سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

عفرين … جرحٌ يلد مقاومة

عكيد برمك_

كلامٌ لن يعجبَ كثيرين!!!
تحت هذا العنوان، كتب ولات عفريني على صفحته في الفيسبوك يقول:
لطالما كنتُ متهماً بالسباحة عكسَ التيار، ولعمري ما عرفت ما المقصود بالتيار، لأسبحَ عكسه، إلا أنّي أكرهُ المجاملةَ، وضروب النفاق لكسب ودّ أحدٍ أيّ أحدٍ!
استحضرت قول أبناء النبي يعقوب لأبيهم:” قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَٰلِكِينَ”(يوسف -85)، وكان النبي يعقوب قد أخذه الشوقُ، والوَجدُ بفقدِ ابنه يوسف، وظاهراً أراد الأبناءُ نصحَ أبيهم فلا يُصابُ بالخبلِ وضياعِ العقلِ قبل الموتِ، فيما الحقيقة أنّهم سببُ مصابه، وقد ابيّضت عينا يعقوب حزناً!
مناسبةُ الكلامِ، أنّ أحمقاً قال لي: إنّك تنكأ الجرحَ، وتُفسدُ الفرحَ، وتسببُ القرحَ، وتذكّرنا بعفرين… والواقع أنّي سمعت كلاماً كهذا كثيراً، ولم أعره أدنى اهتمامٍ. ولم أر حاجةً للرد عليه… فالمسافةُ التي تفصلني عن محدّثي كبيرةٌ، ولا أحسبه يسمعُ، وإن سمِع فلن يعيَ مقالتي…
ولكن ما حدث في عفرين ليس عابراً ليطويه الزمن، ويغلفه النسيانُ، بل إنّ عفرين جرحٌ يتجدد كلّ يومٍ، وعلى مدى السنوات الأربع.
إنعاشُ الذاكرةِ مهمةٌ عسيرةٌ جداً، فالذاكرة ليست مجرد معلوماتٍ مخزنةً، بل هي العقلُ نفسه، ومن يفقدُ الذاكرة يفقدُ معها ملكة التفكير، وأذكر أنّ والدي رحمه الله فَقَدَ ذاكرته فوجدنا أنفسنا أمام شخصٍ جديدٍ، لا يعرفنا أبداً، ولا يعي أفعاله وسلوكياته، ولا حتى إمكانيّة التعبير، ولعل مثال الإنعاشِ في الطب يفيد، فهناك نوعان من الإنعاش، الأول عند توقف النبضِ في النوبات القلبيّة، وتوقفِ التنفسِ في حالات الغرقِ، والاختناقِ والتسمم بالغازاتِ، أو بعد إجراءِ العملياتِ الجراحيّة، ولا فرقَ كبيراً بينهما بالإنعاشِ بالطريقةِ والأجهزةِ…
المجتمعاتُ أيضاً تحتاج إنعاشاً لذاكرتها، لتعيشَ حاضرها كما هو، وتواجه مخاطر الواقع، بعد الكوارث والنوائب، ونازلةُ عفرين أفضت إلى توقف النبضِ والاختناقِ والغرقِ!
سيقول الجميع إننا لم ننسَ عفرين، ولكن المسألةَ لم تخرج عن إطارِ المناسباتيّة، وهذا ما وجدت عليه كثيرين، وعفرين تُذكر بعباراتٍ محددة، لا يجوز تجاوزها إلى غيرها، وهي ذاتها مكررةٌ على مدى أربعِ سنواتٍ، وتلك العباراتُ لم تُسمع سابقاً لتسمعَ اليوم أيضاً… عفرين تحولت إلى بياناتِ تنديدٍ، وقصائدَ رثاءٍ ووقوفٍ على أطلال الذاكرة…
العالمُ الافتراضيّ لا يختلف عن الواقع بكثيرٍ، وما أجده من منشوراتٍ مكرر جداً، بعيدٌ عن الحقيقة، يتحدثون عن التضحياتِ والشهداءِ، ولكني أخجل جداً من ذكرِ الشهداء وأن أتقمّصَ زوراً عطاءهم الفيّاض، إذ لا زلتُ حيّاً، فيما مضى الشهداءُ إلى العلياءِ! وأتعجّبُ من أيّ أحدٍ يقولُ قدّمنا الشهداء… لأنّه واقعٌ أخذ من عطاءِ الشهيد ولم يعطِ… والكلُّ جبانٌ أمام شجاعةِ الشهيدِ، والمقارنةُ معيبةٌ جداً بل لا تجوزُ.
البعضُ يعيبُ عليَّ ذاكرتي، فيقول: إنّ الحياة لا تتوقف على حادثة معينة، فهي مستمرةٌ، ويجب أن نكمل حياتنا وفق الواقع الجديد… وبذلك صرتُ بنظرهم مصاباً بداء الذاكرة، إذ أصبح فَقدُ الذاكرةِ هو الصحيحَ، والحكاية تذكرني بمسرحية توفيق الحكيم “نهر الجنون”، ولكني سأعاندُ ولن أشربَ قطرةً واحدةً من نهرِ “النسيان”…
أذكرُ أنّ اليوم يوافق اليوم الثامن والأربعين للعدوان على عفرين، ويومها تمَّ احتلالُ مدينة جندريسه، لتكونَ خامس مركز ناحية يتمُّ احتلاله، وأذكرُ مجزرةَ ترندة، التي اُستشهد فيها ثلاثة أطفال وأصيب الطفل الرابع مع أمه، وأذكر في هذا اليوم أيضاً أنّ أحمد ولو (إيلان دارا) قام بعمليةٍ فدائيّةٍ في جندريسه المحاصرةِ وأنقذ اثنين وعشرين من رفاقه…
أدركُ أنَّ الحديث لن يعجبَ كثيرين، وهذا ليس بجديدٍ، وقد اعتدت ذلك، في الواقع قبل العالم الافتراضيّ، رغم أنّي حبست من الكلامِ الكثير، وأعلم أنّ أصحابَ “الأسنان اللبنيّة” بيننا كثيرون!
وما يمكنني قوله أيضاً، إنّ جهةَ المسيرِ، أهمُ بكثيرٍ من سرعةِ المسيرِ، وتحديدَ غايةِ العملِ أهمُ من العملِ نفسه، ويجب أن يكونَ السؤالُ عن الجهةِ والغايةِ مطروحاً على الدوامِ… إلى أين نسيرُ؟ ما الغايةُ؟ والصمودُ لا يعني البطالةَ، والانتظارَ، بل هو فعلٌ حركيّ لتغييرِ الواقعِ. والبطالةُ خيرٌ من عملٍ بلا هدفٍ!

ملاحظة
عملية إيلان دارا الفدائية جرت بتاريخ 8 آذار 2018 حيث كان القصف الجوي، والمدفعي كثيفاً جداً على مركز ناحية جندريسه، والرصاص غزيرٌ، ووقعت مجموعة من ثلاثة وعشرين مقاتلاً في حصارٍ مطبق، ومرّ الوقت ثقيلاً جداً، فالخروج من الحصار يحتاج معجزة حقيقية، فيما المنطقة تحت أنظار العدو وطيرانه المسيّر، ولكن المعجزة تحققت على نحوٍ غير متوقع، وكان ثمنها التضحية بالنفس، فقد بادر المقاتل آيلان دارا (أحمد الولو) لتنفيذ عملية فدائية، ليكسر الحصار عن رفاقه.
ومع تنفيذ العملية ساد الاضطراب صفوف القوات الغازية، ليستغلّ رفاقه الفرصة، ويخرجوا من المكان سالمين، وبعد العملية أمطر العدو المكان بالقصف.
نترك لكم التعليق.