سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الصراع الاقتصادي التناحري يولد الحروب والجذر التربيعي لها

إبراهيم محمد كرد /محامي/_

إن النظام الاقتصادي يجدد العلاقات الاجتماعية، والأيديولوجية كافة، لخدمة المصالح الاقتصادية والسياسية، بما فيها ظروف نشوء الحروب، وطابعها، ونجاحها، يعتمدان في المقام الأول على النظام الاقتصادي، والإنتاجي في البلد الذي يدخل الحرب، لأن الحرب هي انعكاس للسياسة المتبعة داخل البلد، فالأزمة السياسية والاقتصادية، والسياسة الخارجة والداخلية، تتأثران بالنظام الاقتصادي للحكومة، وبصراع الطبقات، في السياسة يحدد الطابع الطبقي للحرب، لتحقيق مصالح اقتصادية، وتحقيق أهداف سياسة؛ لفك أزمتها، فالحرب بدون أهداف سياسية يعدّ عراكاً، فالحرب تمتحن الأمة، وتصدر حكماً على الأنظمة الاجتماعية، والتي فقدت قدرتها على البقاء في السلطة لقِدمِها، ولضعفها في استيعاب القوة الاجتماعية، وتشغيلها.
فالحرب العالمية، والحروب الأهلية، ليس في حقيقة الأمر إلا ظاهرة تاريخية مادية، وفق الصراع الطبقي، والمصالح الاقتصادية، فالتناقض بين القوى المنتجة المتطورة، وعلاقات الإنتاج المتخلفة، وعدم التطابق بينهما، يؤدي ذلك كله إلى العنف، واستخدام القوة وزرع الإرهاب للسيطرة، في القديم الحروب مرتبطة بالصراع، والتناحر السياسي والاقتصادي للطبقات، هذه العملية تولد التطور التاريخي، وتخلق العطالة بين جدلية الواقع المادي وبين النظرية، والممارسة تؤدي إلى الخلل في البنية الاجتماعية، والسياسية، فتخلق الأزمات المختلفة  في المجتمع الداخلي، وعلى المستوى العالمي هذا الصراع الاقتصادي التناحري يؤدي إلى نشوب الحرب بعد وضوح مقدماتها تاريخياً، والجذر التربيعي لها.
فالأزمة السياسية، والحرب، أساسهما مادي اقتصادي تولدان نزعة عدوانية “كلاوز يقتبس من أعظم كتاب في مسائل الحرب، الذي جعل أفكار هيغل تعطي ثمارها السياسية وطبيعتها” ولكن / كلاوز/ ينكر الطبيعة الطبقية للسياسة”، أما ماركس “إن الحرب قبل كل شيء استمرار للسياسة الداخلية التي تجسد التبعية الطبقية للمجتمع لأن السياسة، هي العلاقة بين الطبقات، وكلما اشتد التناقض، والتناحر بين الطبقات يؤدي بذلك للجوء إلى الحروب، والعنف والإرهاب. لحل التناقضات التناحرية والظواهر الاجتماعية بالقوة، فالعنف والحرب بأشكالهما المختلفة من مظاهر الإرهاب، والتي تسيرهما السياسة لدى الطبقات المتصارعة، والمتناحرة”.
 ولكن ليست السياسة هي التي تولد الحرب وترسم أهدافها لأن السياسة مشروطة بالمصالح الاقتصادية الجذرية للطبقات التابعة من النظام، والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وتستغل الشغيلة للحصول على الربح، فالتناحر الاقتصادي والأنانية، والتناقض بين مراكز الرأسمالية العالمية تولد الحروب غير العادلة، وللحصول على الأموال، ونهب الثروات، وتكديس الأرباح بلا حدود وبلا قيود، لأن الحرب تولد الربح السريع.
 فالرأسمالية الاستعمارية تستغل الإنسان وتنهب الشعوب، وتحتل أراضي الغير، فالشركات الاستعمارية الاحتكارية تبحث عن مصادر الخامات الجديدة، وعن أسواق التصريف الجديدة للإثراء، والربح اليسير على حساب الشعوب، واقتسام العالم، والمتمثلة بالإمبريالية ذات الطابع العدواني للسيطرة على منابع البترول، ولتصدير رؤوس الأموال إلى الأسواق العالمية، وتعتمد على القوة العسكرية، وعسكرة الاقتصاد، أي إثراء دولة على حساب دولة، وإزاحة المنافسين.
 قد تصبح الحرب حتمية بين المتنافسين، وبسبب التطور الاقتصادي والسياسي المتفاوت، غير المكافئ، واشتداد التناقضات الحادة، وطفرات الرأسمالية الاستغلالية، أدى إلى نشوء المعسكر الاشتراكي، وحركات التحرر الوطني، والقومي وظهور أنظمة جديدة وأيديولوجيات جديدة بعد الحرب العالمية، تدافع عن المصالح الجذرية للطبقات الاقتصادية، وهو جوهري، وذات أهمية كبيرة بالنسبة للصراع بين الأيديولوجية الرأسمالية والأيديولوجية الاشتراكية، هذا الصراع الأيديولوجي يؤثر على العمليات الحربية عموماً بصورة مباشرة، وغير مباشرة، ويكون للإعلام أثراً بالغاً على العمليات الحربية بين أطراف النزاع، ويؤثر ويزعزع الأسس السياسية والمعنوية، وعلى طابع الحرب وأهدافها وعلى استراتيجيتها من خلال نشاط الناس.
وأثرت الأيديولوجيات في القرن العشرين تأثيراً كبيراً على مجريات الحرب، بسبب التقنية والتكتيك الإعلامي، وتأثيرها على جماهير المدنيين، وصارت الجماهير تنجذب إلى النظرية السياسة، وعلى نوعية الأهداف السياسية، والدور التاريخي للطبقات في الحروب الدائرة – وبدأت تشكل أيديولوجيات وطنية، وتأسيس دولة قومية ذات أهمية فاصلة في سبيل الانعتاق القومي والتحرر الاجتماعي، وتجميل الأفكار والنظريات، للتستر على عيوب الحرب، والإرهاب والتناحر السياسي والاجتماعي، ودور الإمبريالية في إثارة الحروب، وإخفاء الاستغلال والتناحرات  السياسية الرئيسية، التي تتعارض مع التطور والتقدم للبشرية.
لا تزال الأيديولوجيات المرجعية والسلفية الظلامية الحاقدة على الأفكار التقدمية، تخطط لمذاهبها العسكرية العدوانية، فتبناها تجار الحروب، والأسلحة، للسيطرة على الأسواق والتحكم بالمواد الغذائية، وأسعارها واحتكارها، والسيطرة على منابع النفط، والخامات لأهداف سياسية قد تعمق التناقضات الاجتماعية، وتزداد الأزمات السياسية فقط، من أجل الربح الوفير، فلابد من حتمية الحروب، والنزاعات المسلحة.
 وهناك ارتباطان: المضمون السياسي للحرب، والتقييم الاجتماعي للحرب القذرة، التي تؤدي إلى كارثة إنسانية، وخاصة الحروب الأهلية التي تدعمها كل من الليبرالية، والبرجوازية التي تخلق الفساد والفتن الداخلية لنهب الاقتصاد والمال.
لابد من أن ندرك ونفهم، ونحلل بين الحروب، كوسيلة سياسية بأساليب غير عادلة، وبين الأساليب السياسية الحربية العادلة، في سبيل الحرية والتقدم الاجتماعي وضد الاضطهاد القومي والاجتماعي، بالطبع هي عادلة ومشروعة، أما احتلال أراضي الغير واضطهاد شعب لشعب ودولة لدولة لنهب خيراتها تفسد السياسة، والأخلاق، وتخلق أزمات، وتدمر الأخضر، واليابس وتحرق البشر والشجر، هي حروب عنصرية شوفينية ليست إنسانية، بل تدمير للقيم والمبادئ الإنسانية، وكذلك صراع الأيديولوجيات من أجل المصالح الاقتصادية السياسية، يؤدي إلى التطور في التاريخ، ويتعاظم، ويتحول إلى صراع من أجل السيطرة على سلطة الدولة، بوسائل العنف مضمونها السياسي.
في هذا العصر صراع الطبقات من أجل المصالح الطبقية لا يطاق لحدته الضارة، إلى درجة استخدام النظريات الفلسفية في تحليل الشؤون العسكرية، وربطهما بعمليات عسكرية، وبالحياة الاجتماعية – عسكرة الاقتصاد، والأسلوب المادي لتحليل جدلية الواقع لمعرفة مضمون كل حرب وعملياته لبلوغ الحقيقة ومعرفة أهداف الحرب وسياستها.
قال زارادشت: “الوجود المادي محل صراع بين قوتين” أي بين الحقيقة، والكذب، والخداع هذا يعني الأزمة السياسية، ونشوء الحروب جذورها اقتصادية فتستخدم الفلسفة والأيديولوجيا،  إن النشاط النظري في هذا المجال ليس له أهمية، ما لم يقترن بالنشاط العملي، ولا يمكن اكتساب تأييد الجماهير بدون نضال عنيد، ومقاومة الحروب، ومعرفة أسبابها والنشاط المادي الاقتصادي وجدليته يتعلق به أي نشاط آخر سواء كان النشاط معقولاً ومفهوماً عندما يكون ثورياً وعملياً بالتأكيد تولد الحلول المناسبة: “التطبيق العملي الثوري في الصراع، هو صاحب الدور الحاسم في تغيير حياة الناس ونظراتهم”.
ولكن هذا النشاط المعرفي والعملي الواعي لقضايا الحرب والسلم، ولقضايا التطور، والتقدم، يجب أن ندرك جيداً بين التناقض والتعارض، وبين ما هو رئيسي، وما هو ثانوي وبين متطلبات المجتمع، المتنوع والمتعدد الجوانب، وتأثيرها المتبادل، وبين الأشكال الأساسية وغير الأساسية وفق الشروط الموضوعية على ضوء جدلية الواقع المادي والفكري، وبالعلم وبالفكر الديالكتيكي يعني الانسجام بين النشاط النظري والعملي والأهداف.
 لذلك يتطلب دائماً بناء المنظومة الاقتصادية، والعلاقات الاقتصادية القوية تتلاءم مع ظروف البلد، واختيار النظام السياسي الأفضل، لرفع مستوى كافة المواطنين لتجنب وقوع الأزمات والاختناقات، والانهيارات المناخية ومشاركة الجماهير لتأمين الحماية من الحروب الأهلية والخارجية وسد الباب أمام تجار الحروب اللاإنسانية.
قال زارادشت: “المنذرون بالموت لم يبلغوا مرتبة الإنسانية إنهم أشد الناس خطراً”.
إن سياسة سباق التسلح الذي فرضته الإمبريالية على العالم، يهدد وجود العالم نفسه، ومن جهة أخرى إن الصراع والعمل في هذا الاتجاه، يؤثر على سلوكه الاجتماعي والأخلاقي، بل على كل إنسان على حدة، وإدراكه للوجود وللأمور الواقعية الموضوعية المؤسسة، لأن المجتمع مرتبط بعضه ببعض، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، وهو نوع منظومة، وفي صلة متبادلة تؤثر على بعضها فيمثل وزناً كبيراً في مسيرة التاريخ، والحروب تحتاج إلى الخداع والتزييف إلى  درجة الذعر، ولكن عندما تعرف أسباب الحروب، يسهل مكافحة الحروب الغير عادلة، فالفلسفة الميتافيزيقية مفيدة لصانعي الكوارث.
أما الفلسفة العلمية فهي أيضاً مفيدة للمناضلين ضد الحرب القذرة، ومن أجل السلم والديمقراطية والحرية وإحياء الإنسانية المعذبة: قال زارادشت: “عليكم أن تحبوا السلم كوسيلة… لا خير يضاهي الشجاعة، وغاية الحرب الحسنى تبرر كل واسطة … الحياة ينبوع المسيرة… وصعب عليّ باجتياح الحياة إلى العداء والقتل…”.
قال المناضل عبد الله أوجلان: “إن المصالح المتنافرة تنعكس في ثقافة المتصارعة لبسط نفوذها على المنطقة… وصياغة النزاع بالتعبير العلمي، ينشب اشتباك نزاع أو حرب أيديولوجية تتحول تدريجياً إلى حروب ميدانية لأهداف سياسية”.
قال كلاوز: “الحرب امتداد للسياسة، ولكن بوسائل العنف ترسو الحجر، والشجر وآلاف الضحايا من البشر، إن صانعي الحرب يعرفون ذلك جيداً، وبأن الحرب دمار للتطور، والتقدم والسلم عمار، وهي الحقيقة والحقيقة عدالة لجنس البشرية، ومع ذلك يتبعون الأسوأ، تديرها الشركات والاحتكارات العملاقة واعتبار الكذب مبدأ لها. “للحروب الامبريالية” والإرهاب والعنصرية والشوفينية، والحملة الهستيرية معاكسة مسيرة التاريخ، والسلم العالمي نحو التحرر والتقدم الاجتماعي، وإبعاد ودرء خطر حرب نووية شاملة الفناء”.