حسام دخيل_
لم تعد ظاهرة الارتزاق في الصراعات المسلحة في أنحاء العالم، ظاهرة غريبة في مختلف الصراعات الحاصلة، بل باتت أمراً روتينياً، وحلاً سريعاً، تلجأ له معظم الأطراف المتنازعة، وذلك لتنفيذ أجنداتها، وبأقل الخسائر الممكنة، ولم تقتصر هذه الظاهرة على منطقة بعينها، أو بلد معين، بل اصبحت ظاهرة عابرة للحدود، وأُسست من أجلها الشركات الخاصة بالتجنيد في مختلف دول العالم، وفرضت نفسها كمهنة احترافية، جذبت العديد من الأشخاص الباحثين عن المال، ولاؤهم الأكبر يكون لمن يدفع كثيراً، غير آبهين بالخصم، وبالمستهدف، يعدون نفسهم آلة للقتل، متعطشة للدماء.
تاريخ الارتزاق
شاع مصطلح الارتزاق منذ آلاف السنين، حيث استخدمت بلاد فارس، واليونان، وروما، في الأزمنة القديمة، المرتزقة. وشاع استخدامهم خلال الفترة من القرن الثاني عشر، حتى القرن السادس عشر الميلاديين، فقد استأجر كثير من الحكام آنذاك جنودا محترفين مدربين؛ لحماية دولهم، كما أن بعض الحكام، ربحوا أموالاً بتأجير جيوشهم لدول أخرى، للعمل كمرتزقة، واستمر العمل بالارتزاق حتى في العصر الحديث، حيث ظهر أثناء قتال القوات السوفييتية في أفغانستان، حيث سهلت أمريكيا، والدول الأوروبية، وحلفاؤهم من العرب مرور مقاتلين، متعددي الجنسيات، تحت مسمى (مقاتلون من أجل الحرية)؛ للدفاع عن الشعب الأفغاني، مقابل مبالغ مالية بسبطة، لتسليك أمورهم اليومية، وكان غالبية المقاتلين ممن يحملون أيديولوجية دينية راديكالية، استغلهم الغرب تحت مسمى الجهاد؛ لزجهم في قتال السوفييت آنذاك، فيظهر هؤلاء المقاتلون بصفة المجاهدين المنقذين للشعب الأفغاني، والمدافعين عن الإسلام، واستمروا على هذه الحال حتى طرد السوفييت من أفغانستان، وتفكيك الاتحاد السوفييتي، وعند انتهاء الحرب، أصبح هؤلاء المقاتلون المتطرفون منبوذين في بلدانهم؛ بسبب الأيدلوجية الدينية، التي يحملونها من جهة، والخبرة القتالية العالية، التي اكتسبوها من جهة أخرى، وخوفاً ممّا قد يسببون خطراً مباشراً على دولتهم.
التاريخ يعيد نفسه
بعد اندلاع ثورات الربيع العربي في تونس، واليمن، وسوريا، وليبيا، ومصر، وتحول الثورة السورية، والليبية، واليمنية إلى ثورات مسلحة، استغلت تركيا هذه الثغرة، وقامت بدعم فصائل المعارضة في هذه البلدان، عبر مدهم بالأسلحة والذخائر، فضلاً عن فتح حدود الدول لدعم هذه الفصائل بمقاتلين أجانب من مختلف الجنسيات العربية، والأجنبية تحت مسمى، “الجهاد في سبيل الله”، ودعم، ومناصرة لهذه الثورات من الأنظمة الاستبدادية، وهذا ما مهد الطريق مرة أخرى للارتزاق، ولظهور عدة فصائل إرهابية، نشطت في سوريا بدعم مباشر من تركيا، وعلى رأسها مرتزقة داعش الإرهابي ومرتزقة جبهة النصرة، وكتائب نور الدين الزنكي، وجند الأقصى، وحركة أحرار الشام، وجيش الإسلام، ومرتزقة الحزب التركستاني، وغيرها الكثير من الفصائل الإرهابية، والتي ساهمت بشكل كبير في إطالة أمد الصراع في سوريا، وذلك لتحقيق مكاسب سياسية، واقتصادية لداعمي هؤلاء المرتزقة.
وفي سوريا لا توجد إحصائيات دقيقة لأعداد المرتزقة المتواجدة على أراضيها، حيث جند النظام السوري المرتزقة من مختلف الجنسيات، أبرزهم مرتزقة فاغنر الروسية، ومرتزقة للحرس الثوري الإيراني، ومرتزقة حزب الله اللبناني، والحشد الشعبي العراقي، ومرتزقة أفغان.
وأصبح هؤلاء المرتزقة يخوضون معارك بالوكالة؛ لتحقيق مصالح داعميهم على الأراضي السورية، فارتكبوا مئات المجازر بحق السوريين دون أي رادع دولي، يدين الأجرام.
استغلال تركيا للمرتزقة وزجهم في صراعات دولية
واستغلت الدول الداعمة هؤلاء المرتزقة؛ لزجهم في صراعات دولية، أهمها تجنيد الدولة التركية لعناصر من مرتزقة الجيش الوطني السوري، وزجهم للقتال في ليبيا مقابل راتب شهري، يصل إلى ألف دولار أمريكي، وذلك لدعم حكومة الوفاق الليبية بقيادة فايز السراج في مواجهة المشير خليفة حفتر، ومن جهة أخرى، لم تتوانَ روسيا في دعم حفتر من خلال إرسال مرتزقة سوريين أيضاً؛ لقتال حكومة الوفاق.
وأثناء النزاع الأرميني الأذربيجاني على إقليم قرباغ، ارسلت تركيا الآلاف من مرتزقة الجيش الوطني السوري، الذي يعمل تحت أمرتها إلى الإقليم، وسقط المئات من القتلى في صفوفهم، في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
الحرب الأوكرانية الروسية والقتال بالوكالة
ما لبثت، أن اندلعت الحرب الأوكرانية الروسية في الثاني والعشرين من شهر شباط/ فبراير المنصرم، إلا وبدأت مختلف وسائل الأعلام بالحديث عن إعطاء تركيا الأمر لمرتزقتها من الجيش الوطني السوري، لتجهيز أنفسهم للقتال إلى جانب أوكرانيا ضد روسيا، وذكرت مصادر للمرصد السوري لحقوق الإنسان: أن مجموعات المرتزقة سيقاتلون ضمن حرب عصابات، بمرتبات شهرية تتجاوز ألفي دولار أمريكي.
المصادر ذاتها أكدت للمرصد، أن الفصائل الموالية لتركيا جهزت قوائم بأعداد كبيرة، بأمر من الاستخبارات التركية بشكل مباشر.
وإن قيادات فصائل مرتزقة فرقة الحمزة، وفيلق الشام، وسليمان شاه، وأحرار الشرقية، فتحوا مكاتباً مشتركة ضمن مقراتهم في مدينة عفرين، لاستقبال طلبات المسلحين الراغبين بالقتال في أوكرانيا.
كما ذكرت مصادر إعلامية قيام روسيا بإعطاء أوامر للنظام السوري، بتجهيز أسماء من الفيلق الخامس، المدعوم روسياً تمهيداً لزجهم في المعارك في أوكرانيا.
أسباب استخدام المرتزقة
تلجأ بعض الدول لاستخدام المرتزقة، وزجهم في الصراعات لعدة اعتبارات أهمها: حماية النفوذ، وتحقيق مكاسب سياسية على الأرض، وتجنب الخسارة في أرواح جندوها، ولذلك تقوم باستئجار مرتزقة تقاتل عنها بالوكالة على الرغم من منع الأمم المتحدة هذه الظاهرة، وحظرها.
ومن جهة أخرى، تحاول هذه الدول تأمين مصالحها من خلال دعم حلفائها، عبر إرسال مرتزقة يقاتلون إلى جانبهم، وذلك من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية، وهذا ما اتضح بعد إرسال تركيا المرتزقة؛ للقتال في ليبيا بعد الأزمة الاقتصادية، التي مرت بها تركيا، حيث حاولت تأمين مصالحها هناك، وتوقيع عقود مع حكومة الوفاق بالإضافة إلى تحصيل مبلغ 2.7 مليار دولار؛ لقاء أعمال عسكرية، نفذت في ليبيا.
واعتمدت الأمم المتحدة في الرابع من ديسمبر/ كانون الأول 1989 الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة، واستخدامهم وتمويلهم، وتدريبهم، وجرمت كل مرتزق، وكل من يقوم بتجنيد، أو باستخدام، أو بتمويل المرتزقة، كما حظرت على الدول تجنيدهم واستخدامهم، إذ لا يتمتع المرتزق بحق المقاتل أو بحق أسير الحرب.