ليلى خالد (كاتبة وقاصة وعضوة منتدى حلب الثقافي)_
للمرأة دورٌ أساسيٌّ في خلق البشرية، وولادة أولى المشاعر الإنسانية، والعواطف السامية من خلال بدء العلاقة بين الأم، وأولادها، وتطور الكدح بينهما في أجواء الحياة المشتركة الأولى والتي توضح لنا بوجود معالم الاشتراكية منذ مرحلة الأنسنة الأولى للبشرية، أي وُجدت في طبيعة المرأة، وذلك باحتوائها لجنينها تسع شهور وفق طبيعتها العفيفة والنقية، ليبدأ معها تطور الحياة مع بروز بعض المشاكل المتعلقة بها، لتبدأ المرأة بوضع أولى القيم والقواعد الأمومية لتصبح أولى الخطوات نحو الأنسنة وذلك في التحكم بالغريزة.
إن حاجة الأم للتغذية والرعاية تعد عاملاً مؤثراً على تأمين حاجة الوليد، لتستمر المرأة في سلوك الثقافة الزراعية، وجمع الثمار، وابتعدت عن ممارسة الصيد، وذلك وفق طبيعتها المنافية للأضرار وارتباطها بمولودها، وساوت بين صغارها وصغار الثدييات، فوضعت بعض المحرمات الثابتة في أكل اللحوم، والقائمين على الصيد من جنس الرجال، حيث لعبت الطبيعة دورها في الفرز حسب فيزيولوجية الجنسين، فكان دور الرجل بارزاً في الصيد لتأمين الغذاء ويصبح بذلك أولى المسلمات في التاريخ البشري بعد دخول الرجل إلى الجماعات الأمومية؛ ليساهم ذلك في العيش سويةً، وحماية أطفالهما معاً هذا العقد الجماعي للنظام الأمومي، وعقد الحياة المشتركة أدى إلى حدوث تحولات ملحوظة في نمط حياة الرجال، وهكذا تغير حياته المنحصر بذاته إلى حياة تعتمد على قواعد ومتطلبات الجماعة.
ومع مرور الزمن، ونتيجة بحوث المرأة المستمرة، وصلت إلى المزيد من الاكتشافات ليحدث لديها تراكماً معرفياً متطوراً أوصلها إلى تدجين، وتربية الحيوانات وجمع الأعشاب والثمار، واكتشافها للنار الذي كان مصدراً للخوف، والهرب منه، وليصبح فيما بعد أهم اكتشاف يتطور معه طهي الطعام، وصنع أواني وأدوات، لا يتسربل منها الماء وصحون الفخار (الطب-العلم-الفن) بالإضافة إلى ثقافة النظافة ليصل إلى يومنا هذا، كما استفادت أيضاً من جذور النباتات واستخرجت منها مواد طبيعية إلى جانب مواد كيماوية، ووصلت إلى أدق تفاصيل فن الأستتيك، ما ولّد لديها وعياً لتدرك حاجة الإنسان للانتقال إلى الحياة السكنية المستقرة في الأراض الدائمة العطاء، وتم تسمية هذه الاكتشافات بماءات المئة والأربع (١٠٤).
بذلك سَمَت المرأة إلى مرتبة الألوهية (الآلهة الأنثى)، هذه الحضارة، وهذه الثورة مركزها ميزوبوتاميا، فالهلال الخصيب مركز الآلهات الإناث، أول موطن زراعي في الأرض من العام الألف العاشر، حتى الألف الرابع ق.م.
اهتمام المرأة بكل ما يحيط بها من طبيعة وحيوانات وإنسان، ضاعف ذكاءها، وتكيفت مع الطبيعة، وتقدمت بالحياة نحو الأفضل، حتى وصلت إلى تأمين الماء في حاجة الحقول المزروعة، والحيوانات الأليفة، لتؤول بذلك إلى بناء السدود المائية، والقنوات، ونجحت في حماية التراب في السيول أو الجدب.
كل ذلك يثبت أن للمرأة دوراً ريادياً في تطوير البشرية، وعبورها إلى مرحلة الإنسان، والانتقال إلى مراحل أكثر تقدماً وتطويراً عبر التاريخ.
وبعد تشكل الطبقات تراجع مستوى المرأة، إلا أنها استطاعت أن تناضل وتكافح للحفاظ على مكانتها وتجسد ذلك في شخصية عشتار وكبابا، وهي أول حاكمة في سومر، ولا زالت المرأة إلى يومنا هذا تكافح لإعادة مجدها، وتاريخها المخفي تحت وشاح العنصرية والسلطوية.
فلم تكن المرأة ناقصة عقل، ولا يفوقها الرجل ذكاءً، بل كانت تحظى بتوازن فكري، وعاطفي والدليل على ذلك كل ما ورد من اكتشافات مذكورة آنفة، ورغم ما كان يُمارس عليها من إقصاء وتهميش في الميادين الثقافية، والعلمية والتكنولوجية، والهندسية والرياضيات، إلا أنها كانت تبرز وتقتحم عتمة تجاهلها على مر العصور.
إن وجود عدد هائل من الكتب والمأثورات، التي تتناول التاريخ البشري، وتاريخ الكون لكن عدداً ضئيلاً منها يتناول التاريخ بصورة كاملة، فالقليل والنادر من الكتب، التي تتناول تاريخ المرأة الريادي في تطور البشرية.
فبرزت إرادة المرأة الرافضة لكل سياسات التهميش، والإقصاء في العصور كلها، وتحدت التمييز بين الجنسين، حيث نظرة المجتمع لها على أنها عالة في الحياة، يستخف بها ويتم استحقارها لتتحول كل المعايير الحميدة السامية بالمرأة إلى وسائط لقمعها وتهميشها واستصغارها في الحياة، وسلب إرادتها وفرض الخنوع عليها لتصبح خرساء وبكماء وذلك بعد أن استولى الحكام على الأيديولوجية.
وفي العصر الحالي؛ فإن مواجهة الممارسات السلبية كلها، التي مورست ضد المرأة، وطبيعتها كان دافعاً قوياً لإعادة تأهيل ذاتها فكرياً وثقافياً وعلمياً للعمل الجماعي، والمنظم وفق أسس ومبادئ التشاركية كي تخوض الصراعات، لتغيير منطق الدولة وسياستها وكيانها، وتكرس عوضاً عنها قيم العصرانية الديمقراطية على مبدأ، وأسس راسخة وطيدة، لذا، عليها فك الطلاسم كلها، التي كبلتها جسدياً وعقلياً، وإزاحة الستار الغليظ، الذي يحجب المرأة، وتاريخها الخلاق والمُشرف. ليتحول هذا العصر إلى عصر تصحيح مسار التاريخ المتفسخ بين المرأة والرجل، والإنسانية جمعاء، وتشييد نظام مستند إلى المساواة، والعدالة والحرية وفق مبدأ الحياة الندية.
لذا واجهت المرأة ذلك كله، بتشبثها بحقوقها، وإرادتها، وأثبتت قدراتها، وتفوقها في الأوساط العلمية، والثقافية، وحققت إنجازات كانت لها دور أساسيّ في مساعدة أجيال من العلماء، والأمثلة كثيرة منها على سبيل الذكر لا الحصر:
“نير ماتنير” التي كانت أول امرأة نمساوية أستاذة في الفيزياء النووي، “اليس بول” أول أستاذة كيمياء في الجامعة الأمريكية، وكانت من أصول أفريقية، طورت علاجاً لمرض الجذام.
“غريس هوبز” مبرمجة حاسوب ساعدت في تطوير لغات الحاسوب حاصلة على درجة الماجستير، والدكتوراه في الرياضيات، “روزليندا فرانكلين، دوروثي هودجكين، باربرا مكلنيتوك، تويويو، ماريا ديلكمان، ماري كوري، جين جودال، وغيرهن الكثير من النساء البارزات”، فإن مجموعة حصول النساء على جائزة نوبل بين أعوام (1901-٢٠١٨) وصلت إلى اثنتين وخمسين امرأة.
ومن النساء الناشطات في الحركة الاشتراكية العالمية، روزا لوكسمبورغ، التي أسست فيما بعد مع كلارا زتكين “عصبة سبارتاكوس” ودرست الفلسفة، والاقتصاد في المانيا، وكانت كاتبة ومحررة لعدة صحف المانية، وانتقدت المركزية الديمقراطية للينين، ودعت إلى إقامة جمهورية مجالس، وإخراج الجيش من السلطة، ونقدته أيضاً حول المسألة القومية ومفهوم بناء العلاقة بين الحزب.
كما كان لروزا وكلارا نشاطات أخرى حيث جددن من مطالب النساء المنتفضات اللواتي حملن خبزاً بيد وبالأخرى ورداً، وفي عام ١٩١٠ اقترحتا على “سكرتارية النساء الاشتراكية” الاحتفال بالمرأة الكادحة في الثامن من آذار من كل عام من أجل حقوقها السياسية، والاجتماعية، فتمت الموافقة من جانب أكثر من مئة امرأة من سبعة عشر بلداً على اقتراحهما وفي الثامن من آذار عام 1913 تم الاحتفال بهذا اليوم كعيد للمرأة لأول مرة، إلى أن تم اقراره من جانب الأمم المتحدة في عام 1975.
إن نضال وكفاح المرأة في المجتمعات كلها، حسب ظرف الزمان، والمكان سيخلق لهن مكانة عالية في المجتمع، وتدون تاريخها من جديد، وينبغي الاعتراف بإنجازاتهن، وأهميتهن في تطوير المجتمعات؛ لذا على المرأة أن تكافح أضعاف الرجل، لتأهيل وتنمية ذاتها لتكون لائقة بعظمة تاريخها، ودورها الإيجابي وقبولها في القيادة في الميادين كلها، ودعمها للمضي قُدماً نحو المسار الصحيح للحياة، والاستمرار في رفع وتيرة وعيها، والتعمق في البحوث التاريخية لمواجهة الاضطهاد بشتى أنواعه السلطوية، والاجتماعية، والسياسية، لِتُحَوّلَ هذا القرن إلى قرن المرأة بامتياز، وتجسد ذلك في ثورة روج آفا حيث برزت شخصيات عظيمة سطرن الملاحم البطولية نذكر الشهيدات:
سلافا، آرين ميركان، أفيستا خابور، بارين كوباني، هفرين خلف، هند، سعدة، وغيرهن المئات من النساء اللواتي نِلْنَ مرتبة الشهادة، والآلاف من المناضلات، اللواتي يمضينَ على خطاهن ونذكر منهن السياسيات، والدبلوماسيات، والقادات أمثال إلهام أحمد، نظيرة كورية، سينم محمد، آسيا عبد الله، سهام قريو، نوروز أحمد، روجدا فلات، نسرين عبد الله، فوزه يوسف، بشرى علي وغيرهن… حتى أصبحن رمزاً يحتذى بهن في العالم كله.
وبالتزامن مع مرور الذكرى السنوية ليوم المرأة العالمي، نبارك للنساء كلهنّ، الكادحات والعاملات، والرائدات وكل عام وأنتن العطاء وفي تقدمٍ مستمر.





