكن الوصول إلى حل سياسي شامل، إن لم يتم معاقبة مجرمي الحرب، مع بيان مصير المفقودين والمعتقلين، بالتالي ما تنادي به حكومة دمشق هو تسويق زائف، يهدف إلى المماطلة وكسب الوقت، وتجميل صورتها البشعة في كل مرة تخرج فيها فضائح ومجازر، تورطَ بها عناصر تابعون لها بحق المدنيين السوريين خلال السنوات المنصرمة، التي تلت اندلاع الآزمة السورية، والاستمرار باتباع سياسة الإنكار، وعدم الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعوب السورية، وخاصة في مناطق شمال وشرق سوريا، لذلك لا يمكن بناء وطن يقوم على المواطنة، واحترام الحقوق، واستيعاب الثقافات، والتنوع في إطار الوطن الواحد، إن لم يتم إدانة أي جرم، وخاصة الصادر من بواعث طائفية أو قومية أو دينية.
لذلك “مجزرة التضامن” يجب أن تكون المدخل لتوثيق الانتهاكات والجرائم التي تحصل، وحصلت بحق السوريين، وتقديمها إلى الجهات الدولية المعنية لمتابعتها ومعاقبة مرتكبيها، والمطالبة بالكشف عن مصير المفقودين والمعتقلين، وإقامة محاكم عادلة لمجرمي الحرب، لينالوا جزاءهم، لتحقيق سوريا خالية من العنف، ومهيأة إلى المصالحة الوطنية الحقيقية، التي تفضي إلى مستقبل أفضل للسوريين، وحلحلة للأزمة السورية، وتحقيق الازدهار والتقدم المنشود.
نال معتقلون حريتهم بعد اعتقالهم بحجة الإرهاب استناداً إلى مرسوم العفو الأخير الذي أصدره بشار الأسد مطلع الشهر الجاري. وهي الخطوة التي قرأها خبراء على أنها محاولة للتخفيف من آثار “مجزرة التضامن” والتغطية على وفاة آلاف المعتقلين في سجون النظام.