سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الحساسية عند الأطفال

د. جورج لحدو_

تُعرّف الحساسية عند الأطفال على أنّها ردة فعل مناعيّة تنتج بسبب استجابة الجهاز المناعيّ لدى الأطفال لموادٍ تُسمّى مسببات الحساسية والتي تكون غير ضارة لمعظم الأشخاص، وبالرغم من أنّ الجهاز المناعي هو المسؤول عن حماية الجسم من المواد الضارة والمعدية؛ كالفيروسات والبكتيريا، ولكنّ في الأشخاص المصابين بالحساسية فإنّه يتعامل مع مُسببات الحساسية على أنّها عوامل غازية للجسم ويُبدي ردّة فعل مفرطة استجابةً لذلك، ممّا يؤدي إلى ظهور أعراضٍ تتراوح بين انزعاجٍ خفيف إلى ضيقٍ شديد، ويُمكن أن يكون لحساسية الأطفال تأثيراتٍ عديدة عليهم، فقد تؤثر في صحتهم الجسدية والعاطفية، ومن شأن ذلك التأثير في سلوكياتهم وأنشطتهم اليومية، كالنوم واللعب، لأجل ذلك يُنصح بإجراء التشخيص والتدخّل الطبي المُبكّر لتقليل آثار الحساسية السلبية في الطفل وتحسين جودة حياته.
أسباب الحساسية عند الأطفال
ـ الحساسية الموسمية المنقولة جواً: وهي حساسية موسمية أي تحدث خلال أوقات معينة من السنة، وتنتج عند انتشار مُسببات الحساسية التي يتنفسها الطفل: كجزيئات الحشائش والأعشاب، وحبوب اللقاح التي تُطلقها الأشجار والأعشاب بهدف تخصيب النباتات الأخرى والتي تُعدّ السبب الرئيسي لهذا النّوع من الحساسية، وغالباً ما تُسمّى الحساسية الناتجة عن حبوب اللقاح بحمى القش، أو الحمى الورديّة.
ـ الحساسية البيئية المنقولة جواً: وقد يستمر هذا النّوع من الحساسية طوال العام وينتج عن استنشاق مُسببات حساسية لا ترتبط بموسم مُعين وقد تكون موجودة طيلة العام، ومن هذه المُسببات: وبر الحيوانات الأليفة ولعابها، إذ ينتقل لعابها إلى وبرها أو ريشها عندما تلعَق الحيوانات نفسها، وعند جفاف اللعاب فإنّه يُصبح على هيئة جزيئات بروتينية محمولة في الهواء قد تستقر لاحقاً على الأثاث وأقمشة المنزل وتنتقل إلى الأطفال.
ـ عثّ الغبار وهي حشرات مجهرية تتغذى على الجلد الميت الذي يتساقط يومياً من جسم الإنسان، وهي أحد المكونات الرئيسية لغبار المنزل وتعيش في الفراش والأثاث والسجاد.
ـ العفن: ويُمثل فطريات تتواجد في البيئات الرطبة والدافئة، فيمكن أن تتواجد خارج المنزل أو داخله، فمن الممكن أن يتواجد العفن في الهواء الطلق بين أوراق الشجر المتعفنّة أو بين أكوام السماد، ومن الممكن أن تتواجد في المنازل تحديدًا في البيئات المغلقة والمظلمة ذات التهوية الرديئة كالحمامات، ومن الجدير ذكره أنّ العفن يميل لأن يكون موسميًّا إلّا أنّ البعض منه يمكن أن ينمو في جميع أوقات السنة وخاصةً التي توجد داخل المنازل والأبنية.
ـ الحساسية التلامسيّة: والتي تُصيب بعض الأطفال، وعادةً ما تؤثر في المنطقة التي لامست مُسبب الحساسية فقط، وتتمثل بإظهارهم ردود فعل تحسسية تجاه بعض المواد الموجودة في الحفاظات ومناديل الأطفال والملابس التي تحتوي على أصباغ، وواقيات الشمس، ويتضمّن هذا النوع حساسية اللاتكس والتي تنتج بسبب التلامس مع المواد الموجودة في القفازات الطبية، ومن الجدير بالذكر أنّ حساسية اللاتكس يُمكن أن تكون خطيرةً جداً.
ـ الحساسية الناتجة عن لدغة الحشرات: كالحساسية التي تنتج عن لدغات النحل، أو الدبابير، أو النمل الناري، وحشراتٍ عديدة أخرى، وفي بعض الأحيان قد تكون حساسية الحشرات خطيرة للغاية.
ـ الحساسية الغذائية: وتُسمى حساسية الطعام، وتتمثل بظهور أعراض تتراوح ما بين غير المريحة إلى المهددة للحياة، وبالرغم من أن بعض أعراض حساسية الطعام مشابهة لأعراض حالة عدم تحمّل الطعام إلّا أنّ الأخيرة لا تؤثر في استجابة الجهاز المناعيّ على عكس حساسية الطعام.
أعراض الحساسية عند الأطفال
 تظهر أعراض الحساسية بشكلٍ فوري في غضون بضع دقائق أو ما يصِل إلى ساعةٍ أو ساعتين بعد التعرّض لمُسبب الحساسية، كملامسة الطفل للمادة التي يُعاني من تحسّس تجاهها أو تناولها، أو قد تظهر أعراض الحساسية بشكلٍ تدريجي على مدى عدة ساعات، إلّا أنه وفي أحيانٍ أخرى قد تحدث ردود الفعل التحسسية بشكلٍ متأخر، أيّ قد يتعرض الطفل لمُسبب التحسس فتظهر الأعراض بعد عدة ساعات أو أيام، ومن الجدير ذكره أنّ ردود الفعل التحسسية تتطوّر بصورةٍ أساسية في الجلد، وبطانة المعدة، والأنف، والرئتين، والحلق، والجيوب الأنفية، والعينين، نظرًا لكون هذه الأجزاء تُشكّل أماكن تواجد الخلايا المناعيّة المسؤولة عن محاربة الأجسام الغريبة التي يتمّ التعرّض لها، وتختلف شدّة الأعراض من طفلٍ لآخر ومن مُسبّبٍ للحساسية لآخر، كما وتؤثر بيئة المكان الذي يعيش به الطفل في شدّة ونوع الحساسية التي تُصيبه.
علاج الحساسية عند الأطفال
 يتمّ تحديد العلاج المناسب للطفل المُصاب بالحساسية بناءً على عدة عوامل، منها:
ـ عمر الطفل، وسيرته الطبية، وشدة المرض، والصحة العامة للطفل، وقدرته على تحمّل أدويةٍ وإجراءاتٍ علاجية مُعينة، وتوقعات سير المرض، والتفضيلات الشخصية، ولعلّ أكثر الطرق العلاجية فعالية تتمثل بالابتعاد عن مسببات الحساسية وتجنّبها، والعلاجات المناعية، والعلاجات الدوائية.
ـ تجنب مسببات الحساسية يُنصح بتجنب مُسببات الحساسية والابتعاد عنها قدر الإمكان، وفيما يأتي أهم النّصائح التي تساعد على ذلك:
1ـ البقاء في المنزل خلال مواسم انتشار حبوب اللقاح وفي الأيام العاصفة.
2ـ استخدام التكييف بدلاً من فتح النوافذ للتبريد.
3ـ التخلص من الغبار في المنزل؛ وخاصّةً في أماكن تواجد الطفل كغرفة نومه.
4ـ تطبيق مزيلات الرطوبة في الأماكن التي يوجد بها رطوبة مع الحرص على تنظيفها باستمرار.
5ـ الاستحمام وتغيير الملابس بعد الانتهاء من اللعب في الخارج خاصةً في فترات ارتفاع أعداد حبوب اللقاح.
العلاج المناعيّ
 يُستخدم العلاج المناعي أو كما يُسمى جرعات الحساسية أو تخفيف التحسّس للأطفال المصابين بالربو وحمى القش، ويُلجأ لهذا الخيار في حال لم تُفلِح الأدوية والابتعاد عن مُسببات الحساسية في السيطرة على الحالة لدى الطّفل، وفي العلاج المناعي يتمّ إعطاء الطفل جرعاتٍ صغيرةٍ جداً من مسببات الحساسية على شكل خليط يحوي حبوب اللقاح المختلفة، ووبر الحيوانات، وعث الغبار، والعفن، ويُسمّى هذا الخليط بمستخلص الحساسية، ولا يحتوي الخليط على أيّ نوع من الأدوية، ويكون على شكل حقن تُعطى غالباً تحت الجلد في الأنسجة الدهنية للجزء الخلفي من الذراع ولا تُسبب ألمًا كما هو الحال في الحقن العضلية، أو على شكل قطرات، أو أقراص تحت اللسان متاحة لأنواعٍ محددة من الحساسية فقط، ويستمر العلاج المناعي لمدة سنوات يتم خلالها زيادة الجرعة ببطء وقد تبدأ أسبوعياً ثم يتم إعطائها كل أسبوعين وأخيراً مرة واحدة كل شهر، وذلك بهدف تعويد الجسم على مسببات الحساسية وبناء مناعة ضدها وبالتالي لا يتفاعل معها بشدة عند التعرض لها، وقد لا تُعالج هذه الطريقة الحساسية بشكلٍ نهائي إلّا أنّها تُخفف شدّتها، وبالتالي تقل حاجة الشخص للأدوية، ولكن قد يستغرق الأمر من 12-18 شهر قبل ملاحظة حدوث انخفاض ملموس في أعراض الحساسية، إلّا أن لدى بعض الأطفال قد يُلاحظ انخفاض الأعراض في غضون 6-8 أشهر، ويكون إيقاف العلاج مُتاحًا للأطفال بعد 5 سنوات وستستمر الفائدة المُتحققة من استخدامها، أيّ قد يحتاج هذا العلاج لبعض الوقت لتحقيق المفعول المرجو، لأجل ذلك سيحتاج الطفل للاستمرار في تناول أدوية الحساسية الموصوفة من قِبل الطبيب المختص، مع الاستمرار في تجنّب مُسببات الحساسية أيضًا، وقد يظهر للعلاج المناعي بعض الآثار الجانبية؛ التي قد تكون موضعية كالانتفاخ والاحمرار موضِع الحقن، والتي في حال استمرارها يتمّ التعديل على الجرعات أو الجدول الزمني لها، وقد تكون الآثار جهازيّة بحيث تؤثر في الجسم بأكمله؛ فتُسبّب احتقان الأنف، والانتفاخ، وانخفاض ضغط الدم، والعطاس، والشرى، وقد تكون خطيرة ومهددة للحياة في حال لم تُعطَ وفقًا لتوصيات الطبيب وإرشاداته.