سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

نسرين تيلو.. تسرد مقدمات القيامة في تهريج الموتى

آراس بيراني_

اكتسبت القصة، وخلال تاريخ كتابتها العديد من الأساليب، حيث لكل مرحلة روادها وكتابها، حطموا جدران الشكل، وبنوا أشكالاً جديدة خالفت الرتابة النمطية للقارئ الكسول، الذي اعتاد على تناول حبكات محددة في قراءاته، وتاريخ كتابة القصة القصيرة، يمتلك سجلاً ومدونات ثرية، ومدارس أدبية، وسورياً: برزت أسماء وتجارب عديدة، ولم تنفصل القصة القصيرة الكردية عن هذه السياقات، وإنما كانت دوما لديها ما يؤهلها، أن تترك بصمتها المميزة في هذا العالم الأدبي، والكاتبة الكردية السورية نسرين تيلو واحدة من أهم رائدات الكتابة القصصية الحديثة سورياً وكردياً، فقد منحت ومن خلال ممارستها الكتابة الأدبية العديد من الإبداعات، التي شكلت علامة بارزة ومؤثرة في تاريخ الكتابة القصصية عبر خلقها انماطاً كتابية متجددة، تميزت بلغتها السردية، واختياراتها للأحداث أو للشخصيات، استطاعت منحها الكثير من الغرائبية ضمن عناصر سرد اعتمدت لغة روائية، حملت في عمقها صوراً شعرية حميمية، إلى جانب وصفها لشخصيات قصصها بلغة تصويرية مرهفة، امتلكت إطارات زمانية، ومكانية للحدث القصصي، ضمن حالات  استرجاع واستباق وتقويل، وممارسة المونولوج كما في قصة “القيامة” حيث الاعتماد على الإيحاء المكثف، والتلميح، وإثارة التوتر، وتوزيع وسيطرة الحبكة القصصية على مساحة النص كاملاً، ومنح الحركة للحدث، وممارسة هندسة بنائية لمبنى النص من جهة استنادها إلى التناص والانزياح، وهو ما أهلها للنجاح في المعادل الخيالي الواقعي. فالقصة لم تخرج عن ظلال الواقع الاجتماعي والسياسي، ولم تجنح نحو الخيال العلمي وتهويماته، بل اعتمدت لغة واقعية عبّر بها المهرج عن مشاعر إنسانيّة، وأبعاد حياتية، فتحيلنا إلى أدوار حياتية، تلك الأدوار التي يفرضها التمظهر الاجتماعي، الذي هو من جهة ثانية نوع من النّفاق، الذي تمليه الأوضاع الحياتية، والاقتصادية على الجموع والفرد.
تعيد قصة “القيامة” رواية الحكاية القديمةَ عن المهرج التعيس، الذي طالما أضحك الجمهور، وهو المقيد بوجعه وببؤسه، ضمن هذه التركيبة تبدع الكاتبة نسرين تيلو في خلق سمات شخصية المهرج، عبر وصفها الدقيق لشكله، ولملابسه، ولشعره، ولأدواته التنكرية، وحقيبته (عدة الشغل) كما إنها تتوغل الى العمق، وتشرح لنا مأساته، وحجم الشرخ الحياتي والأسري الذي يعيشه.
وكتناص أسطوري تاريخي ديني، تعيد تشكيل صورة “سفينة نوح” الإنسان الحالم، فتعيد إلينا في بعد آخر أكثر كثافة في معنى أن ينتهي العالم، لبدء حياة ثانية في إنقاذه، ليس الجنس البشري، وإنما سائر حيوانات الأرض، وطيوره ونباتاته.
بين هاتين الشخصيتين “نوح” الرومانسي و”المهرج” التعيس، نكتشف صورة إنسانية مؤلمة، وتصوير للعلاقات الإنسانية المتشظية، التي تجلت في أكثر من مشهد مترع بالوجع الإنساني، ضمن أبعاد مجتمعية مرتبكة، تعاني التفكك، وهشاشة أخلاقية لدرجة السقوط.
هنا نكتشف قبح العسكرتاريا في سعيها لتدمير الأرض من سفينة طائرة، أُعدت لهذه المهمة القذرة، حيث لا أرانب تقضم أوراق الجزر، وإنما صناعة الموت، وممارسة السقوط (القيامة).
قصة “القيامة” شهادة توثيق لسقوط القيم الأخوية، والمجتمعية، وتضخم النرجسية الأوليغاركية إلى درجة خطيرة من الانحطاط نحو القيامة، والتي لا تخجل من أن تقود المهرج المغلوب على أمره في نهاية القصة إلى عالمها العلوي كي يمنح السادة قهقهات على مقام القيامة، حيث لهم تحديد مواقيتها وإعلان ساعتها.